اليابان.. فردوس ترامب الذي يحتضر

اليابان.. فردوس ترامب الذي يحتضر

تضمن تاريخ اليابان سياسات معادية للاجئين بشكل متطرف (Getty)

في التقرير أدناه، المترجم عن صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، مثال من مجتمع يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتوق لتحقيق نسخة أمريكية منه؛ أي اليابان، حيث المجتمع المتجانس بطريقة فريدة والسياسات المعادية للمهاجرين. لكن هناك عواقب ربما لا يدركها ترامب في الحالة اليابانية، تسلط السطور التالية الضوء عليها.


يمكن للمرء الالتفات إلى ما يُعرَف في اليابان بظاهرة "Akiya" إن أراد أن يحظى بفكرةٍ جيدةٍ جدًا عمّا سيؤول إليه الحال في الولايات المتحدة، ولربما في غير ذلك من دول العالم، إذا حصل اليمين المتطرّف على حلمه بتجفيف منابع الهجرة.

أثبتت اليابان أن النقاء والتنوع هو مفترق طرقٍ حقيقي. وكل ما في الأمر أن النقاء يؤدّي إلى الانحطاط، والتنوع يعطي أملًا على الأقل في إقامة مجتمعٍ يتمتّع بالحيوية والازدهار

Akiya، تعني لغةً "البيت الفارغ" باليابانية، وهي إشارةٌ إلى بيوتٍ فارغةٍ نهشها البلى بعد أن مات عنها أصحابها، ولم يعد لها من يأوي بها أو يصونها، ووارثوها أنفسهم يزهدون فيها خصوصًا مع الضرائب الباهظة. قدّرت وزارة الشؤون الداخلية في اليابان عام 2013 أن هناك ما يقارب 8.2 مليون بيت مهجور في اليابان. وقد باتت هذه الظاهرة موضع جدلٍ هناك.

اقرأ/ي أيضًا: وقف الهجرة أم وقف الحروب؟

لا ينطوي ذلك بكل الأحوال على قصةٍ لم يروها التاريخ من قبل. فالتعداد السكاني الياباني في انكماش، وتمتد تبعات ذلك إلى كل جانبٍ من جوانب الحياة هناك. وليست ظاهرة الأكيا سوى تجلٍّ واحدٍ لهذه الأزمة. فقد أمسى اليابان اليوم بلدًا كهلًا يموت فيه مواطنوه ولا يجدون من يخلفهم أو يبكيهم، وترى شبح الموت يلتهم شيئًا فشيئًا أحياءً بحالها في اليابان.

تتفاقم ظاهرة البيوت الفارغة بصورةٍ متزايدة آخذةً معها قرىً ريفيةً بأكلمها، ويخلق هذا معه مشاكل عديدة ففي هذه "المجتمعات المحتضرة" في بلدات وأرياف اليابان أصبح مشهد الطفل مشهدًا نادرًا، وتواجه السلطات أزمةً حقيقيةً لتدبّر عمّالٍ اجتماعيين يعتنون بجحافل كبار السن هناك.

مرةً أخرى، ليس في ذلك قصةٌ كانت وليدة الأمس، فاليابان ليست الدولة الأولى التي يغلب فيها معدّل الوفيات على معدّل المواليد (وهي مشكلةٌ حقيقيةٌ في اليابان). ولكن الفرق أن معظم البلاد المتقدّمة الأخرى تسدّ هذه الفجوة باستقدام مواطنين جدد يكونون في الغالب عمّالًا تنبض قلوبهم بروح الشباب وتمتلئ خطواتهم بالأمل في تأمين حياةٍ كريمةٍ لهم ولعائلاتهم. ولكن اليابان كانت الاستثناء لهذا الفصل من القصة.

فقد اصطلح الطيف السياسي في اليابان، منذ زمنٍ طويل، على إيصاد الأبواب في وجه موجات الهجرة الواسعة، لتكون اليابان اليوم أحد "أنقى" الدول عرقًيا على وجه الأرض. ولك أن تفكّر باليابان، في هذا السياق، على أنها فردوس ترامب: شعبٌ ذو هويةٍ قوميةٍ واضحة بنسبة أجانب شحيحةٍ جدًا، ومستقبلٍ معدوم.

وإليك ربما أحد الفصول الجديدة المثيرة للعجب في هذه القصة: تجاوزت مبيعات حفاضات البالغين مبيعات حفاضات الأطفال للمرة الأولى في الآونة الأخيرة. ناقوس خطرٍ آخر ينذر بانهيارٍ ديموغرافي لبلدٍ بات اليوم شبحًا شاحبًا بعيدٌ كل البعد عن القوة الاقتصادية العظمى التي أثارت الذعر في قلوب الولايات المتحدة فيما مضى من أجيال، ولكن الجدب المخيف للعاملين الجدد قد أعاق النمو الاقتصادي جيلًا كاملًا، وتختزل عملية "التنقية اليابانية" اليوم اقتصادًا في انكماشٍ مستمر. وقد أدّى كل ذلك إلى أن تصبح اليابان مكانًا منفّرًا جدًا تمتنع فيه المرأة عن الإنجاب لتفاقم معدّلات المواليد المنخفضة دوامة الموت الديمغرافي، ويُضاف إلى هذا النفور عاملٌ آخر يتمثّل في الأدوار الجندرية التقليدية التي لم تتغيّر كثيرًا منذ الخمسينات.

وصلت هذه المشكلة إلى مستوياتٍ مزريةٍ أجبرت الإدارة السياسية المحافظة التي يقودها رئيس الوزراء شينزو آبي إلى إعادة النظر في موقفها من الهجرة في ظل ضغوطاتٍ هائلةٍ من لوبيات الأعمال المتلهّفة للاستفادة من قوىً عاملةٍ جديدة، وهو ما أقنع الحكومة في النهاية إلى فتح بعض قنوات الهجرة الجديدة، ولو أن الانفصام السياسي ذاته يتجلّى في هذه القنوات أيضًا.

بدأت الحكومة بمنح رخص عمل لعددٍ أكبر من العمال الأجانب، ولكنها أيضًا تبذل جهودًا متواضعةً في مساعدتهم على التكيف. والمناخ القانوني هو الآخر عائقٌ كبير، فقوانين التأشيرات تُلزِم الوافدين بتجديد تأشيراتهم بصورةٍ مستمرة، وتمنعهم في المقابل من جلب عوائلهم. ووضع السكن بالنسبة للوافدين ليس أحسن حالًا، فالتمييز أمرٌ شائعٌ جدًا، وأيضًا قانونيٌّ تمامًا. إذا أتيت للعمل إلى اليابان، فلن يستغرق الوقت طويلًا لتعي رسالة الحكومة اليابانية: تعال واعمل، ولكن اعلم أنك غير مرحّبٍ بك هنا.

تشكّل الضرورات الاقتصادية والمفاهيم الثقافية قطبين متنافرين في دائرة نقاش محور الهجرة، فالتظاهر بأن اليابان تستطيع أن تتدبّر نفسها من دون مهاجرين لم يعد خيارًا ممكنًا، ولكن الترحيب فيهم ترحيبًا حقيقيًا ليس أمرًا ممكنًا على الصعيد السياسي. والحاصل في النهاية هو تزايد عدد الوظائف الفارغة، ويسري ذلك على حقول الصناعة والزراعة، وأيضًا العمّال الاجتماعيين الذين يعتنون بكبار السن في بلدٍ كهلٍ بأمسّ الحاجة لمن يملأ هذه الفجوة.

أزمة البيوت الفارغة هي بلا شكّ أزمةٌ حقيقيةٌ فقد انخفض أسعار بعض البيوت المهجورة التي علتها سيقان الأشجار إلى الصفر دون وجود أي طلبٍ عليها، لتكون النتيجة بعض العناوين الإخبارية الغريبة والمضلّلة التي يصعب تصديقها ربما: "اليابان توزّع بيوتها المهجورة بالمجان".

اقرأ/ي أيضًا: في الفارق الأخلاقي بين السياج الحدودي وتأشيرة السفر

فهذه البيوت "المجانية" تستلزم ما تصل تكلفته إلى آلاف الدولارات من أعمال صيانة وإعادة تأهيل لتكون صالحةً للسكن، وهناك غول ضرائب الملكية الذي سيكون عليك مصارعته أيضًا في النهاية. ولكن حتى لو سلّمنا بأن هذا الجانب من القصة صحيح، وجود بيوتٍ مجانية، فليست هذه واحدةً من التقارير الإخبارية اللطيفة التي نسمعها ونقرؤها عن "عجائب بلاد اليابان"، وإنما إنذارٌ صارخ بانهيارٍ ديموغرافي وشهادة اتهامٍّ حية لبلدٍ قدّم النقاء على التقدم.

اصطلح الطيف السياسي في اليابان، منذ زمنٍ طويل، على إيصاد الأبواب في وجه موجات الهجرة الواسعة، لتكون اليابان اليوم أحد "أنقى" الدول عرقًيا على وجه الأرض

لم يخطئ ترامب بقوله إن الولايات المتحدة تملك خيارًا. فقد أثبتت اليابان أن النقاء والتنوع هو مفترق طرقٍ حقيقي. وكل ما في الأمر أن النقاء يؤدّي إلى الانحطاط، والتنوع يعطي أملًا على الأقل في إقامة مجتمعٍ يتمتّع بالحيوية والازدهار. والسؤال هو: أين يكمن الخيار الأسلم؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

"نكران الثقافات".. عن الهجرة والاندماج

الشباب العربي.. هجرة متزايدة من أوطان تضيق بتطلعاتهم