اليد التي تنزف أدرينالين.. عن هوامش غياث المدهون
23 سبتمبر 2025
هامش 1
صدر الكتاب السابق للشاعر الفلسطيني، السوري، السويدي غياث المدهون عام 2017 بعنوان "أدرينالين"، وفي العام 2024 وعن دار المتوسط أيضًا، صدر كتابه "لقد أحضرتُ لكِ يدًا مقطوعة".
هامش 2
كنتُ قد قرأتُ الكتاب الأول على ما أذكر في أواخر العام 2020، حينها كنتُ مقيمًا في كندا، وعلى الرغم من أنني لا أذكر الفترة بالتحديد، إلّا أن ما أذكرهُ تمامًا أنني قرأته مرتين كاملتين ونصف المرّة.
يعود سببُ نصفَ المرّة إلى أنّ "أدرينالين" صار ينتقلُ من يدٍ إلى يد، ومن قارئٍ عربي، لقارئ آخر حتى نسيته، أو لعلّه/ها فضلوا الاحتفاظ به كتذكارٍ منّي بعد أن قررتُ جمع أغراضي في حاوية عشرين قدم، والعودةُ إلى عمان.
هامش 3
حين بدأت قراءة "لقد أحضرتُ لكِ يدًا مقطوعة" (2024) لم أستغرب أبدًا نوعية الدهشة التي أصابتني، بدت وكأنها قد مرّت عليّ قبل ذلك، تفاصيلُ سير قشعريرتها أعرفها، جربّتها، بحثتُ جيدًا في الملفات المخزنّة في أرشيف دماغي حتى وجدتها، وجدتها مستقرة على رفِ مكتبة منزلية صغيرة في وسط أوتاوا، مسجلة باسم "أدرينالين".
هامش 4
لا يُخفي غياث مشاعره تجاه الأمكنة، بل يصدحُ بكلِ ما أوتي من وصفٍ في وجه المدن الكبيرة، والقرى الصغيرة التي عاشَ بها ولو لأسبوعٍ واحد أو أقل، يلتقطُ حقيقة المكان من الثانية الأولى ثم يلقيه في وجه القارئ على شكل فقرةٍ من سطرين أحيانًا، وأحيانًا أخرى من صفحتين وأكثر.
في أدرينالين، يبدأ حديثه عن مدينة "إيبر التي تتوسط حقول الفلاندرز كما تتوسط إصبعٌ وسطى مرفوعة في وجه العالم كفَّ اليد"، ويقارنُ بين المدينة التي مُسحت خلال الحرب العالمية الأولى وبين فلسطين التي مُسحت ولازالت تُمسح بعد الحرب العالمية الثانية.
أمّا في "لقد أحضرتُ لكِ يدًا مقطوعة" والذي كُتبت نصوصه ما بين الأعوام 2017 و2023 فيبدأ غياث حمل اليد المقطوعة من برلين، المدينة التي يقيم فيها حاليًّا، منها إلى دمشق، فلسطين، ستوكهولم، ثم القارّة الأوروبية مجتمعة، ويعودُ منهم إلى البدايات، دمشق.
كتب غياث نصوص أدرينالين في الفترة ما بين 2012و 2016، وهي الفترة التي شهدّت ذروة موجات النزوح السوري إلى أوروبا، وفي المقابل تصاعد مشاعر العداء تجاههم من سكّان أوروبا البيض، وهو ما نقرأه بوضوح في نصوص الكتاب الثاني؛ فلا يحاول غياث مجاملة الواقع العنصري الأبيض فيبتعد عن وجع الرأس، ولا يحاول تخفيف وقع الكلمات لكي يتماشى والصوابية السياسية المُختلقة؛ وهذا ما يتجلى بوضوح في قصيدة/نصّ "نشيد الحُزن" الذي كتبه نهاية عام 2017 كطلب مهرجان الأدب الدولي، ليالي الشتاء في لاهاي - هولندا، منه إعادة كتابة النشيد الوطني للاتحاد الأوروبي المسمى نشيد الفرح، فيقول:
"نحبك يا أوروبا، أيتها القارّة العجوز، لا أعرف لماذا يسمونك العجوز، وأنت شابة بالمقارنة مع مصر وبلادُ الرافدين؟!
نحبك يا أوروبا، وندفعُ لكِ الضرائب كالرجال البيض، ونتحمل مزاجك المتقلب الذي يشبهُ طقسكِ، والنقص الحاد في فيتامين د بسبب ظلمة شتائك.
نحبك، يا أوروبا، ولا ننكرُ أننا جئنا إليكِ من دول العالم الثالث المتخلفة كما تقولين، أنا تحديدًا جئتكِ من دمشق، وتحمّلت الكثير من الكليشيهات والصور النمطية والانطباعات المسبقة من كتّابكِ وشعرائكِ، ورغم أنني أعتبر نفسي نسويًّا، فلقد مللتُ وتعبتُ وقرفتُ من الأسئلة السطحية المكرورةِ حول وضع المرأة في الشرق الأوسط، وها أنا أقرُّ وأعترف، بأن المرأة في سورية لم تتمتع بحق الانتخاب إلّا عام 1949.
أمّا في سويسرا، عاصمة أموالكِ وأموال ديكتاتورياتنا وحساباتهم المصرفية السرّية، فلم يُسمح للمرأة بحق التصويت في الانتخابات إلاّ عام 1971، وطبعًا ليس في مقاطعات سويسرا كلّها، فمقاطعة أبينزيل إينرهودن لم تسمح للمرأة بالتصويت في الانتخابات حتى العام 1991، يا إلهي!".
لم يتوقف غياث في قصيدته هذه عند الاضطهاد والظُلم واللجوء والحروب والعنصرية والتمييز الذي عايشه شخصيًّا كفلسطيني سوريّ، بل إنّ قصيدته فقأت كل الدمامل التي أنتجتها أوروبا، التي مصّت دماء الشعوب من الهند إلى الكونجو، ومن البرازيل إلى نيوزلندا، وذكّرها بمحاكم التفتيش، ولحم المليون جزائري الذين قتلتهم حين طالبوا بالحرية التي نادت بها الثورة الفرنسية.
هامش 5
يكتبُ غياث عن المُدن وإليها بالاسم، لكنه حين يكتب عن فلسطين وإليها، يكتب لفلسطين كلّها، وعنها.
هامش 6
ما بين إصدار الكتابين، أعوامٌ سبعة، حملت معها ما حملت من أخبار وقصص وأحداثٍ وحوادث، ومواقف كبيرة وصغيرة، وأكادُ أجزمُ أنها كانت سبعٌ سِمان لغياث، ولعلّ ما دلّني على هذا هو ما يشعره قارئُ الكتابين من خطٍ متواصلٍ من مواجهة القباحةِ البيضاء بقباحة لغوية هادفة، يكشفُ ببضع كلمات فقط عن سذاجة الأوروبيين وانفصالهم عن الواقع، ويقولُ ما يجبُ أن يُقال لوصف الحدث، مهما كانَ مأساويًّا، كخبر وفاة قارب محمّل باللاجئين بسكتةٍ قلبية؛
"في نشرة أخبار الثامنة مساءً، وبينما كانت مياهُ البحر الأبيض المتوسط تسيلُ بهدوء من التلفزيون إلى الأرضيات الخشبية في غُرف الجلوس، مسببةً ارتباكًا بين العائلات السعيدة في البلاد الآمنة، ومحدثةً اضطرابًا من الدرجة الثانية على الأداء الجنسي للأغلبية الصامتة في وسط وشمال أوروبا، وبطريقةٍ مباغتةٍ تشبهُ نمو الفطر في الغابات، تساءلت سيدة أوروبية من الطبقة الوسطى، عن سبب مجيئهم عن طريق البحر وليسَ بالطائرة بعد حصولهم على الفيزا، لشدّة البراءة البيضاء، انتحر التلفزيون.
في تعليقه على الحادث المأساوي، قال مسؤول الاندماج في دائرة الهجرة في اتصالٍ هاتفي، ماذا سنفعلُ الآن؟ لقد ماتت الشحنة الجديدة من اللاجئين الذين سينظفون خراء المتقاعدين الأوروبيّين العجائز!".
هامش 7
تسيرُ قصائد غياث من بداية الكتاب وحتى ما بعد منتصفه تقريبًا عبر شوارع متدنية السرعة، يحتاجُ القارئ لتكنيك متقدم للقيادة عبرها، شوارعٌ تتزاحمُ فيها الصدمات، والمطبات، والحواجز الكونكريتية والبشرية، وما أن يصل إلى القصائد المكتوبة علم 2023، فسيجدُ أوتوسترادًا بستة حارات وألف سؤال وسؤال.
تنتقلُ بنا قصيدة "أحضرتُ لكِ سورية" إلى الطريق السريع، ونَفَس الشاعر الذي يُعطي من يُحبه كلّ ما يملك، واللاجئ الذي يحبُ إعطاء حبيبته كل ما عانى، وخسر، وما تبقى من رومانسية الحب التي يتذكرها.
يصدمنا غياث ببوحه، يعرفّنا على نوعٍ من أنواع العشق لم نعتدها، فالعاشق يحبُ أن يُهدي عشيقته الأرض وما عليها، وما ليسَ عليها أحيانًا.
من الذي يكلفُ عناء نفسه ليحضر وردةً كونكريتية وأحلامًا منزوعة الكوابيس؟ أو مدنًّا مدمرة ومقابر جماعية؟ فراشات سامّة وأحصنة عربية؟ أرض الميعاد وبلاد محتلة؟ دمًا أسود وأسلحة بيضاء؟ رصاصة طائشة وحزنٌ صغير؟ أبوابًا مفتوحة وشبابيك مغلقة؟ حربٌ أهلية وإبادة جماعية؟
جنود وطرق ومليشيات ونوبات هلع وقصفًا عشوائيًا؟
من يجرؤ على أن يقدم غاز السارين كهدية؟
غياث قد فعل ذلك.
هامش 8
لا تغيبُ دمشق إلّا لتعاود الظهور من جديد في قصيدةٍ أخرى، فصلها غياث عن الجغرافيا وأدخلها التاريخ، لصمت العالم أجمع عن صوت القنابل التي تدمرها، الأمر الذي حوّل صفة الفرد من مواطن مقيم في بلده، إلى لاجئ يبحث عن بلدٍ يقبله.
يصرُّ غياث على تحفيز القارئ ليتوقف عن إكمال الكتاب.
ينكشُ غياث سوسة الفضول لدينا لنضع اليد المقطوعة قليلًا لنتذكر، أو نتأكد أو نعرف ماذا تحتويه الآية الثلاثون من سورة الإنسان، وهل أن الأرجنتين حقًّا هي البلد الايطالي الوحيد الذي يتكلم الإسبانية؟
من دمشق ينقلنا إلى برلين عبر قصائد قصيرة، سريعة، حادّة، تنغرزُ سريعًا في طبقة الجلد الأولى وتبقى هناك، شعورٌ مستمرٌ بانزعاج لا دواء له.
المدينة المشدودة مثل وتر، المجزرة المحتملة، الناجية من السِلم مرّة واحدة، ومن الحرب مرتين، يحبها الناس فقط لأنهم لم يروا دمشق.
هامش 9
الحب خبرٌ سيئ للطرف الآخر، ولا يعتبرهُ مكتملًا فيما لو كانت هناك يدًا ناقصة، فكيف يكتمل العناقُ إن لم تلتقِ اليدان؟ لكن غياث يفصل اليدَ عن الواقع ليعطي المُعانَقَ هامشًا من الحرية للرحيل.
هامش 10
ستوكهولم، المدينة الهادئة عام 2016 بفعل الأدرينالين، نراها هُنا أصبحت أكثر وضوحًا في عينيّ غياث، بردها، شتائها، بحيادها، المال الأسود، العنصرية المتناقصة، التمييزُ المتزايد، التخلف الاجتماعي، السوداوية المُركزّة، عشرةُ أعوام إلا قليلًا مرّت على الوصف السابق للمدينة، عشرةُ أعوامٍ إلّا قليلًا مرّت لتصير مدينة غير حقيقية.
هامش الهوامش
حين تصلُ إلى صفحات النهاية تتمهلُ قليلًا في القراءة، تحاول إبطاء اليد المقطوعة فلا تقوم بطباعة الفهرس وتفاصيل شخصية عن المؤلف، وتُقلّبُ الصفحات بشكل عكسي في محاولة لكي تقتنع أن هذا هو ما قصده الشاعر حين أتى بيدٍ مقطوعة ليهديها.
لمن؟
هذا السؤال الذي لم تُجب عليه قصائدُ الكتاب، فتتسعُ الاجابة بسعة التجربة التي مرّ بها صاحبُ الكتاب متنقلًا من بلدٍ لآخر، ومن صفةٍ قانونية لأخرى تقلُ وتزداد حسب القانون المعمول به في تلك البَلد التي شاء أن تكونَ مُستقرًا للشاعر.
وقد تضيقُ الإجابة لتصبح كلمة واحدة تحمل بداخلها الهاجس الذي يشغل بال الكاتب، وهنا يقفزُ السؤال المُلحّ الذي ظهر في بدايات الكتاب، لماذا فلسطين هي وحدها الكاملة مقابل مدن متناثرة هُنا وهناك؟ لماذا ليست القدس أو جنين في مقابل برلين وستوكهولم؟ لماذا تضيقُ هذه المُدن عليه برغم مساحتها وتتسع له فلسطين؟
أيحملُ كل ما يحمله من هدايا اللجوء ليلقى بها في نهر من الأنهر التي يمر بها؟
أم أنه سيهديه لدائرة الهجرة ليقول لهم إن رحلته لم تكن فائقة الروعة، وهذا تذكارٌ مني يشهدُ على صمتكم؟
أم للاجئة أخرى يلتقيها على طابور التسجيل في المخيمات المؤقتة؟
أم أنه قد حملها معه طول الطريق من البيت الأول في دمشق، لتصيرَ حبرًا على صفحات الكتاب؟
هامش الهوامش 2
لا يعطي غياث أملًا ولا حلًا ولا طريقة للعيش في أوطان اللاجئين الجديدة، لكنه يقف أمام طوابيرهم بكل جرأة صارخًا ومحتجًا ومعلنًا ومصرحًا عن معاناة اللاجئين أجمعين، كما أنه يوظفُ آيات القرآن ليختصر وصفًا طويلًا، بآية من خمسِ كلمات أو أقل، فيتضحُ المعنى.
كما أنه لا يدّعي أن الحل هو في قبول هذه المعاملة التمييزية العنصرية تجاه اللاجئين، لا قولًا ولا فعلًا ولا تقريرًا، إلّا أنه وعن فهمٍ ودراية بأوروبا وشعوبها، من الطبيعي أن يُنظرَ له كناطقٍ غير رسمي باسم معاناة كل من هو ليسَ من ذوي البشرة البيضاء، في العالم الذي يدّعي بيضاه إنسانيًا، وعِرقيًا، لكن حقيقته هي السواد.