الوقوف على أطلال قورينا الليبية

الوقوف على أطلال قورينا الليبية

التاريخ يتكلم (عن الفيسبوك)

أيها الحجرُ العنيد

 يامن تحملُ جزءًا من ذاكرتنا

 ترفق بها وعاند النوائب

 واحملها إلى غيرنا كصفحة دفتر عتيق !!

هذا ليس غزلًا بالتاريخ، إنما مطاردة للحوادث. تُثيرنا كتب التاريخ بما تحويه من ارتباك ومتناقضات، كما يثيرنا قلق المؤرخين المُصر على الإمساك بالحقائق عبر أكوام الأكاذيب. تهجسُ في القلب أطلال القرون الغابرة، ويسحرنا تنوع الفسيفساء المتآكل. هناك حياة أخرى تختبئ وراء حجارة التماثيل. مدينة قورينا أو "شحات"، كما نُسميها اليوم، لغز حائر وعصي على الإجابة، كلما تجول العابر في أطلالها العتيقة رجع بجرابٍ عامر بالأسئلة. متحفٌ متكاملٌ يتربعُ على مجموعة من التلال، ويشرفُ على سفوح أخرى، بعضه أظهرته البعثات الاستكشافية المتعددة، وبعضه مازال مختبئًا عبر أماكن متفرقة في المدينة القديمة والحديثة.

جاء إلى قورينا مجموعة من المهاجرين الإغريق في فترة من الزمن وشيدوا هذه المدينة

يظهرُ جليًا للعيان فيها خراب آني ومستمر. في هذه الذاكرة الملقاة على ظهر ربوة ليبية، جاء إليها مجموعة من المهاجرين الإغريق في فترة من الزمن وشيدوا هذه المدينة. ربما لأن دليلهم الليبي حسب ما تروي كتب التاريخ فضل أن يقودهم ليلًا مبتعدًا عن أراضٍ خصبة أخرى في طريقهم من خليج بمبة مكان نزولهم الأول، ليضعهم على مكان لا يقل جمالًا، على هذه الربوة التي تقابل البحر تقريبًا.

المكان بكامل تفاصيله أسطوري، ربما يرجع ذلك إلى سببين رئيسيين:

السبب الأول هو توافر المعلومات التاريخية المتكاملة عن نشأة المكان وتفاصيل قدوم الإغريق وما خالطها من أساطير. والسبب الثاني هو توافر أغلب تفاصيل المكان من معابد ومدافن وكهوف واحتفاظ هذه المعالم ببعض حيويتها التاريخية.

المكان بصورته الحالية يعكسُ حجم المدينة التي كانت في المسافة بين معبد زيوس إلى موقع الحمامات اليونانية شاسعة. المسافة هنا تعكسُ حجم المدينة في الماضي البعيد، و الجزء المختبئ تحت كيان المدينة الحديثة التي لا تبعد كثيرًا. كذلك حجم المعالم الأثرية الموجودة في الهواء الطلق، يعكسُ حجم الثروة المتروكة في العراء عرضة للطحالب والسرقة وعوامل التعرية. الأمر الذي جعل بعض هذه القطع الأثرية تجد طريقها عبر لصوص القطع الاثرية إلى متاحف الغرب، ولعل أشهر القطع التي سرقت هي:

تمثال "الحسناوات الثلاثة" والذي سرق عام 1990، وتمكنت ليبيا من استرجاع جزء كبير منه بعد معركة قادها أحد أبناء المدينة وهو د.فضل علي، ومازال هناك أحد الرؤوس الغائبة لهذ التمثال.

إلى ذلك، هناك تمثال "أفروديتقورينا" الذي عثر عليه عام 1913 بعد أن كشفته سيول المياه ذلك العام، والذي كان يزين متحف توريتنو بإيطاليا و تمكنت ليبيا من استعادته مسجلات قضائية و دبلوماسية عام 2007.

هناك فعل هدم دائم للذاكرة يشتركُ فيه الجميع. الدولة بممارسة البيروقراطية وبلادة القرارات الإدارية، وهناك عوامل التعرية المختلفة تفعلُ فعلها في الأطلال، وطبعًا، هناك المواطن الذي لا يكترث. قورينا اليوم، هي مثالٌ حي على ما تتعرض له ذاكرتنا من نهب وخراب في مقابل ازدهار ثقافة الاستهلاك والثراء السريع والمخططات السكنية القزمية التي تلتهم المكان بتاريخه وأساطيره. ثمة موتٌ لحظي ومستمر لكل هذه الكنوز المرمية في الخلاء.

اقرأ/ي أيضًا:
غرداية... الوجه الأزرق الساطع للجزائر
"ورزازات" المغربية.. هوليود إفريقية دافئة