"اليمين البديل في أمريكا.. "هايل ترامب!

ترامب موجهًا تحاياه (جيم واطسون/PP)

رغم موجة الجنون التي كان متوقّعًا أن تنبثق عن فوز ترامب برئاسة الولايات المتّحدة، والذي تجاوز، بحدّ ذاته، حدود العقلانية والمنطق، إلّا أن ثمة مشاهد كانت عصيّة على التوقّع، حتّى بالنّسبة لأكثر الناس تشاؤمًا. بعد شهر تقريبًا من إعلان ترامب رئيسًا قادًما للولايات المتّحدة؛ وقف ريتشارد سبينسار، وإلى جواره حوالى 200 آخرين، وهتفوا "هايل ترامب! هايل الشعب الأمريكي! هايل النصر!"، ومع ترديد الهتاف، انتصب نحو ستّة شبّان، ورفعوا أيديهم بشكل قطريّ إلى الأعلى مؤدّين التحيّة النازيّة. حدث هذا أمام البيت الأبيض مباشرة، وقبيل "عيد الشكر" في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

نازيون داخل البيت الأبيض؟

سبينسر، الشاب الأمريكي المحتفي بفوز ترامب، والذي يعتبر نفسه عضوًا في ما أسماه "اليمين البديل"، كان في حينها يلقي التحيّة النازيّة لرئيسه المنتظر، وحينما سأله مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" عن ذلك، أجاب: "نحن لم نكن لنعيش في العار والضعف والهوان"، مستطردًا بالقول: "نحن لن نتسوّل الشرعية الأخلاقية من بعض أكثر الكائنات حقارة على الكوكب عبر التاريخ".

غير أن ما يسمّيه سبنسر "اليمين البديل"، لا يحيل إلى مجموعات شبابيّة طائشة، غير معترف بها سياسيّا، ظهرت مؤخًرًا مع موجة التعصّب والعنصرية السائدة في الولايات المتّحدة، وينشط فيها حفنة من المتطرّفين عبر الشبكة العنكبوتيّة، فحسب. ثمّة شخصيّات رسميّة قد تدخل البيت الأبيض حاملة هذا الشعار، وفي مقدّمتها ستيفان بانون، الذي سيكون كبير استشاريي ترامب داخل البيت الأبيض خلال السنوات الأربع المقبلة. هذا المخطّط الاستراتيجي القادم للسياسة الأمريكية سبق أن قال في إحدى مراسلاته إن صحيفة "بريت بارت" التي يمتلكها تعتبر "منبرًا لليمين البديل".

لكن، في الواقع، ربّما كان بانون يملك تصوّرًا مختلفًا لليمين البديل عن التصوّر الذي طرحه سبينسر. في ذلك الوقت، حينما كانت الحملة الانتخابية في أوجها، كانت المرشّحة الديمقراطيّة الخاسرة، هيلاري كلينتون، قد أفردت خطابًا لتلك الفئة، ووصفتها بأنها تمثّل ببساطة "الشعار القديم لتفوّق الرجل (العرق) الأبيض، والذي يستغلّه ترامب بلا خجل".

الجماعات التي تصنّف نفسها ضمن هذا الإطار، مثل جماعة سبينسر، كانت في منتهى السعادة بعد خطاب كلينتون، وهو ما يؤكّدة سبينسر بقوله: "ذلك الأسبوع كان أعظم من أي وقتٍ مضى".

منشقون عن العقد الاجتماعي!

 

لا تزال حركة "اليمين البديل" هذه، على خطورة وحساسيّة الشعارات التي تسوّقها، محدودة التأثير وضعيفة الانتشار. لكن بروزها بهذا الشكل في الأيام الأولى لفوز ترامب، ربّما يحمل دلالات خطيرة عن الطريقة التي تتغير فيها البلاد، بحسب معلّق "نيويورك تايمز"، ويقدّم لنا لمحة عن "أمريكا في عصر ترامب".

منذ انتهاء الحرب البادرة، ومن ثمّ انتخاب أول رئيس من أصول أفريقية في الولايات المتّحدة، ظلّت التحوّلات السياسية والثقافية والعرقيّة تثير التساؤلات مرارًا عن مفهوم "الأمة الأمريكية"، لكن أحد الأجوبة المهمّة، كما يعتقد معلّق صحيفة "نيويورك تايمز"، ظلّ بعيدًا عن طاولة النقاش، وهو أن واقع التعدد الثقافي في الولايات المتّحدة، الذي كان يعتبر الاختلاف حوله من المحرّمات في الماضي، قد تمّ تجاوزه أخيرًا.ترامب كسر هذا الكابوس حينما وعد بإعادة أمريكا عظيمة "مرّة أخرى"، وفاز بالرئاسة.

الأفكار التي تقوم عليها أيديولوجيّات اليمين البديل تتقاطع بشكل كبير مع النظريّات العرقيّة التي سادت أوروبا، قبل أن تنفجر في أتون حرب عالميّة

اقرأ/ي أيضًا: ترامب الواضح... ترامب الجميل

.ولعلّ الأخطر من ذلك، هو أنّ هذا الاختراق أطلق العنان لمتطرّفين آخرين، أو بالأحرى، منشقّين عن "العقد الاجتماعي الأمريكي"، إن صحّ التعبير. ما يعنيه ذلك هو أن جملة "التحفّظات" على "التعددية الثقافية الأمريكية"، والتي قد تظهر بكثرة خلال السنوات الأربعة المقبلة، ستجد لها، ضمن المناخ السياسي المستجدّ، أصواتًا كثيرة مؤيّدة.

بيضٌ أكثر

 لكن الملاحظة الأخرى التي يجدر الانتباه لها ضمن هذا السياق، هو أن وجود تلك المجموعات كان سابقًا بكثير لظاهرة ترامب، غير أن الفارق هنا هو أن رصيدها الاجتماعي الضئيل، وعزلتها عن السجالات السياسيّة، لم يعودا كما كانا عليه في السابق، ذلك أن خطابها الاختزالي والمتطرّف بات يسمع على منابر الحملات والمناظرات الانتخابيّة، وأخذ يجد صداه لدى الشارع، بوصفه مادّة للمساجلة والنقاش في ظلّ حملة محتدمة تجاوزت، في بعض فصولها، بروتوكولات الحملات الماضية.

لم يعتنق ترامب، أقلّه علنًا، أيديولوجية جماعات "اليمين البديل"، بل على العكس، حاول التنصّل منها في إحدى خطاباته إبّان الحملة. لكن الخطاب الذي قدّمه ضرب على أوتار كثيرة مشتركة، لا سيما انتقاده المستمرّ للمؤسّسة السيادية الأمريكية "الاستابلشمنت"، وتحريضه ضدّ الأقليّات والسّود. وبين هذا وذاك، ظلّ الملياردير الأمريكي ينشر باستمرار على صفحته في "تويتر" تغريدات حسابات يمينيّة متطرّفة، كحساب "White Genocide TM"، ويستقطب المزيد من العنصريين إلى جمهوره. لقد بقي ترامب ممسكًا بالخيوط الدقيقة لاستراتيجيّة قائمة على جلب "بيض أكثر وملوّنين أقل".

كان شعار "استعادة أمريكا العظيمة" وحده كافيًا لدغدغة مشاعر هؤلاء، بما يحمله من نظرة اختزاليّة لماضٍ زاخر بالعبوديّة والفصل العنصري ونقاء العرق الأبيض، ومن ثمّ استحضار ذلك الزمن باعتباره رمزًا لـ"العظمة".

ما هو اليمين البديل؟

حينما سئل سبنسر: "كيف يمكنك أن تردّ على الاتّهام بأن اليمين البديل يمارس سياسات الهويّة لإخضاع السود واللاتينيين؟"، أجاب: "نعم، هذا صحيح". جواب سبنسر المقتضب والمباشر على سؤال كان يحسبه الصحافي "اتّهامًا" بإمكانه أن يختصر لنا الكثير مما يمكن أن يُقال عن اليمين البديل.

 

في الواقع، لم يكن ترديد شعارات هتلريّة من قبل هؤلاء أمرًا غريبًا. الأفكار التي تقوم عليها أيديولوجيّات اليمين البديل تتقاطع بشكل كبير مع النظريّات العرقيّة التي سادت أوروبا، قبل أن تنفجر في أتون حرب عالميّة. المعتقدات التي يعتنقها هؤلاء تنطلق من مقاربات شبيهة بالنظريات النازيّة والفاشيّة، وتنبثق من موضوعات الجنس والشعور بالتفوق وعنصرة المجتمع وحتّى "عداء الساميّة".

على موقعه الشخصيّ على الإنترنت، يقدّم سبنسر (سبق ذكره) نفسه على أنّه هو من صكّ مفهوم "اليمين البديل" عام 2008، وأنّه أدار معهد "الوطنيين البيض" للأبحاث، والمعروف أيضًا باسم "معهد السياسة الوطنية"، بهدف توصيف مجموعة واسعة من المثل العليا اليمينيّة التي ترتكز على فكرة "الهويّة البيضاء" و"استعادة الحضارة الغربيّة".

 

 التناغم في الخطاب الذي يتبنّى التمرّد على المؤسسة، وكسر القوالب القائمة، قد يفسّر لنا حماسة أولئك الذين هتفوا "هايل ترامب"

اقرأ/ي أيضًا: السيسي يهنئ ترامب.. وعود وكيمياء متبادلة

رغم ذلك، يبقى من المهمّ الإشارة إلى أنّ هذه القيم كانت سابقةً لعام 2008، وحاضرة، بدرجات متفاوتة، داخل المجتمع الأمريكي حتّى قبل ظهور "اليمين البديل" الذي يدّعيه سبنسر.

يعرّف سبنسر منهجه الجديد بوصفه يمثّل مجموعة من الأيديولوجيات اليمينيّة، والجماعات، والشخوص، الذين يتشاركون اعتقادًا أساسيًّا مفاده أن "الهويّة البيضاء تتعرّض للهجوم بواسطة قوى متعددة الثقافات، مستخدمةً ثيمات كاللباقة السياسية والعدالة الاجتماعية لتقويض البيض وحضارتهم"، ولإيصال هذه المبادئ، فهم يركّزون على "استخدام مكثّف لوسائل الإعلام الاجتماعي والمدوّنات على الإنترنت". وثمّة تأكيد، أخيرًا، على أنهم "يحرصون على تجنّب النمط المحافظ الذي تتبنّاه المؤسسّة (استبلشمنت)، وانحراف الشباب، فضلًا عن تجنّب اعتناق البيض القيم الوطنيّة المبنيّة على تعدّد الإثنيّات باعتبارها (قيمًا أساسيّة)".

في خضمّ ما سبق، يبقى البند الأخير الأكثر أهمّية لاعتبار رئيسيّ، وهو تركيزه على فكرة "عدم تبنّي قيم المؤسّسة". من المهمّ، في هذا السياق، استحضار حديث ترامب عن فساد "المؤسّسة"، وتضييعها حقوق الشعب الأمريكي. هذا التناغم في الخطاب الذي يتبنّى التمرّد على المؤسسة، وكسر القوالب القائمة، قد يفسّر لنا حماسة أولئك الذين هتفوا "هايل ترامب" بجذل أمام البيت الأبيض. الأمر الآخر، الذي قد يعطينا دليلًا إضافيًّا على حقيقة التحوّلات التي تشهدها أمريكا ومدى عمقها، هو أن هذه الجماعات لطالما كانت تعتبر "المحافظين" و"التيارات الرئيسيّة" (Mainstream) داخل المجتمع "ضعيفة" و"عاجزة"، لأنها، ببساطة، لا تعتبر "حقوق البيض الجماعية" قضيّتها الرئيسيّة. لهذا السبب تحديدًا، لم يدعم هؤلاء، لسنوات طويلة، أيًّا من المرشّحين الأمريكيين (بمن فيهم بوش الابن)، وما فعلوه مع ترامب كان سابقة. لربّما توفّر شهادة الباحثة هايدي بيرغ، التي مكثت تراقب بعض تلك الجماعات لـ17 عامًا، خلاصة جيّدة لهذا النقاش، إذ تقول في حديثها لـ"نيويورك تايمز": "إنها المرة الأولى التي رأيت أحدًا منهم يخرج لتأييد مرشّح انتخابي".

*استندت هذه المقالة إلى مقالة منشورة على صفحات النيويورك تايمز يوم الـ2 من كانون الأول/ديسمبر. 

اقرأ/ي أيضًا: 

ساندرز: ترامب استفاد من الغضب ضد مؤسسات الدولة

كيف سيبدو 2017 في ظل رئاسة ترامب؟