الوجه وأنطولوجيا الغيرية عند إيمانويل ليفيناس

الوجه وأنطولوجيا الغيرية عند إيمانويل ليفيناس

إيمانويل ليفيناس

حينما أجلس في المقهى من حين لآخر، ألاحظ طبيعة العلاقة التي تربط الناس ببعضهم في مكان عام، وفي ذلك العبور الذي لا يدوم إلا بضع ثوان، حيث تتقابل الأعين ويصبح الوقت أبطأ تحت وطأة نظرة الآخر. وفي كل مرة يزورني إيمانويل ليفيناس، فيلسوف الغيرية، الفرنسي اليهودي، ذو الأصل الليتواني، يذكرني كل حين بوجودي "لأجل الآخر".

رأى ليفيناس أن إشكالية الكائن كما طرحها الفكر الغربي تشجع على الانطواء والأنانية

لقد رأى ليفيناس أن إشكالية الكائن كما طرحها الفكر الغربي باعتباره وجود الإنسان "هنا" يمتد في العالم ككينونة، يسومها نوع من الاستقلال، هو طرح يشجع على الانطواء والأنانية، وهذا راجع لطرح مفهوم الكائن بطريقة يغيب فيها اعتبار خصوصياته التي لا تتحقق إلا في علاقته مع العالم، أي في علاقته الغيرية فــ"أن تكون أو لا تكون ليس هو الأرجح السؤال الجيد".
 
اقرأ/ أيضًا: كيم إكلين: الناس يؤكدون أنفسهم عبر رواية القصص

يؤسس الفيلسوف الفرنسي لمفهوم الكائن باعتباره كائنًا في علاقة مع الغير l'autrui على اعتبار أن كل ما يميز الإنسان في وجوده لا يتحقق إلا عندما تكون هناك عملية اختراق "الغير/الآخر" لعالمي، والذي ليس هو موضع كباقي الموضوعات في عالمي فحسب، إنه كل ما يفلت التعبير، وبالتالي ليس شيئًا آخر غيري أو نقيضًا لي. الآخر في تموضعه في عالمي يزعزع سكينتي وأنانيتي اللذيذة.

في هذه العلاقة القائمة على الاختراق الدائم يعتبر مفهوم الوجه le visage بوصفه انعطاء مباشر كسلطة حاضرة ودعوة لشيء ما في نفس الوقت، إن الوجه الذي يحمل وظيفة مزدوجة هو ما لا يمكن تجاهله، فعندما ألاقي الآخر كوجه هناك نوع من الاغتراب حين أبتعد عن نفسي لكي أدخل في اتصال مباشر مع السلطة التي اخترقت سكينتي. فالوجه دعوة للمساعدة بشتى أشكالها وبذلك دعوة مقلقة للخروج من السكينة والراحة الأنانية التي أكون فيها.

والوجه أيضًا هو السلطة التي تملي ذاتها عليّ. إن هذه العلاقة مع وجه الآخر هي علاقة أخلاقية لأن الوجه، في مفهومه الازدواجي، هو كشف للضعف وممارسة للتعالي، وبالتالي فالعلاقة تأخذ منحى الصراع الجدلي بين حضور هاتين القوتين حيث تكون "الكلمة الأولى لا تقتل" فالوجه هو ما لا نستطيع قتله. لا جرم أن يرى ليفيناس أن الفلسفة لا تبدأ بعلم الوجود الأنطولوجيا، بل بعلم الأخلاق باعتبار أن المؤسس للأخلاق هو بالضرورة ما يجرم العنف/القتل، وهو أيضًا ما يحدد طبيعة الوجود البشري برمته، بالتحديد في علاقته مع وجه الآخر. "إن أمر "لا تقتل" ليس مبدأً للسلوك فحسب، بل هو مبدأ الخطاب والحياة الروحية".

تخطي مرحلة الأمر تقتضي المرور إلى مرحلة المحادثة، والتي تتأسس على مبدأ نفي إمكانية قتل الآخر، وبالتالي تتحول العلاقة مع الوجه من اعتباره سلطة خصم وخطر محتمل إلى نداء ودعوة وبالتالي مسؤولية أخلاقية تجاه الآخر فالوجه "يفرض ذاته عليَّ فلا أستطيع أن أمتنع عن سماع ندائه، أو أن أنساه، أو أن أتخلَّى عن مسؤوليتي أمام بؤسه". بما أن الغير هو ما لا يمكنني تجاهله فأنا بالضرورة أصبح مسؤولًا عنه وعن علاقتي به، وهو ما يؤسس للحياة الأخلاقية للإنسان في علاقته مع الآخر.

الوجه بوصفه سلطة وتوسل ونافذة وعي هو تجلي الإله باعتباره سلطة متعالية لا متناهية 

اقرأ/ أيضًا: الروائيون الجبناء ورواية "الحيط الحيط"

يمكننا القول إن النداء الأخلاقي هو المؤسس لوجود الإنسان كماهية أنطولوجية، وليس فقط جانبه الفرداني ككائن في الوجود، فالأخلاق لا تلقى مشروعيتها في العقل الجمعي إلا بوجود مصدر متعالٍ عن الطبيعة النسبية البشرية، لذا فإن دور الإله كما رآه دوستويفسكي هو ذاك الوجود الذي يمنعك من القتل بالضرورة، والقول إن العلاقة مع الغير هي علاقة تؤسس على إمكانية "القتل" و"عدم القتل"، فالوجه بوصفه سلطة وتوسل ونافذة وعي هو تجلي الإله باعتباره سلطة متعالية لا متناهية -بما هي طبيعة وجود ينفلت من كل إطار تعريفي- تفرض علي مسؤولية أخلاقية تجاه الآخر، كيفما كان نوعها سواء خير أم شر. الوجه هو مسكن الإله بما هو سلطة تجعلني مسؤولًا عن موضعي في هذا العالم تجاه الوجود بما فيه الآخر.

هجرني ليفيناس بعدما أراني الآله في وجه من أعرف ومن لا أعرف. ذلك المعنى الذي يفلت اللغة في حد ذاتها ويفلتني معها، فالوجه الذي أراه كل يوم هو كل شيء ما عداي، لكنني جزء منه لأنني أعرفني فيه. 

اقرأ/ أيضًا:

سيد القمني.. معركة أخرى مع "طيور الظلام"

العراق وسوريا.. لعنات الإمبراطوريات الأبدية