اليسار المصري.. خسائر متلاحقة

اليسار المصري.. خسائر متلاحقة

يساريون مصريون خلال إحدى مليونيات التحرير

منذ نشأة اليسار في مصر ولم يستطع أن يجعل من نفسه رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية، بل في الأغلب كان مجرد "صفر فاصل" يمكن تجاوزه بسهولة دون وضعه في الحسبان من الأساس، ورغم أن اليسار من أقدم التيارات السياسية في مصر، لكنه لم ينجح في صناعة عمل نضالي تراكمي يتم الاستفادة منه في بناء قاعدية جماهيرية يستطيع من خلالها الانشار داخل المجتمع رغم ما توفر له من إمكانيات في كثير من الأوقات، لتكون المحصلة تاريخ طويل من الإخفاقات والخسائر المتلاحقة.

بداية مليئة بالتناقضات!
لم يستمر الحزب الشيوعي المصري الذي تأسس عام 1922 كثيرًا، فبعد عامين فقط من التأسيس تفكك الحزب أو تكسر على حد وصف مارسيل تشيريزي أحد مؤسسي الحركة الشيوعية في مصر، والذي يروي في شهادة وثائقية له أن من أسباب تخريب الحزب ثم تكسره خيانة محمد محمود عبدالعزيز، الذي كان يتولى منصب السكرتير العام للحزب والذي عمل مرشدًا لدى "البوليس" وكان يقوم بتسليم أعضاء الحزب للأمن، ولم يكن يقوم بتسليم المصريين فقط بل سلم مندوبين من الكومنترن (منظمة الأممية الشيوعية) ما جعل المنظمة تتخذ قرارًا بوقف عضوية الحزب الشيوعي المصري، وأنها لا يمكن أن تضم في عضويتها حزب سكرتيره العام يعمل جاسوسًا لصالح الأمن.

رغم خسائر وفشل قدامى اليسار المصري بسبب استمرارهم كصفر بالمعادلة السياسية إلا أن لهم مساهمات فكرية وثقافية وفنية لا يمكن تجاهلها

ليتعرض اليسار المصري في بداياته إلى ضربة قاتلة بسبب خيانة المخبر/الجاسوس "عبدالعزيز"، ولتشهد البداية تناقضًا رهيبًا وهو أن عناصر الحزب كانوا يتمتعون بقدر كبير من السذاجة وعدم الخبرة التي جعلتهم لا ينتبهون أن أعلى منصب داخل تنظيمهم عميل للأمن.

اقرأ/ي أيضًا: يسار الأسد والوقوف على يساره

وتمر السنوات ويستمر النشاط اليساري، ليتم تأسيس الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني "حدتو"، ويتصاعد دورها، ويقوم أعضاؤها بإعلان اللجنة الوطنية للطلبة والعمال التي شاركت في التصدي للاحتلال البريطاني وحكومة إسماعيل صدقي، وكان لحدتو نفوذ داخل الجيش، وشارك اثنان من كوادرها وهم يوسف صديق وخالد محي في تنظيم الضباط الأحرار، لتدعم حدتو "ثورة" 23 يوليو، ثم يتغير موقفها عام 1953 وتكون من مناهضي السلطة.

ليكتب أعضاؤها شعارات: تسقط الدكتاتورية، ليعد الجيش لثكناته، تحيا الديمقراطية، على جدران المنازل والمنشآت العامة في عدد من أحياء القاهرة، ويزداد تحركهم الرافض للسلطة والمدافع عن الديمقراطية، وليتم اعتقال الكثير منهم، ويقتل شهدي عطية أحد قيادييهم تحت التعذيب في سجن أبو زعبل، وليتغير موقفهم بعد ذلك، وتنتهي حالة الدخول في صراع مع السلطة الناصرية، ويقرر قيادات حدتو حل الحركة بعد أن جمعوا توقيعات الأعضاء، لتنتهي مرحلة بدايات اليسار المصري وهي مليئة بالتناقضات.

مرحلة تالية من تكرار الفشل
المرحلة التالية لتأسيس التنظيمات الشيوعية كما يذكر الكاتب والمؤرخ اليساري أحمد القصير كانت مع تأسيس اليسار الثوري عام 1965، ثم ظهور جماعات أخرى في سنوات لاحقة، وفي تلك الفترة توسع اليسار الثوري سريعًا وتعرض أعضاؤه للاعتقال في أكثر من مرة، ليعود الحزب الشيوعي من جديد في السبعينيات ثم ينتابه الكثير من الضعف نتيجة غياب القيادات التاريخية، ظهر أيضًا في نفس الوقت حزب التجمع كتنظيم سياسي علني بعد سماح السادات بإعادة "الحياة الحزبية".

ويشرح أحمد القصير أن من العوامل الذاتية لضعف التنظيمات اليسارية أنه لم يتم خلق قيادات واعية جديدة تحقق التواصل الفكري وتتمتع بخبرات تنظيمية واسعة، وتحول عدد من "البعثيين" والناصريين وانخراطهم في النشاط الحزبي لليسار الماركسي دون الخلاص من خلفياتهم الفكرية، ودون انصهار فكري ونضالي في بوتقة العمل الشيوعي.

اقرأ/ي أيضًا: مؤسسة كارهي فلسطين

على خطى القدامى.. بل أسوأ
رغم خسائر وفشل قدامى اليسار بسبب استمرارهم كصفر فاصل في المعادلة السياسية لكن لهم مساهمات فكرية وثقافية وفنية وإبداعية لا يمكن تجاهلها، وهذه المميزات لم تتوافر في من قام بالانضمام لصفوف اليسار بعدهم وخصوصًا مع حالة الإفلاس التام التي تسيطر على الحاليين المستقيلين من واجباتهم تجاه الطبقات الشعبية التي من المفترض أنهم يدافعون عنها.

الظاهرة الأسوأ التي عرفتها التنظيمات اليسارية -كحزب التجمع- هي العضوية الورقية، والتي كانت السبب الرئيسي للضعف التنظيمي

وكانت الظاهرة الأسوأ التي عرفتها التنظيمات اليسارية -حزب التجمع نموذجًا- هي العضوية الورقية، والتي كانت السبب الرئيسي للضعف التنظيمي وقلة أعداد اليسار، فالعصبوية المسيطرة على مقاليد تلك التنظيمات كانت من خلال استمارات العضوية الورقية غير الحقيقية تشكل الهيكل القيادي للتنظيمات، ليكون الطريق للصعود للمناصب الحزبية العليا الولاء الكامل لتلك العصبوية الانتهازية المنتحلة لصفة اليسار. ومن خلال تلك الممارسات التآمرية استطاعت إقصاء الكثير من العناصر الجيدة التي رفضت الخضوع لانتهازيتهم وحاولت الارتقاء بالمنظومة الحزبية.

المراجعة والتقييم قبل التجديد
إذا كان البعض يريد المشاركة في بناء حركة يسارية ماركسية قوية في مصر من المفترض مراجعة وتقييم ما حدث أولًا من أجل الارتقاء بالجديد وإبعاده عن عيوب وخسائر الحالي والماضي، مع الاهتمام ببناء الكوادر وتثقيفهم قبل التفكير في تكوين التنظيمات، ولأن الكادر الثوري قبل التنظيم الثوري، وحتى لا توجد تنظيمات تدعي الثورية فيما تتعارض جزئيًا أو كليًا مع الثورة وتنتج انتهازية توظف الشعارات الثورية من أجل الاسترزاق السياسي.

وهنا يشرح الأديب اليساري الدكتور شريف حتاتة أن الجانب البشري في الحركات السياسية مهم جدًا، وأنه لا يستطيع أن يناقش أعضاء التنظيمات كأنهم مجرد ناس يتحركون في الساحة السياسية، لابد أن يناقشهم في أصلهم العائلي والطبقي، في مغامراتهم والأشياء التي حدثت لهم والتأثيرات الثقافية، وكل الأشياء التي تلعب دورًا مهمًا في تكوين الإنسان.

اقرأ/ي أيضًا:
إعلام اليسار السوري من أيام "المناشير"
الحتمية الاقتصادية أم الصراع الطبقي؟