الوجودية وتنظيم دولة الإسلام (3- 3)

الوجودية وتنظيم دولة الإسلام (3- 3)

هاني عباس/ سوريا- فلسطين

علاقة الوجودية بتنظيم دولة الإسلام مجدَّدًا

الصراع الذي يعيشه الإنسان بين قضية كونه أداةً بيد الخالق، وما يترتب على ذاك الفهم من وجود مغزى محدد للحياة، وطريقة الخلاص منها؛ وبين كونهِ ذاتًا حرة مسؤولة وخائفة وقلقة ومضطربة وصابرة ومثابرة، يدفع الإنسان للبحث عن أسهل الطرق وأقصرها، والتي هي بلا شك تتمثل بالأصولية الدينية، التي تعيش استقرارها النفسي بأبهى صوره، والتي توفّر على صاحبها عناء البحث، وتخلّصه من اضطراب حرية اتخاذ كل القرارات؛ وهذا (مبدئيًا في الجوهر) هو ما يدفع الملايين مسلمين وغير مسلمين إلى الالتحاق بتنظيم الدولة على سبيل المثال. 

أخذ "تنظيم الدولة" على عاتقهم مفهوم الانتقام من كل قضايا الإنسان في العالم الدوني

وهذا هو معنى "الدين أفيون الشعوب"، أي راحة الشعوب واستقرارها النفسي كـ أدوات ذات غاية محدَّدة ومسلَّم بها مسبقًا؛ يقول "سارتر": إن الإنسان السوي كائن من لحم ودم، يؤثر بالمجتمع ويتأثر به؛ ويقول "إيريك فروم" في كتابه "الهروب من الحرية": "إن الشخص الأصولي حتى وإن ظهر بمظهر المسؤول القادر على قيادة المجتمع، وإيجاد حياة أبدية له، أو ظهر بمظهر المسيطر القادر على التحكم بنفسهِ على أقل تقدير، هو شخص مذعور، وهو خائف، يخشى مسؤوليات حريته، ويرغب دائمًا بإيجاد سلطة أعلى منه، لأنه عاجز عن تحقيق ذاته"، وهكذا تراه يبحث عن الفتوى أيًا كانت.

اقرأ/ي أيضًا: الوجودية وتنظيم دولة الإسلام (1- 3)

استنادًا إلى "لأنه عاجز عن تحقيق ذاته"، أخذ "تنظيم الدولة"، وغيره من الأصوليين، على عاتقهم مفهوم الانتقام من كل قضايا الإنسان في العالم الدوني، واعتبروا أن هذا الانتقام وسيلة سريعة ومجدية للانتقال إلى العالم الآخر غير الممل، الممتع والمفعم بالحيوية والأكشن، المليء بالمفاجئات حد التخمة. تعبيرًا عن كل انكسارات أفراده المتوالية على المستوى الشخصي في متابعة حياتهم بشكل يبرز وجودهم بصورة ما.

ثم إن الدين الإسلامي نفسه يساعد متتبعهُ تاريخيًا على إيجاد المبررات لكل الأفعال، بالدرجة ذاتها التي ترك فيها الباب مفتوحًا لإعمال العقل، وتحمّل المسؤولية، حتى واقعة انتحار الشاب السوري "جابر البكر" ذاتها في ألمانيا، يمكن تبريرها إسلاميًا بالقول إنه "ضحى" بنفسه لتفادي البوح بأسرار لها علاقة بعناصر آخرين، وهذا مشابه لحادثة "البراء بن مالك" في معركة "حديقة الموت" حينما ألقى بنفسه خلف سور قلعة "مسيلمة" وسط جموع العدو لفتح الباب، في الوقت الذي يعلم مصير مثل هكذا خطوة، إلا أنه ألقى بنفسه هناك لإنقاذ رفاقه، وتلبيةً لنداء "الواجب" الديني؛ وهذا ما يستدل به الجهاديون في تنفيذ العمليات الانتحارية.

أيها السادة، أعتقد أن الصورة باتت أكثر وضوحًا الآن، إن الخوف وحدهُ من يفصل كشعرة بين إحدى أهم الأفكار التي صنعها الإنسان، وبين التنظيم الغرائزي الذي يجد "مبرراته" على الدوام.

الخوف ومشاعر العجز التي تنتاب المرء أحيانًا عن تحقيق ذاته بصورة يستطيع المحاججة عنها، والملل، واللاجدوى المصاحبة لذلك، تضع الإنسان أمام خيارات محدودة كليًا، إما: الله وأديانه وجنانه ونيرانه، أو ممارسة الديكتاتورية وسياسيات وأفكار الاستبداد حتى على مستوى العائلة والأصدقاء، أو انتخاب دونالد ترامب بكل ما يحمله الرجل من صفات تشير إلى أن العالم سيكون مليئًا بالإثارة حال فوزه، أو موسيقا الراب بتقاطعاتها المنطقية والجليّة مع محاولات الإنسان كسر الجليد بأي طريقة كانت، أو اللحاق بسينما هوليوود ذات سيناريوهات الـ25 دولارًا، ارتياد المراقص والأندية الليلية، وأخيرًا كأدنى مرتبة نذكر الأفلام الإباحية. كل ذلك من شأنه مساعدة المرء على البحث عن "قيمة" لشيء ما. أو دعونا نسمّي كل ذلك "أدوات التسلية والهروب"، وفشل تلك الأدوات في إقناع الإنسان ستجعل منه "داعشيًا".

إنَّ عجْزَ العالم أيها السادة عن تحسين صورة حياة الإنسان، وإقناعهِ بإمكانية إيجاد نفسه، سيُفضي إلى تشكيل طبقة خائبة على سويّة هذا التراكم المدعو "تنظيم دولة الإسلام". كرِّر من فضلك الفقرة الواردة أعلاه، وتعال نختم مقالنا هذا.

عجْزَ العالم أيها السادة عن تحسين صورة حياة الإنسان، وإقناعهِ بإمكانية إيجاد نفسه، سيُفضي إلى تشكيل طبقة خائبة

اقرأ/ي أيضًا: الوجودية وتنظيم دولة الإسلام (2- 3)

خاتمة

عزيزي القارئ، هدِّئ من روعك قليلًا، "داعش" ليست تنظيمًا إرهابيًا، "داعش" لا تبثُّ الرعب وتُرهب الآخرين، بقدر ماهيَ تعبِّر بعنف عن مشاعر اليأس والغربة في هذا الوجود؛ إن مجموع نتائج انكسارات الإنسان أمام نفسه يُسمى في المجتمع الحديث إرهابًا؛ واليائسون إرهابيون بالمُطلق، لأنهم رفضوا استراقة النظر إلى الجحيم "الآخَرون هم الجحيم"، ورفضوا صناعة ذواتهم عن طريق ذاك الآخر، فعمدوا إلى التخلص منه كليًّا لسببين، الأول هو أن الدين يُعد قضيّة أشمل من الآخَر بحد ذاته، والثاني هو أن الآخر الذي يتعرَّى خلف الجدار، هو بطبيعة الحال جحيم يدعو إلى إعادة النظر في الغايات الدنيوية التي فشل الداعشي أساسًا في تحقيقها على المستوى الشخصي، ما جعله يائسًا، وهم بذلك، اليائسون على اختلاف مذاهبهم، يُفقدون الحياة جوهرها "جماليًا" بكل تأكيد.

والآن نسأل: كيف وصل بتنظيم الدولةِ الحالُ إلى اليأس حتى تآلف عناصره فيما بينهم، وقطع البعض منهم آلاف الكيلومترات ليصل إلى الرقة أو الموصل؟ وهنا أستطيع أن أجزم تمامًا أن من قطعوا تلك المسافة كانوا أساسًا أمام خيارين، الانتحار بشقيه الطبيعي والفلسفي، أو الانتقام.. المُفضي إلى الخلود "دينيًا".

أعزائي ثمة أمر لا بد أن نعيره الاهتمام، وهو أن المبررات الوجدية الدنيوية، هي مبررات حقيقية لا غنى عنها. صحيحٌ أن "تنظيم الدولة" يرى في الحياة غير جديرة بالمعيشة، إلا أنه يحاول قدر المستطاع من خلال تلك المبررات أن يجعلها مستساغة، لأن الإنسان بطبيعته وغريزته لا يبحث عن الموت، إنما هو يبحث عن المغزى من خلال "الاحتكاك" بالموت. لذلك: المبررات الوجودية التي ربطناها بـ"نساء وأطفال المسلمين" هي تبرير جيد للبقاء على قيد الحياة، وممارسة ذاك الانتقام على أوسع نطاقاته. لكن لماذا؟ لأن فلسفة وجودية أُخرى قابلت تنظيم الدولة قبل نشأته، ولو أن العالَم لم يُجابِه هذا التنظيم بالقوة، لقدَّم نفسه كدولة تحكم بالشريعة الإسلامية على خطى قوانين المملكة العربية السعودية، والقوانين الدينية المتَّبعة في إيران، وأعتقد أن هذا ممكن، ومطلب محق إن صح التعبير؛ وقد ذكر "James Williams" في كتابه "Lyotard: Towards a Postmodern Philosophy" الذي استعرض فيه أبرز معالم فلسفة الفرنسي "ليوتار" ما بعد الحداثية، عن استحالة اللجوء إلى ما يسمى بـ"عالمية الحقوق"، ونقل عنه أنه قال: إن ما يراه مجتمع ما حقًا، ليس بالضرورة أن يكون حقًا لدى شعوب أخرى لأن الأعراف والفروق الجذرية بين الأفراد والثقافات والنُّظم تختلف بعضها عن بعض، ويقول "باسكال" إن الحقيقة خلفَ جبال البيرينيه، خطأ فيما وراءها. وهكذا فالشعوب تختار ما تراه مناسبًا.

تديّن والدتي هو تدين عاطفي. وجود والدتي كمسلمة في هذا العالم هو وجود عاطفي

ولتبيين ما أردتهُ بالحديث عن مبررات "تنظيم الدولة" الوجودية في هوامشها الملموسة في متناول اليد أقول: إن تديّن والدتي هو تدين عاطفي. وجود والدتي كمسلمة في هذا العالم هو وجود عاطفي. وما أقامَ الجمهورية التركية بعد انهيار الإمبراطورية هو وجود قومي، والقومية هي عاطفة للحس الجمعي. لو لم تنهض تركيا بتلك القومية كانت ذهبت أدراج الرياح بلا أية ملامح. اللائكية الفرنسية مثال آخر أيضًا بعد الحرب العالمية الثانية. المسائل هنا تؤخذ بجانبها العاطفي، والوجودية ارتكزت على فهم عواطف الإنسان كما قلنا، و"تنظيم الدولة الإسلامية" ينتهج تأليب الحس الجمعي لدى أتباعه من أنهم مهددون وجوديًا بالفناء، وأن الخلود هو الدين وحده.

اقرأ/ي أيضًا: هل هناك رسائل مشفّرة على جدران قصر الحمراء؟

إن الوجودية الإيرانية وتوسّعها على حساب وجودية أقوام آخرين، لا يمكن أن تُجابَه إلا بذات الطريقة والمنهج الذي لا يقبل التفاوض. إن الوجودية الروسية أيضًا وضربَها بالأعراف والقوانين الدولية عرضَ الحائط، لا يمكن أيضًا مجابهتها إلا بالقوة، وهذه القوة غير خاضعة لقوانين الفلسفة الوجودية لدى سارتر أو غيره.. إذ أن هؤلاء الأقوام في دفاعهم عن نفسهم وبحثهم عن ذواتهم بتلك الطريقة العنيفة، لا يُمكن إخضاعُهم لقيم الجمال والأفضلية التي بُنيَت عليها الفلسفات في جواهرها.

ختامًا: على العالَم فعليًا أن يقف في وجه تلك السياسات التوسعية، التي هي أشبه ما تكون بسياسة الغزو الإسلامي والنازي للعالم آنذاك، على الحكومات أن تتوقف عن صب الزيت على النار، وتتجنّب "تعزيز" فكرة التهديد وجوديًا… قلت إن هؤلاء ليسوا سارتريين ليُفاوَضوا على قِيَم الجمال. إن الطريق الأمثل بالنسبة لهم والتي تشبه ضرب عصفورين بحجر هي الجهاد، القتال للوجود. ما المطلوب من أقلية الروهينغا أن تفعله حين يُهدد وجودها؟ إن أول ما ستفكر به هو القتال.. لكن القتال ليس دفاعًا عن أنفسهم فقط، بل سيحاولون البحث عن الخلود في عالم آخر إذا ما قُتلوا.. هم ليسوا "جلجامش" ليرسموا على جدران بابل ويذهبوا للخلود. إنهم يريدون الخلود بما وعدهم به "صانِعهم الذي حدَّدَ ماهياتهم".

 

اقرأ/ي أيضًا:

سكاكين داعش التي لن تحدث فرقاً

مآلات العنف الداعشي