ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

اليابان بين "الدستور السلمي" وضغوط التعديل: هل تعود النزعة العسكرية إلى الواجهة؟

3 مايو 2026
تغيير الدستور في اليابان
رسالة مصورة من رئيسة الوزراء اليابانية خلال منتدى لدعم تعديل الدستور (Getty)
الترا صوت الترا صوت

تتجه الأنظار إلى اليابان مع تصاعد الجدل السياسي والتاريخي بشأن مستقبل دستورها السلمي، في وقتٍ أعادت فيه الذكرى الثمانون لمحاكمات طوكيو فتح ملفات الماضي، وربطت بينه وبين التحولات الأمنية الراهنة، وبين دعوات التعديل ومخاوف الإقليم، تتبلور أزمة متعددة الأبعاد تمس هوية اليابان السياسية ودورها الدولي.

دفع سياسي لتعديل الدستور

أعادت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكاييتشي إحياء النقاش حول تعديل الدستور، مؤكدة في رسالة بمناسبة "يوم الدستور" أن القانون الأعلى للبلاد "يجب أن يُحدَّث بما يتناسب مع متطلبات العصر".

وأشارت إلى أن الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم سيعمل على دفع النقاش داخل البرلمان، بهدف التوصل إلى توافق سياسي يمهّد لإجراء أول تعديل دستوري منذ اعتماد الدستور عام 1947.

ويُعد هذا الدستور، المعروف باسم "الدستور السلمي"، أحد أبرز معالم مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ تنص مادته التاسعة على نبذ الحرب ورفض امتلاك قدرات عسكرية هجومية، ما جعل اليابان لعقود نموذجًا لدولة تتبنى السلام كخيار استراتيجي.

حذرت بكين من أن أي مسعى لتبييض صفحات العدوان الياباني، التي كشفت تفاصيلها محاكمة طوكيو، سيواجه معارضة من المجتمع الدولي

غير أن تاكاييتشي ترى أن هذه الصيغة لم تعد كافية في ظل التحديات الأمنية المتزايدة، وهو ما دفعها إلى طرح فكرة مراجعة المادة التاسعة، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل اليابان، ورافقتها احتجاجات وتحذيرات من تغيير جوهري في هوية الدولة.

إلا أن استطلاع رأي أجرته وكالة "كيودو" أظهر أن 73% من اليابانيين يفضلون تحقيق توافق واسع بين الأحزاب السياسية قبل المضي قدمًا في أي تعديل دستوري.

محاكمات طوكيو تعود إلى الواجهة

تزامن هذا الجدل مع إحياء الذكرى الثمانين لانطلاق محاكمات طوكيو، التي شكّلت محطة مفصلية في محاسبة قادة اليابان العسكريين بعد الحرب العالمية الثانية.

ففي عام 1946، أدانت المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى 25 من كبار المسؤولين اليابانيين بتهم ارتكاب جرائم حرب، وصدر حكم الإعدام بحق سبعة منهم، بينهم رئيس الوزراء الأسبق هيديكي توجو.

وفي هذا السياق، أكدت وزارة الخارجية الصينية، أن هذه المحاكمة تعكس الإرادة الجماعية للدول المنتصرة وضحايا العدوان الفاشي، كما أرست الأساس القانوني للنظام الدولي بعد الحرب.

وأضافت أن القوى اليمينية في اليابان لا تزال تسعى إلى إنكار التاريخ وتحريفه، مشيرة إلى تحركات الحكومة اليابانية لإعادة التسلح عبر نشر أسلحة هجومية، وإعادة بناء صناعتها العسكرية، والدفع نحو تعديل دستورها السلمي.

وحذرت بكين من أن أي مسعى لتبييض صفحات العدوان الياباني، التي كشفت تفاصيلها محاكمة طوكيو، سيواجه معارضة من المجتمع الدولي.

انتقادات لعدم مراجعة الماضي

يرى منتقدون أن المشكلة لا تقتصر على التعديلات الدستورية، بل تمتد إلى ما يعتبرونه "قصورًا" في مراجعة اليابان لماضيها الحربي.

وأشار أكاديميون ومسؤولون إلى أن بعض الممارسات، مثل زيارات سياسيين يابانيين لضريح ياسوكوني، الذي يكرّم مجرمي حرب، أو تعديل المناهج الدراسية، تعكس توجّهًا لإعادة تفسير التاريخ أو التقليل من حجم الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب.

ويُعد ضريح ياسوكوني في طوكيو مزارًا دينيًا أُنشئ عام 1869 لتخليد قتلى الحروب في اليابان، إذ يضم أسماء نحو 2.5 مليون شخص، بينهم جنود ومدنيون. غير أن الجدل حوله يعود إلى إدراج 14 من مجرمي الحرب من الفئة "أ" الذين أُدينوا خلال محاكمات طوكيو، ما يجعل زيارات السياسيين اليابانيين له مثار انتقادات حادة من دول آسيوية ترى فيها تمجيدًا لماضٍ عسكري عدواني.

وفي هذا السياق، قال باحثون إن تجاهل الماضي أو تبييضه يفتح جراحًا تاريخية لم تلتئم بعد، ويثير مخاوف لدى الدول التي عانت من الاحتلال الياباني، مثل الصين وكوريا والفلبين.

كما اعتبر آخرون أن استمرار هذه الممارسات، بالتوازي مع دعوات تعديل الدستور، قد يُفهم على أنه تمهيد لإعادة إحياء النزعة العسكرية، حتى وإن كان ذلك بشكل غير مباشر.

توقيت تعديل الدستور وميزانية الدفاع

بالتزامن مع طرح تعديل الدستور، كانت اليابان قد أقرت، الشهر الماضي، أنها تحرز تقدمًا نحو هدفها المتمثل في رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب ما قال وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي، مشيرًا إلى أن ميزانية الدفاع للعام المالي الجاري ستقترب من هذا السقف عند نحو 1.9% من الناتج.

وأوضح شينجيرو كويزومي، خلال مؤتمر صحفي، أن الإنفاق المرتبط بالدفاع في السنة المالية الممتدة حتى مارس/آذار 2027 سيبلغ نحو 10.6 تريليونات ين (66.6 مليار دولار)، وهو رقم قياسي مقارنة بالسنوات السابقة.

وخلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، نشرت اليابان في أواخر مارس/آذار صواريخ بعيدة المدى في محافظة كوماموتو، على الساحل الجنوبي الغربي للجزيرة. وعلى عكس المنشآت الدفاعية السابقة، فإن هذه الصواريخ قادرة على ضرب الصين، في وقت تعتبر فيه طوكيو بكين أكبر تهديد لأمنها القومي.

وأكد وزير الدفاع، أثناء نشر الصواريخ، أن "اليابان تواجه بيئة أمنية هي الأكثر خطورة وتعقيدًا في حقبة ما بعد الحرب"، وأن البلاد يجب أن تعزز "قدرتها على الردع والاستجابة".

وبذلك، فإن الجمع بين تعديل الدستور وزيادة الإنفاق الدفاعي ونشر الصواريخ وتطوير قدرات عسكرية جديدة قد يغيّر موازين القوى في شرق آسيا، ويعيد فتح ملفات تاريخية حساسة.

وفي منطقة لا تزال ذاكرة الحرب العالمية الثانية حاضرة فيها بقوة، فإن أي خطوة تُفسَّر على أنها عودة إلى الماضي العسكري تحمل وزنًا مضاعفًا، وقد تؤدي إلى تصعيد غير مقصود في العلاقات الإقليمية.

دروس من الحرب الأميركية الإيرانية

تعتبر الحكومة اليابانية، من خلال مراجعتها للحرب على إيران، أن أميركا لم تتمكن خلال الحرب من حماية حلفائها في مواجهة الضربات الإيرانية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة واشنطن على حماية طوكيو من قوة كالصين، التي تتعاظم ترسانتها النووية.

وكانت اليابان ترى في القوات الأميركية على أراضيها مظلة حماية، إلا أن هذه القناعة تدفعها اليوم إلى التفكير في تطوير وسائل ردع ذاتية تعتمد على قدراتها المحلية.

وتحتل اليابان المرتبة الأولى عالميًا من حيث حجم الوجود العسكري الأميركي، إذ تضم نحو 15 قاعدة كبرى، يقدَّر عدد الجنود فيها عام 2025 بنحو 55 ألف جندي.

وقد أعاد هذا الواقع فتح النقاشات بشأن إمكانية امتلاك قدرات ردع متقدمة، بما في ذلك خيارات كانت تُعد، حتى وقت قريب، خارج الإطار التقليدي للسياسة اليابانية. وتعكس هذه التحولات تغييرًا تدريجيًا في العقيدة الأمنية لليابان في تبنّي دور أكثر فاعلية في المجال العسكري.

بين الماضي والمستقبل

في المحصلة، تكشف التطورات الجارية في اليابان عن مفترق طرق حاسم بين الحفاظ على إرث ما بعد الحرب، أو الانخراط في مسار جديد يعيد تعريف دورها السياسي والعسكري.

ففي حين ترى الحكومة أن التعديل الدستوري ضرورة لمواكبة التحديات الأمنية، يخشى جزء من الداخل الياباني أن يؤدي ذلك إلى تقويض الأسس التي قامت عليها اليابان الحديثة، وأن يؤجج التوتر مع دول أخرى كالصين.

تقرؤون المزيد في: كوريا الشمالية تطلق صواريخ باتجاه بحر اليابان وتعيد تصعيد التوتر

كلمات مفتاحية
حزب الأصالة والمعاصرة

عودة الترحال السياسي بالمغرب.. تراجع الحزب وصعود المرشح

مع انطلاق عملية إيداع الترشيحات للانتخابات التشريعية، عادت ظاهرة الترحال السياسي إلى واجهة المشهد السياسي المغربي بقوة

الولايات المتحدة وإيران

كيف تراهن واشنطن على دفع طهران إلى تقديم تنازلات؟

تراهن واشنطن على مجموعة من العوامل لدفع طهران إلى تقديم تنازلات

حزب البديل

ألمانيا أمام صعود "البديل".. اليمين المتطرف يقترب من الحكم

حقق حزب "البديل من أجل ألمانيا" نتيجة تاريخية تضع النظام الحزبي الألماني أمام اختبار جديد: كيف يُبقي اليمين المتطرف خارج السلطة التنفيذية بعد تحوله إلى قوة انتخابية كبرى؟

صورة تعبيرية
نصوص

رسائل هاملت المتأخرة

لا وقتَ للشعرِ؛ فالذِكرياتُ تئن، في حبرٍ جليلٍ وأوراقٍ جَميلة، لا وقت للشعر، فالشعر في المنفى قليلُ الحيلة

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

كيف توظّف تايوان "سلاح الرقائق الإلكترونية" لتعزيز نفوذها؟

تواجه تايبيه معضلة استراتيجية، فكلما نجحت في استخدام صناعة الرقائق لتعزيز علاقاتها الدولية، زادت الضغوط عليها لتوزيع هذه الصناعة عالميًا

فرنسا
مجتمع

"عزلة وفرط تنبّه".. عن المعركة النفسية والتعليمية للطلاب العرب في فرنسا

يعاني الطلاب العرب في فرنسا من انعدام اللغة والتواصل، إلا أن أعداد كبيرة منهم يتجاوزون التحديات وينجحون بالالتحاق بالجامعات الفرنسية، ومختلف مجالات العمل

أديداس
راصد

أديداس تروّج لجندي إسرائيلي مبتور الساق.. غضب واسع ودعوات للمقاطعة

تركزت الانتقادات بشكل أساسي على المفارقة التي تتمثل في إبراز تجربة جندي إسرائيلي مبتور الساق، في الوقت الذي يعاني فيه آلاف الفلسطينيين، وبينهم عدد كبير من الأطفال، من إصابات وبتر للأطراف جراء حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة