24-مارس-2016

تحية حليم/ مصر

وحيدين نبحث عمن يؤنس وحدتنا، عمن يضم ضعفه على ضعفنا، وكسوره فوق كسورنا، فنجبر كسور بعض، ونقوى بعد ضعف، إن مع العسر يسرًا، هوّن عليك يا صديق، فالوحدة ليست سيئة جدًا كما تظن، ستكتشف الشخص الآخر الذي يسكنك، سيسمح لك الوقت بالغوص في أغوار أعماقك، ستعرف نفسك كما لم تعرفها من قبل، وستفاجئ بالنتيجة، شخص آخر غير ذلك الذي طالما توحد مع المجموع، شخص آخر ليس مثلك، ولكنه صدقني صورتك الحقيقية، ستتعلم أن تؤنس وحدتك دون الحاجة إلى رفيق، أخ، حبيب، ومع الوقت ستتصالح مع الأمر وتصبح سيجارتك خير الأصدقاء، لا تتعجب منطقى، أليست السيجارة تحترق من أجل أن تنفث فيها غضبك وتعدل مزاجك، مَن مِن رفاقك السابقين احترق من أجل راحتك؟ بل يحرقونك بدم بارد مثلما يحرقون سجائرهم، أترضى لنفسك أن تصبح رماداً للآخرين؟!

ستصادق غرفتك التي طالما كرهتها، ستحب تراب الأرضية القذرة والطاولة غير المرتبة، ستلازم السرير تراقب سقف الغرفة، تحملق في الدهان المتساقط، وتكتشف للمرة الأولى بيوت العنكبوت التي تسكنك قبل أن تسكن الركن الشمالي من الغرفة، ستضع السكر أمام بيوت النمل الذي يلسعك خلال نومك، وتكتشف أن سقف الغرفة به مئات الثقوب، تمامًا كقلبك المكشوف، تستنشق الحبر والأوراق، وتدمن الكحول، للكحول جانب طيب وديع، يجعلك ترقص على الألحان الحزينة، ترافق الكتب والروايات لتعيش بداخلها، تتوحد مع أبطالها وترى نفسك فيها، تذهب إلى ليالي البرد في باريس، وتعود إلى غابات الأمازون الكثيفة، تشعر بالشمس تحرق رأسك في أراضي الفلاحين في مصر العليا، وتتشقق يدك من تدوير آلات العمال في المحلة الكبرى، تعد ثلاثة وسبعين درجة من سلم المنزل المتهالك حتى تصل إلى باب شقتك.. الوحدة ليست سيئة جدًا يا صديقي!

تستمع إلى موسيقى "الجاز" المزعجة، وتتبعها بموسيقى "الهاوس" آخر الليل، وتنام على ألحان "الكمان" وتستيقظ على أوتار العود الشرقي، تترصف الطريقات وتعرف درجة حرارة الأسمنت وعدد حباته، تراقب خطاك وانت تسير بجانب التكتلات الحجرية السوداء والبيضاء، تعطي مطلق الحرية لشعر رأسك وذقنك حتى لا تتعرف على نفسك في المرآة، تسمع صوت نبضات قلبك يعلو فوق صوت رياح تشرين العاصفة، تشعر بالدماء تسري ببطء في عروقك الزرقاء النافرة.. الوحدة ليست سيئة جدًا يا صديقي!

ستشاهد مئات الأفلام في أسابيع قليلة، تعرف الأفلام التي ربحت في المسابقات العالمية، وأسماء المخرجين، والأبطال، وكاتبي السيناريو، ومصممي الأزياء والديكور، وصانعي الموسيقى، وقاطني الأفئدة، وقاتلي الأحلام، ترافق الممثلين في رحلاتهم، وتنتقد أدائهم، وتقلدهم في السر داخل دورات المياة، وليلًا تحلم بجماع ممثلتك المفضلة، تصير فنانًا فريدًا لا يمارس الفن، كما كنت من قبل عاشقًا فريدًا لم تمارس العشق، ستصير محترفًا في الحكم على الأفلام، ولكثرة ما رافقت الكذب في عيون الممثلين، تتمكن من التقاط الكذبات في عيون البشر، البشر كاذبون، مزيفون، يغريك البعد عنهم، ويثيرون شهية الانعزال لديك.. الوحدة ليست سيئة جدًا يا صديقي!

تذهب إلى قاعة عرض الأفلام، وتختار ركنًا منزويًا، تتجه أنظارك نحو الجالسين في القاعة، لا تنظر مرة إلى الشاشة الكبيرة، تراقب الجالسين وهم يتشاركون الضحك والبكاء والغباء، تنظر إلى شاب يقبّل حبيبته خلسة في الظلام، أو يختلس لمسة عابرة في منطقة جنسية من جسد حبيبته، وتتعجب لِمَ يمنعون الحب في الشوارع ويحرّمونه حتى في القاعات المظلمة، لِمَ عليك أن تختلس القبلات كأنك سارق، بينما يتجول السارقون أرجاء البلاد دون أن يسألهم أحد عمّا يفعلون، تنظر مرة أخيرة نحو باب القاعة والأجسام المتتالية تعبر من الظلام إلى نور العالم الخارجي، عاشقون يتشابكون الأيادي، وأصدقاء يضعون الأذرع فوق الأكتاف، تنعي غبائهم وسذاجتهم وآمالهم المغفلة في الأبدية معًا، يومًا ما سيفهمون، أنت فهمت مبكرًا، الوحدة ليست سيئة جدًا يا صديقي!

يأخذك المزاج فتجري ليلًا في شوارع المدينة الحزينة، وترقص التانغو مع غصن الشجرة المكسور المُلقى بجانب الطريق تحت أنوار أعمدة الإنارة الصفراء، تخلع حذائك وتطارد فئران البالوعات وعندما تشعر بالإرهاق تجلس لتستريح ثم تطارد ظلك طوال طريق العودة إلى المنزل، تتمتع بحاسة سمع خفاشية تلتقط كل الإشارات من حولك، تستمع إلى مغسلة جارتك المزعجة في الثالثة بعد منتصف الليل، وتستمع إلى دقات ساعة الحائط المعلقة في الصالة، وحركات الستارة الهادئة بفعل الرياح المتسربة من فتحات البلكون الخشبي، وخرفشة يديك على ملاءة السرير، وأصوات السيارات العابرة في الشارع القريب، وصرخات الطفل الرضيع في المبنى المجاور، وحتى تأوهات جارتك المتزوجة حديثًا.. الوحدة ليست سيئة جدًا يا صديقي! 

تتذوق القهوة دون حبة سكر واحدة وتجدها أقل مرارة من الأيام، فتطلب المزيد من مرارتها الحلوة، تجلس وحيدًا على المقهى المجاور للكنيسة في الأصبحة الباكرة تنشد الأشعار في ذهنك، وتستمع إلى جرس الكنيسة، وتراقب العصافير الصغيرة تهرب من أعشاشها الضيقة إلى العش الواسع الكبير، تراقب أوراق الأشجار تهتز من فعل الرياح المحمّلة بالأتربة، وتسقط وهي تتراقص كلاعبة جمباز في السيرك الايطالي، لتأتي قدم موظف غبي في عامه الخمسين يهشمها بحذائه الجلدي، ويذهب دون أن يلحظ أنه توًا قتل راقصة محترفة ومزقها على أرض الرصيف، تدرك أن دخان "النارجيلة" السئ ليس مؤذيًا جدًا بقدر مدخنيه، تنظر إلى الفتاة الجميلة في الطاولة المجاورة وهي ترتشف الشاي الساخن بشفاها الوردية الشهية، وتراقب أصابعها اللبنية وهي تلتف حول خصلات شعرها، وهي تمسك بسيجارتها التي تشبهك، فترى نفسك تُحرق من جديد.. الوحدة ليست سيئة جدًا يا صديقي!

تنظر إلى النافذة المكسورة في الدور الرابع في المبنى المقابل للمقهى، ويحدثك قلبك بأن هناك عاشقة تراقبك من خلف الزجاج، بعد عام يخبرك أحدهم أن الشقة خاوية، قد تكون مسكونة بالأشباح، أشباح خيالك المسكين، ثم تتذكر الأصدقاء القدامى وماذا فعلت بهم الأيام، من تبقى منهم، ومن ظل كما هو دون تغيير.. وتبكي، ترى حبيبتك السابقة وقد صارت أمّاً بائسة، تلمح الحزن يكسو زجاج عينيها، وترى أطفالاً متعبين من شدة الضحك واللهو، فتتمنى في بالك ألا يكبرون، تؤثر شخصية خيالية من رواية تركت أثرًا وجرحًا عميقًا بداخلك على شخص حقيقي مصنوع تكسو الحماقة ذرات لسانه الرمادي، تتلمس جلدك البارد وتتأكد أنك مازلت على قيد الحياة، وأنك حقيقي انت الآخر.. الوحدة ليست سيئة جدًا يا صديقي!

تغزوك فكرة الانتحار والخلاص ثم تتراجع في اللحظات الأخيرة، جبنًا وخوفًا؟ ربما، خشية المجهول؟  أو لأنك تعلم أن الحياة ستستمر كما هي، لن يحدث أي تأثير إثر اختفائك، أنت أتفه من دودة اللوز المتطفلة ومن الناموس المزعج مصّاص الدماء، قد يتأثر العالم ويختل ميزان الطبيعة إذا اختفت دودة اللوز بينما لن تحرك ساكنًا لاختفائك، ربما الحل في الخلاص الجماعي، أن يأخذ الجنس البشري قرار تطهير ذاته وتطهير هذه الدُنى مما كسبت أيديهم على مر السنين، نجتمع سويًا ونتوب إلى بارئنا ونقتل أنفسنا إن كنا صادقين!

الوحدة ليست سيئة جدًا يا صديقي، بها الكثير من الدروس والعبر، صدقني، الوحدة هي خير ونيس، كل من يتجنى عليها ما هو إلا ترس في آلة الحشود المتراكمة، يدور مثلهم، ويخطو خطاهم، ظنًا منه أنه هرب من نار الوحدة واكتشف نفسه أخيرًا، الأحمق لا يدري أن الوحدة هي من تصنع الإنسان، بينما تدمره الجموع.. الوحدة ليست سيئة جدًا يا صديقي!

اقرأ/ي أيضًا:

الطريق إلى برلين

شعر العراق (1- 2).. القذيفة التي ترفض الهبوط