اليمن.. محميات عدن الطبيعية مهددة!

اليمن.. محميات عدن الطبيعية مهددة!

تتعرض محميات عدن إلى مخاطر مختلفة(الترا صوت)

مع التضاؤل المستمر لعدد أسراب الطيور التي تحل ضيفة على الشريط الساحلي لخليج عدن كل عام، يبدو أن طائر النورس، بأنواعه، يقلل من تجمعاته بالقرب من الساحل، كما أن طائر البجع قد يترك بحيرته في شاطئ "خور مكسر" في مدينة عدن، ليقود أكثر من مائة نوع من الطيور بعيدًا عن شواطئ عدن، التي غلب على أراضيها الرطبة الزحف العمراني وأصبحت جيولوجيا المكان تضايق أكثر من تسعين نوعًا من النباتات والعشرات من الحيوانات والحشرات، خصوصًا في الآونة الأخيرة، وذلك نظرًا لحالة الانفلات الأمني التي فتحت المجال للاستثمار بالمحميات الطبيعية. 

تضرر الغطاء النباتي والحيواني لمحميات عدن بسبب انتشار الردم والبناء العشوائي على أراضيها

في هذا السياق، يوضح الدكتور أحمد علي مهدي المحضار، رئيس جمعية مبرة عدن، لـ"الترا صوت": أنهم "خلال العام 2011 قاموا برصد سبعين نوعًا فقط من الطيور المهاجرة من أصل مائة وسبعين نوعًا كانت تحط رحالها على شواطئ مدينة عدن". ويضيف: "أثبتت عمليات الرصد والمتابعة للطيور المهاجرة، التي تحط سنويًا على المسطح المائي لعدن في الخامس عشر من أكتوبر ثم تشرع بالرحيل في نهاية شهر يناير، أن أعداد الطيور تناقصت بشكلٍ كبير، كما هو الحال أيضًا مع السلاحف المائية الخضراء التي بدأت بالاختفاء كليًا". ويعود ذلك، حسب المختصين، إلى الدمار الذي تسببت به الحرب وزيادة أعمال الردم والبناء العشوائي في الأراضي الرطبة للمحميات.

كما تسبب التلوث الناتج عن ضعف تنقية ومعالجة مياه الصرف الصحي، التي تصب في بحيرة البجع، في أضرار لحقت الغطاء النباتي، ويؤكد المحضار أن "الانسداد الذي حل بثمانية أنابيب سيؤدي إلى جفاف هذه البحيرة ومحمية المملاح بالكامل"، كما تعرض لتسجيل وفيات لبعض الطيور النادرة والمهددة بالانقراض كأمثال طيور أبو منجل والنورس أبيض العين وزقزاق السرطان.

إثر هذه التطورات الخطيرة، خرج الآلاف من أبناء مدينة عدن في مظاهرات تندد بحالة "الاغتصاب" المتكررة التي تتعرض لها في الآونة الآخيرة محمية المدينة القائمة منذ عام 1839، على وجه التحديد الجزء الشرقي منها، أي محمية المملاح، ومحمية الخط البحري، تحديدًا. بسط المسلحون سلطتهم على هذه المحميات ولا يزالون يقومون بالردم والبناء العشوائي بها، متحججين بصكوك امتلاك مساحات المحميات. بينما يؤكد ناشطون لـ"الترا صوت" أن "الصكوك التي تثبت امتلاكهم لأراضي المحميات مزورة من قبل شخصيات نافذة بغرض بناء منازل خاصة والاتجار بها، حيث تتجاوز قيمة قطعة الأرض الواحدة الأربعين ألف دولار".

أبدى المواطن عثمان صالح، استغرابه مما يحدث في عدن "من استهداف لكل ما هو أثري وطبيعي". يقول لـ"الترا صوت": "منذ خروج جماعة الحوثي وصالح من مدينة عدن ونحن نتهم جهات من شمال اليمن بإلحاق الضرر بمحمية المدينة، لكننا مع الأسف تبيّنا أن أناسًا من جنوب اليمن، هم من يقومون بردم المحميات وتحويلها إلى قطع أراض وبيعها والبناء فيها". وناشدت سماء محمود -إحدى المتساكنين في عدن- السلطات المحلية في المدينة إلى سرعة إنقاذ ما تبقى من المحميات الطبيعية.

تظاهر الآلاف من أبناء عدن منددين بحالة "الاغتصاب" التي تتعرض لها محمية المدينة القائمة منذ سنة 1839

بينما يتساءل الصحفي نبيل مصلح عن "الجهات التي تمنح المتنفذين هذه التراخيص للبناء العشوائي والعبث بأهم معالم المدينة"، ومن جهته، يرى الناشط المجتمعي عاد نعمان، خلال حديثه لـ"الترا صوت" أن "النباتات والطيور، التي تحميها هذه المحميات، هي من أهم ما في عدن التي سكنها الشعراء والأدباء ممن استكانوا لجمالها"، لذلك يصر عاد على ضرورة مواصلة الاحتجاجات وتكرار المطالب بعدم المساس بأي تراث عدني.

عديدة هي الصناعات التي يقتات منها سكان مناطق المحميات وضواحيها، وتكمن أهمية هذه المحميات أيضًا في كونها تمثل ملاذًا آمنًا للعديد من الطيور المهاجرة المعرضة لخطر الانقراض على المستوى الدولي، فضلاً عن القطاع النباتي الذي تتميز به سلسلة محمية عدن. في هذا الإطار، يقول الصياد عبدالله مهدي لـ"الترا صوت": إنه "يعول أسرته من خلال صيد القواقع البحرية واستخراج مادة الظفر منها وبيعها وإنتاج المواد العطرية منها، لكن الاعتداء على محمية الحسوة وردمها قضى على الكثير من القواقع البحرية، فبعد أن كان يتحصل في اليوم الواحد على ثمانية آلاف ريال يمني أي ما يعادل أربعين دولارًا، أصبح معدل دخله لا يتجاوز ثلاثة آلاف ريال يمني في اليوم الواحد"، وتشتهر محمية الحسوة بعدة أنواع من النباتات الطبيعية كنبات أبو فرشة ونخيل البلح والشوخم والكرشة.

يؤكد راشد حازب، رئيس مؤسسة البيئة والقانون التنموية في محافظة عدن، لـ"الترا صوت": أن أربع محميات للطيور والنباتات تضررت في مدينة عدن"، ويتابع: "إحداهن تم ردمها في مديرية خور مكسر والثانية تم ردم جزء منها، فيما الثالثة الواقعة في منطقة المنصورة يتواصل الردم فيها حتى الآن، فيما المحمية الرابعة والتي تحتوي على نباتات وطيور كثيرة في منطقة الحسوة في مديرية البريقة، بدأ بعض المواطنين ببناء غرف كبيرة لأغراض مختلفة". ويشير حازب إلى سبب تدمير المحميات، قائلًا: "موقعها الجغرافي المطل على البحر والاستراتيجي هو السبب، فهو سيسدل مبالغ طائلة على هؤلاء الأفراد المتنفذين من خلال قيام عماراتهم السكنية بدلًا عن المحمية".

لا يعتبر الحفاظ على محميات عدن مطلبًا محليًا فقط ولكنه مطلب دولي نظرًا لتوقيع اليمن على اتفاقية حماية الأراضي الرطبة منذ فبراير 1970

يقول فيصل ثعلبي، مدير مكتب البيئة في مدينة عدن، لـ"الترا صوت" إنه "حصل فراغ في السلطة المحلية منذ خروج الحوثيين من المدينة، ما دفع الكثير إلى الاستيلاء على أراضي رطبة معلنة كمحميات بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 249 لسنة 2008 والخاص بإعلان وإنشاء وإدارة محميات الأراضي الرطبة بمحافظة عدن". وبموجب هذا القرار حددت إحداثيات ومواقع خمس محميات معلنة رسميًا وهي محمية الحسوة وبحيرات عدن والمملاح والوادي الكبير وخور بئر أحمد (الفارسي).

ويؤكد ثعلبي أن "الحفاظ علي هذه المحميات ليس مطلبًا محليًا فقط ولكنه مطلب دولي، باعتبار اليمن قد وقعت على اتفاقية حماية الأراضي الرطبة المعروفة باتفاقية (رام سار) وذلك منذ فبراير العام 1970، وأي ضرر بالأراضي المحمية سيخل في وظائفها ويضعف إنتاجيتها".

أضر الاعتداء على المحميات أيضاً بالجانب السياحي لمدينة عدن. يقول أحمد عبد الله، القادم من محافظة شبوة شرقي اليمن لقضاء إجازته في عدن، لـ"الترا صوت": "ما يغريني في زيارة عدن هو بحرها ومحمياتها الطبيعية لكن عديد الأمور قد تشوهت". فمعظم الأماكن التي كان أحمد يحبذ الاستمتاع بجماليتها صارت ملوثة أو محاطة بأسيجة تعلنها أراض خاصة، تقام فيها مشاريع سكنية وهي بذلك تقضي على المتنفس الطبيعي البيولوجي لهذه المدينة السياحية.

اقرأ/ي أيضًا:

اليمن.. هنا تعز

هنا اليمن.. بلاد الله الضيقة