الوصول إلى السراب..

الوصول إلى السراب..

تخصصه الكبير الذي كثيرًا ما تعذر على أبويه لفظه لم يوفر له عملًا(عباس مومني/أ.ف.ب)

نعيش الآن في عصر الثورة الإلكترونية، هذا الكم الهائل من المعلومات والاكتشافات على صعيد الأمراض والعلاج وفي الوسائل التكنولوجية الحديثة. كل هذا يحشرنا في زاوية ضيقة وصراع محموم لمواكبة الزمن وتطوره. وكشباب في أول العمر نطارد الجديد وربما "الموضة"، ومما لاشك فيه أن التعليم الجامعي أصبح يدخل ضمن هذا الهوس بدءًا بالتسميات الحديثة لبعض التخصصات المستحدثة واللافتة للنظر.

كشباب نطارد الجديد وربما "الموضة"، ومما لاشك فيه أن التعليم الجامعي أصبح يدخل ضمن هذا الهوس بدءًا بالتسميات الحديثة لبعض التخصصات

من وجهة نظري كمحاضرة وباحثة في مجال التكنولوجيا الحيوية. أستطيع أن أشخص هذه الحالة بدقة كالتالي: يتخرج الطالب من الثانوية العامة لنفترض أنه من القسم العلمي، والمعظم يضع نصب عينيه تخصص الطب، ولأنه قد يتعذر عليه في أحيانٍ كثيرة، لأسباب عدة، منها المعدل وربما الناحية المالية، فإنه يتجه لآخر ليروي شغفه وربما هوسه بالعلم. يقلب خياراته الجامعية، تجتذبه الأسماء الحديثة تلك التطبيقية منها وغيرها، تراوده كل تلك الخيالات حول مختبرات وتجارب لا حصر لها، يفكر في اكتشافات والكثير من الجنون. يبدأ بتخيل نفسه كبطل من أبطال أفلام هوليود للخيال العلمي، يحضر العقاقير ويغير بالخارطة الجينية، كل هذا يدور في عقله اللاهث وراء العجائب.

تغريه الفكرة، يقرر خوض المغامرة. ينظر لنفسه كعالم وربما كباحث في المستقبل القريب. يستبق الأحداث، فتبدأ أولى الصدمات مع البرنامج الأكاديمي وتحديدًا تعمقه في النظرية وبعده عن التطبيق، هكذا يجد نفسه من جديد أمام سؤاله الوجودي هل هذا ما أردته حقًا؟ تنهار علاماته الأكاديمية مع حفاظه على النجاح، أما تحصيله العلمي فيقف على الحافة، لا يسقط ولا يتقدم بل يبقى في المنطقة الوسط. تزداد حيرته وأسئلته وكل شيء ينهار أمامه، خيالاته السابقة، أحلامه وحتى شغفه العلمي. هكذا يفقد الاهتمام ومع الوقت الانتباه أيضًا.

تمر السنوات وهو يحلم بمجرد الخروج من هذا الكابوس الذي دخله بإرادته. تتضاءل أحلامه شيئًا فشيئًا ليحصرها في حيز الكرتونة: "الشهادة الجامعية". تأتي الساعة المنتظرة يقبض عليها بيديه. يشعر بلذةٍ فارغة وربما وهمية. يفرح بدايةً بالهرج والمرج الاجتماعي، التهاني والتبريكات كل هذه الخدع التي تشير إلى إنجاز لا وجود له.

تبدأ ملحمته الجديدة حول البحث عن وظيفة. ليجد نفسه في سلك العاطلين عن العمل. هكذا وصل إلى السراب. هكذا أحرق عمره لاهثًا وراء خيط ماء لا وجود له. تخصصه الكبير الذي كثيرًا ما تعذر على أبويه لفظه، هذا التخصص الحديث والمستحدث، هذا الاسم الذي لا مكان له من الإعراب في بلاد لا تزال تحت سلطة الاحتلال.

تطرح في عديد الجامعات العربية اختصاصات حديثة "تطبيقية، يتضح تدريجيًا أن لا مجال للعمل فيها وأنها مغرقة في النظرية وأن التطبيق غير متوفر

أعود لأطرح السؤال بطريقة أخرى: "لماذا يتم استحداث مثل هذه التخصصات طالما أن لا مجال للعمل فيها" لا مؤسسات ولا مراكز بحثية والأسوأ من ذلك أن لا ميزانية للأبحاث العلمية أصلاً في بلداننا العربية؟. أما عن العمل في السلك الأكاديمي، فبالعودة لعدد حملة الشهادات العليا في فلسطين مقابل دول الجوار، نجد أن عندنا النصيب الأكبر، فالمعلوم أن الدول الأوروبية المانحة تتعامل مع الفلسطيني بخصوصية وتسهيلات عديدة في المجال البحثي والدراسات العليا. لا أتحدث عن وضع الضفة فحسب فالأمر يصل إلى غزة، عدد الشباب المتحصلين على الشهادات العليا كبير جدًا، وحوالي 85% منهم عاطلين عن العمل.

أين الخطأ؟ أين تكمن الخدعة؟ سيقف البعض ليناظر ويدافع ويحاجج ويقول إن العلم هو أول طريق للحرية والتحرير، وإن علينا أن نواكب العالم. وسأرد عليه ببساطة أننا كفلسطينيين برعنا بكل المجالات تقريبًا، لدينا النسبة الأعلى عربيًا من المتعلمين، لكن ما الفائدة إن كنا كباحثين غير قادرين على دعم بحوثنا، ما الفائدة إن كنا سنقوم بتدريس أجيال أخرى مجرد علم نظري وتطبيقات لا وجود لها على أرض الواقع.

ما الفائدة أن نراكم الخيبات؟ لماذا لا نكون صريحين منذ البداية. لنعرف حقًا ما الذي يمكننا تطويره عمليًا، وما الذي نحتاجه؟ لماذا لا ننظر للواقع بعين واعية للحقيقة رغم مرارتها فنحن لا نزال تحت الاحتلال. وهذه العلوم والدراسات المستحدثة في بعض الجامعات الفلسطينية لن تزيد الطين إلا بلة ولن تزيد شبابنا إلا ضياعًا حتى السراب الأخير.

اقرأ أيضًا:

ورطة اختيار التخصص الجامعي

جامعات تونس.. تنتج الأزمة بدل المعرفة

رحلة تخصص جامعي من الهندسة إلى المسرح!