الهروب الكبير
3 أغسطس 2026
في مسرحية "هنا تونس"، الّتي انطلقت عروضها عام 202، يقف الممثّل الشّهير، توفيق الجبالي، أمام مصعد. يلتفت للجمهور، وباللّهجة العامّيّة التّونسيّة يقول ما معناه: "التّونسيّ لا يعرف قيمة بلاده إلّا حين يغادرها". يسكت قليلًا، ثمّ يتابع: "أقترح على الدّولة أن تفتح الباب أمام التّونسيّين كافّة للمغادرة". بعد لحظات من الصّمت، يختم كلامه: "أراهنكم أنّ لا أحد منهم سيعود".
أعتقد جازمًا أنّ الأمر، وإن كانت به مبالغة، لُزوم النّصّ، فإنّه لا يُجانب الحقيقة، في المطلق، بل وينطبق على معظم شعوب الدّول غير النفطية بالمنطقة. بل وهذا ما حصل، تقريبًا، في سبتة، بعبور نحو 73 ألف مغربيّ الحدود مع إسبانيا، خلال الأيّام القليلة الماضية.
ثمّة سرديّتان متناقضتان بشأن تلك المشاهد الصّادمة. الأولى تُفيد بأنّ الرّباط تُحاول ابتزاز مدريد، بفتح الباب على مصراعيه أمام الآلاف لاجتياز الحدود. أمّا الثّانية، فتعتبر أنّ إسبانيا تدفع ثمن مساندتها للحقّ الفلسطينيّ.
وبصرف النّظر عن مدى تمساك تلك السّرديّات، فإنّ المهاجرين غير معنيّين بها. فقط، بلغهم أنّ العبور ممكن، فتدفّقوا من كلّ أرجاء المملكة بهدف الرّحيل والبحث عن فرصة عيش كريم.
الأمر أبعد من أن يكون استثناء. فقد شهدت تونس، غداة رحيل زين العابدين بن عليّ، عام 2011، أحداثًا مماثلة، حين تدفّق أكثر من 23 ألف تونسيّ خلال الأسابيع الأولى من تلك السّنة إلى السّواحل الإيطاليّة، مستغلّين انهماك أجهزة الأمن في إعادة الاستقرار في البلاد.
إنّ الحديث عن انفراجة سياسيّة أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة في البلدان العربيّة غير النّفطية بات أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع. فالأزمات البنيويّة المتراكمة تتعاظم ولا تتضاءل. لذلك، ستظلّ موجات الهجرة، حتّى أخطرها، تتواصل بلا انقطاع
وفي نهاية عام 2022، غادر نحو 10 % من سكّان مدينة تطاوين لوحدها البلاد، متّجهين إلى دول الاتّحاد الأوروبّيّ عبر صربيا، ممّا دفع ببلغراد آنذاك إلى فرض تأشيرة دخول على التّونسيّين.
ولم يثن الوضع الأمنيّ الخطير في ليبيا، خاصّة بعد عام 2013، آلاف المصريّين من طرق أبواب جارهم الغربيّ. ودفع كثير منهم حياته ثمنًا لتلك المقامرة، من بينهم 21 قبطيًّا ذبحهم تنظيم "داعش" بمدينة سرت، وسط ليبيا، عام 2015.
ولا يقتصر الأمر على الهجرة غير النّظاميّة. فالأردن أحصى، حتّى نهاية عام 2022، نحو 38 ألف مهندس يعملون خارج المملكة، بينما ذكر تقرر رسميّ بريطانيّ أنّ عدد الأطبّاء المصريّين المهاجرين إلى بريطانيا ارتفع بنسبة 200 %، في الفترة بين عامي 2017 و2021.
وتُجمع معظم التّقارير المحلّيّة والإقليميّة والدّوليّة على أنّ التّوجّه العامّ في حركات الهجرة من الدّول العربيّة غير النّفطيّة سيواصل ارتفاعه، بشقّيه النّظاميّ وغير النّظاميّ، جرّاء استفحال الأزمات المركّبة بشكل حوّل تلك الدّول إلى بيئة طاردة للموارد البشريّة، على اختلاف مستويات تعليمها.
فالشّعور بانعدام الأمان بسبب عدم الاستقرار السّياسيّ والقيود على الحرّيّات وسياسات التّقشّف الّتي أضرّت بشكل بالغ بالاستثمار في الخدمات الأساسيّة العامّة يُعتبر العامل الرّئيسيّ للهجرة من المنطقة. ومع ضعف فرص العمل وتدنّي الأجور وغياب الدّعم والتّقدير يُصبح طرق باب الهجرة طوق نجاة.
وليس من قبيل الصّدفة أن تُؤكد معظم استطلاعات الرّأي هذه القناعة. فالموجة الثّامنة للباروميتر العربيّ، الّذي تُشرف عليه مؤسّسات بحثيّة دوليّة مرموقة من بينها جامعة برينستون، عبّر 35 % من المغاربة عن رغبتهم في الهجرة، نسبة قفزت إلى 55 % بين المستطلعة آراؤهم من الشّباب.
ما هو صادم في صور ما يُشبه الهروب الجماعيّ من المغرب إلى مدينة سبتة الإسبانيّة، ليس العدد الهائل للمهاجرين أو الأسباب الّتي دفعت بهم إلى تيّارات البحر العاتية فحسب، بل تعليق كثيرين بصيغ مختلفة لكن بمعنى واحد، يتجاوز الاحتقار ليرقى إلى نزع الإنسانيّة عن أولئك اليائسين: "فليذهبوا إلى الجحيم"!
نجح المغرب إلى حدّ كبير في احتواء الغضب الشّعبيّ الّذي اجتاح المنطقة - ولا يزال، وإن بوتيرة أقلّ - منذ عام 2011، تارة بالتّرهيب وتارة بالتّرغيب. لكنّه سيصطدم، إن آجلًا أم عاجلاّ، بالفروق الهائلة بين مختلف مناطق المملكة وفئاتها الاجتماعيّة والعمريّة. ويكفي أن نعلم أنّ أكثر من 32 % من الشّباب المغاربة خارج التّعليم والعمل أو التّدريب، حسب الأرقام الرّسميّة، حتّى نقف عند خطورة تلك الفروق.
وقد شاهدنا، في أيلول/ سبتمبر الماضي، حراكًا شبابيًّا هامًّا، خاصّة من حيث الشّعارات، من قبيل: "لا نريد استادات بل مستشفيات"، أي أنّ القفزة العمرانيّة الّتي تشهدها البلاد، لا تعني هؤلاء المحتجّين، لا من قريب ولا من بعيد، طالما أنّها لا تغيّر من واقعهم المعيشيّ.
وهو ما نلمسه، بالمناسبة، في تعليقات كثير من المصريّين، في علاقة بالعاصمة الإداريّة أو مدينة العلمين الجديدة، إلى جانب المجتمع الموازي لمنطقة "السّاحل"، الّتي تحوّلت إلى عنوان للبَون الاجتماعيّ الشّاسع بين المصريّين، أكثر من كونها اسمًا لموقعٍ ما على الخريطة.
إنّ الحديث عن انفراجة سياسيّة أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة في البلدان العربيّة غير النّفطية بات أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع. فالأزمات البنيويّة المتراكمة تتعاظم ولا تتضاءل. لذلك، ستظلّ موجات الهجرة، حتّى أخطرها، تتواصل بلا انقطاع.
إنّه فصل جديد في مسرحيّة "هنا تونس" لتوفيق الجبالي، حيث يختزل الممثّل بسخريّة مريرة شعورًا جماعيًّا بأنّ المواطن لا يكتشف قيمة وطنه إلّا حين يغادره. وعلى الأرجح أنّه لن يعود إليه أبدًا.
ستُحوّله حكومة بلاده إلى مجرّد رقم، إمّا كضحيّة قضى وهو يُحاول الرّحيل، أو كأحد مصادر العملة الصّعبة لخزانتها. لا أكثر ولا أقلّ!










