الوظيفة والأدب: لماذا هذه الحرب؟
11 ديسمبر 2025
أتذكّر بوضوح جدّي خليل رحمه الله، وهو يحتضنني في المخيم طفلًا ويقبّلني بحنان، داعيًا ربَّه: "يا رب تطلّع معلّم يا زياد، زي أبوك".
وكان أبي يضحك بصوت عالٍ وهو يقول لي: "أوعَ، ادعُ الله ألّا يستجيب لجدّك".
فأسأله: لماذا يا أبي؟
فيجيب: "سيّدك بعرف بس صورة معلّم الخمسينيات والستينيات، أيام الهيبة والكرامة والاحترام، وما بعرف شو حاله بعدها".
وهكذا صار التعليم عندي بمنزلة "الفوبيا". لكن القدر كان يخبّئ لي مفاجأة قاسية؛ درستُ في جامعة اليرموك اللغة العربية، وعدتُ إلى فلسطين لأبحث عن عمل، فوجدت قناعة راسخة عند الأصدقاء والأهل بأن التعليم هو أنسب وأسهل المهن لهذا التخصص. كانت أمنيتي أن أكون صحفيًا، وكنت قليل الخبرة قبل دخول الجامعة، ولم ينصحني أحد بالابتعاد عن دراسة اللغة العربية، ولم أكن قد تعرّفتُ على العظيم حسين البرغوثي الذي برّر عدم دراسته للغة العربية بأنه لا يريد أن يتدخّل أحد بينه وبين تذوّق الأدب العربي.
ثلاثون عامًا في المدارس أعلّم مواقع الهمزة والمحفوظات والمطالعة، أحترق بالوقت المحدّد؛ جرس يدخلني حصة، وجرس آخر يخرجني. صرتُ آلة، ومثل كائنات الزومبي كنت أترنّح بين غرفة المعلمين والصفوف، مكسور القلب، عاجزًا عن التفكير ببدائل، أموت على دفعات، وأفكّر ألف مرّة في اليوم بهروب فجائي مجنون من المدرسة كما فعل صديقي المسرحي السوري، ابن الجولان، معتز أبو صالح. حين داهمته استنارة روح شجاعة بينما كان يشرح درسًا للطلاب، رمى الطبشورة على الأرض، ومشى إلى باب الصف، وغادر المدرسة بهدوء، تاركًا معطفه وصيحات مديره وسجائره وشغب الطلاب وجثته بلا عودة.
أسّس معتز مسرحًا يدرّب فيه الفنانين الصغار على رؤية العالم من منظار جميل وحقيقي؛ يأتي إلى عمله الجديد وقتما يشاء: لا أوامر، لا جرس، لا رعب من مفتش، لا كذب، لا أطفال يُعاقَبون بقسوة لأبسط الذنوب.
وفي أثناء هذه المحرقة، قرأتُ كثيرًا عن تجارب أدباء جرّبوا أن يكونوا معلمين فهربوا من أول رنّة جرس. فقد قرأتُ في مذكرات الشاعرة فدوى طوقان "أخي إبراهيم" وصفًا لموقف إبراهيم حين حثّه والده على اختيار مهنة التعليم، وتنقل فدوى كلام شقيقها: "لا أستطيع تخيّل نفسي معلّمًا؛ فهذا عمل لم يُخلق لي." لكنه في النهاية استجاب لطلب والده وعلّم سنة واحدة فقط في مدرسة النجاح بنابلس.
وكان طه حسين يتذمر باستمرار من بيروقراطية التعليم وأعبائه، ومن عدم وجود وقت للكتابة. ولم يقدر الشاعر العراقي الشهير بدر شاكر السيّاب على إقناع نفسه بالبقاء معلمًا؛ سنة واحدة أو أقل وغادر إلى حدائق الحرية والشعر حرًا كطير.
كافكا كان يتذمّر من عمله في مؤسسة التأمين التي كانت تستهلك روحه ووقته، ولم يحبّ الطبيب والقاص المبدع أنطون تشيخوف عمله في وظيفة حكومية لأنها كانت تعرقل خياله وإنتاجه القصصي.
كذلك عبّر أدباء كُثُر عن رعبهم من الوظيفة: إليوت، يوسف إدريس، ألبير كامو، سعد الله ونوس، بول أوستر، هنري ثورو، جيمس جويس، عبد الرحمن منيف، قاسم حداد، نجيب محفوظ، ومئات الشعراء والروائيين والفنانين في العالم الذين اختاروا حماية مشاريعهم وأعمالهم من مجزرة العمل الحكومي والمؤسساتي.
وقبل التقاعد بعشر سنوات فقط، وبعد عشرين عامًا من الموت، حظيتُ باستنارة لا تشبه استنارة معتز، لكنها كانت بداية حياة جديدة لي في المدارس. سألتُ نفسي، وكنتُ أجلس في مكتبة المدرسة وحدي: ما هذا الضعف؟ لمَ لا تفعل شيئًا؟ لمَ لا تقاوم هذا الحريق بالأدب والفن؟ لمَ لا تحتمي بقصصك وعالمك الفني؟
وكان أول شيء جميل فعلتُه في الصف بمدرسة المغتربين في مدينة البيرة، خريف عام 1999، هو الاتصال من موبايلي الشخصي بالشاعر سميح القاسم. كنت أدرّس طلاب الصف السادس قصيدة "تقدّموا" الشهيرة، فدُهش الطلاب لسماعهم صوت شاعر كبير يعرفونه بالاسم، يجيب على أسئلتهم حول صور ولغة القصيدة وسياقها. كانت دهشتهم أمانة في رقبتي، وأحببتُ أنّي أسعدتهم. قلت: "سأحافظ على هذه الدهشة إذن، وأطوّرها وأنوّع عليها".
وهكذا كانت هناك عشرات التجارب والمشاريع التي خضتها بحبّ واستمتاع؛ فعلتُ أشياء غريبة لكنها كانت ممتعة ومفيدة لي وللطلاب بصفتنا ضحايا المنظومة.
هربنا من المدرسة في مشهد تمثيلي. احتجزنا المدير في غرفته وقدّمنا مطالب معيّنة. رقصنا على الطاولات. كسرنا زجاج نافذة الصف بحجر لنتناقش حول الفرق بين كسرها من الداخل والخارج. كانت حصة مجنونة غطّتها فضائية "العربي"، وهي موجودة على منصة "اليوتيوب".
تلقّينا دعوات لمحاضرات في بيروت وعمان والكويت عن تجربتنا في "التعليم التحرّري". كتبنا قصصًا غريبة، أصدرنا جريدة بعدة صفحات، واتصلنا هاتفيًا بإبراهيم نصر الله، ومحمد الجالوس، وقاسم حداد، وأدونيس، ومحمد القيسي، وجمال الغيطاني، وعشرات المثقفين العرب.
أقنعتُ الإدارة المدرسية بأن أدرّس الكتابة الإبداعية والدراما، بعيدًا عن مواقع الهمزة.
ماذا حصلتُ على كل ذلك؟ أنقذت روحي من التعفّن، وحميت عقلي من الجنون. ثم حصلتُ على أخلد وأروع كلمة قالها لي رجل ثلاثيني طويل لا أعرف اسمه أثناء مروري بجانبه على الرصيف: كان يحدّق في وجهي مبتسمًا من بعيد. قلت له: "مرحبا". فردّ بجملة لن أنساها: "شكرًا كثير أستاذ".







