ultracheck
  1. قول

الولايات المتحدة والصين: من النزاع التجاري إلى الحرب التكنولوجية

27 نوفمبر 2025
الحرب الباردة الرقمية
تمدّدت الحرب الرقمية لتشمل سلاسل الإمداد العالمية (وسائل التواصل)
نادين الكحيل نادين الكحيل

شهد العالم في السنوات الاخيرة تطورًا تكنولوجيًا هائلًا، تبعه ثورة رقمية غيرت من ملامح الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، وتمثلت في (الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، الاتصالات المتقدمة، والحوسبة الكمية...)، حيث أصبحت ركيزة أساسية للقوة الجيوسياسية، كما اعتبرت محركًا أساسيًا وعاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي.

وفي هذا السياق، برزت الصين كقوة صاعدة تسعى إلى توظيف الثورة الرقمية لتحقيق نهضة شاملة في ميدان التكنولوجيا الرقمية والابتكار، ومنافسة الولايات المتحدة على موقع الريادة العالمية عبر توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة.

وبالتالي، تتجه العلاقات الأميركية–الصينية نحو مستوى جديد من المواجهة، عنوانها الحرب الباردة الرقمية، حيث تتحول المنافسة بين أكبر قوتين في العالم من سباق صناعي وتجاري إلى صراع على التحكم بالبنى التكنولوجية التي ستحدد شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة.

سباق على التفوّق التكنولوجي

تشكل تقنيات الذكاء الاصطناعي (الجيل الخامس، أشباه الموصلات، والحوسبة الكمية...) ساحات أساسية للمواجهة. فواشنطن تفرض قيودًا صارمة على تصدير الشرائح المتقدمة للشركات الصينية، معتبرة أن التفوق التكنولوجي "خط أحمر" للأمن القومي. في المقابل، تستثمر بكين مئات المليارات لتحقيق استقلال تكنولوجي يقلّص حاجتها للتكنولوجيا الغربية.

حيث امتلكت الصين حتى نهاية أب/أغسطس 2025 أكثر من 4.65 مليون محطة (G5)، كما كشفت عن تطوير أول شريحة لشبكات الجيل السادس(G6)  في العالم، القادرة على تحقيق سرعة بيانات تتجاوز 100 جيغابيت في الثانية. كما كشفت السلطات الصينية موخرًا، عن خطة لتسريع تكامل الذكاء الاصطناعي مع قطاع الطاقة، فبحلول 2030 ستشهد تقدمًا لتنسيق الطاقة الحاسوبية وامدادات الكهرباء في العالم.

يشير تقرير "تنمية اقتصاد الهاتف المحمول في الصين 2025" الصادر عن جمعية شبكات الهاتف المتنقل (GSMA) بأنه من المتوقع ان تساهم تكنولوجيا الهاتف المحمول والتحول الرقمي بمبلغ 2 تريليون دولار أميركي في الاقتصاد الصيني بحلول عام 2030، أي ما يعادل نحو 8.3% من إجمالي الناتج المحلي للصين، وستستفيد آلاف الصناعات في الاقتصاد الصيني بشكل كامل من تقنية الجيل الخامس، كما تستهدف الصين الوصول إلى 60% بحلول 2035.

بالاضافة الى التوسع الدولي عبر "طريق الحرير الرقمي" حيث توزعت الاستثمارات في أكثر من 80  دولة في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي والمدفوعات الرقمية.

في المقابل، تستحوذ الولايات المتحدة الاميركية على أكثر من 70% في أكبر شركات التكنولوجيا العالمية مثل (Apple وGoogleوMicrosoft).

ففي 23 تموز/يوليو 2025، أصدر البيت الابيض وثيقة "الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي: خطة عمل الذكاء الاصطناعي الأميركية" التي تهدف إلى دفع وتسريع الابتكار، وبناء بنية تحتية قوية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تأكيد نفوذ القيادة الأمريكية على الساحة الدولية.

العلاقات الأميركية–الصينية تتصاعد نحو حرب باردة رقمية، تتحول فيها المنافسة من تجارية وصناعية إلى صراع للهيمنة على البنى التكنولوجية المستقبلية

معركة السيطرة على سلاسل الإمداد

تمدّدت الحرب الرقمية لتشمل سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا في قطاع الرقائق. فواشنطن تضغط على دول آسيوية وأوروبية لإعادة تشكيل خريطة الإنتاج خارج الصين، في محاولة للحد من وصول الصين إلى الرقائق المتقدمة من خلال "قانون الرقائق والعلوم" (CHIPS Act) بقيمة 280 مليار دولار. وفي المقابل، تسعى بكين لتثبيت نفوذها في المعادن النادرة وصناعة التجهيزات، مما يمنحها أدوات للضغط المضاد. وقد تطوّرت الحرب التجارية التي بدأت في 2018 إلى حرب تكنولوجية تشمل القيود على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.

يعد التنافس الأميركي- الصيني أوسع وأعمق صراع استراتيجي في القرن الحادي والعشرين، يمتد من الاقتصاد والتكنولوجيا الى النفوذ الجيوسياسي والعسكري، وينظر اليه انه سباق على قيادة النظام العالمي الجديد.

الفضاء الإلكتروني كساحة صراع

لا تقتصر المواجهة على التقنيات، بل تشمل حربًا سيبرانية منخفضة الوتيرة تتبادل فيها واشنطن وبكين الاتهامات بشنّ هجمات إلكترونية تستهدف مؤسسات حكومية وشركات كبرى. كما تتسع المواجهة لتشمل المعايير الرقمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والبيانات، حيث تحاول كل قوة فرض نموذجها على الحلفاء والشركاء.

حيث تتوسع الحرب المعلوماتية عبر الذكاء الاصطناعي والدعاية الرقمية (مثل تيك توك مقابل إكس وميتا)، ففي 2025، فرضت الولايات المتحدة قيودًا إضافية على تطبيقات صينية بدعوى تهديد الأمن القومي.

اعادة تشكيل ملامح النظام الدولي

إعادة تشكيل النظام الدولي ليست مجرد نتيجة لصراع عسكري او اقتصادي واحد، بل هي حصيلة تفاعل لسياسات اقتصادية وتحالفات جيوسياسية وتطور تكنولوجي وتنمية لبنى تحتية وتعزيز لقدرات الطاقات البشرية، وبالتالي محركات اعادة التشكيل تستند الى عوامل متعددة: التفوق التكنولوجي، القدرة الاقتصادية والاعتماد المتبادل، النظام السياسي، النفوذ عبر البنية التحتية الرقمية، التحالفات وسباق بناء الكتل.

وبالتالي، تضع هذه الحرب الدول المتوسطة بين خيارين: إما الانضمام إلى المظلة التكنولوجية الأميركية، أو الاستفادة من العروض الصينية التي تقوم على البنية التحتية والاتصالات. فالحرب الباردة الرقمية ليست مجرد تنافس اقتصادي، بل معركة على مستقبل القوة العالمية حول: من يضع معايير الذكاء الاصطناعي؟ من يتحكم بالبيانات؟ ومن يمتلك مفاتيح التكنولوجيا الاستراتيجية؟ ليعيد رسم خارطة النفوذ.

يتضح مما تقدم، بأن الثورة الرقمية منحت الصين أدوات استراتيجية لتعزيز مكانتها الدولية كقوة عالمية، لكنها في الوقت ذاته وضعتها في مواجهة مباشرة وسباق تكنولوجي مع الولايات المتحدة على قيادة النظام الرقمي العالمي. إن طبيعة هذا الصراع تتجاوز حدود الاقتصاد والتكنولوجيا لتطال مستقبل النظام الدولي برمته. وعليه، فإن التنافس الرقمي بين واشنطن وبكين قد يكون العامل الأكثر تأثيرًا في رسم واعادة تشكيل ملامح النظام الدولي خلال العقود القادمة.

كلمات مفتاحية
طهران

حرب إيران.. إقليم قيد التحول

بقدر ما تهدف هذه الحرب إلى تقليص القدرات الإيرانية، فإنها تحمل في جوهرها قابلية للانفجار نحو الإقليم والاقتصاد العالمي معًا

طهران

العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران: هل هو سيناريو حرب "الـ12 يومًا" أم مواجهة غير مسبوقة؟

اللافت أن الضربة الحالية، ورغم تقاطع المبررات التي قدمتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو، تبدو مختلفة جوهريًا عن حرب "الأيام الـ12"

الجبهة الجنوبية

مستقبل غرف العمليات العسكرية المشتركة في سوريا: بين إعادة هندسة الدعم والإمداد اللوجستي

شكّلت غرف العمليات العسكرية في سوريا نموذجًا متقدمًا لإدارة الحروب غير المباشرة عبر منظومات توزيع الدعم والموارد أكثر من إدارتها عبر القيادة الميدانية التقليدية

الضاحية الجنوبية لبيروت
سياق متصل

غارات إسرائيلية مكثفة على بيروت وإنذارات متبادلة على الحدود

غارات إسرائيلية مكثفة على بيروت والضاحية ونزوح واسع، مقابل إنذارات حزب الله بإخلاء مستوطنات حدودية وتصاعد المواجهة على الجبهة اللبنانية

صنعاء
سياق متصل

الحرب على إيران.. ماذا ينتظر الحوثيون؟

يحضر اليمن مجددًا في واجهة الأحداث الإقليمية، وتحديدًا في التصعيد العسكري الواسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى

هرمز
أعمال

بكين تضغط على طهران لفتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط

نحو 45% من واردات النفط التي تعتمد عليها الصين تمر عبر مضيق هرمز

الفضاء
تكنولوجيا

الفضاء كساحة حرب جديدة: كيف غيّر العدوان على إيران قواعد الصراع؟

لم تعد الحرب حكرًا على الجيوش النظامية، بل باتت تحوي شبكة معقدة تضم شركات تكنولوجيا، ومشغلي أقمار صناعية، ومحللي بيانات، ومنصات رقمية