الهروب إلى المجهول: رحلة الخوف والفقر للنازحين اللبنانيين
6 مارس 2026
فجر الإثنين في الثاني من آذار/مارس الحالي، استيقظ سكان جنوب لبنان على الخبر الذي تمنّوا منذ إعلان الحرب على إيران ألّا يسمعونه: "حزب الله أطلق صواريخ باتجاه فلسطين المحتلة والجيش الإسرائيلي يبدأ حملة جوية واسعة ضد لبنان".
إنذارات بالإخلاء شملت 53 بلدة جنوبية، ومئات المواطنين تلقوا اتصالات تطلب منهم إخلاء منازلهم فورًا، ليهرعوا إلى سياراتهم ويتجهون باتجاه العاصمة بيروت بحثًا عن مكان آمن.
كابوس 2024 يعود إلى الأذهان
الشوارع المفضية إلى الجنوب غصّت بالسيارات والدراجات النارية والمركبات والمواطنين الفارّين سيرًا على الأقدام، في مشهدية أعادت إلى أذهانهم كابوس التهجير الكبير في 23 أيلول/سبتمبر من العام 2024، وقد احتاج معظمهم لأكثر من عشرين ساعة للوصول إلى العاصمة، في رحلة مملوءة بالخوف والجوع والتعب، فيما ترك المئات سياراتهم في الطريق واستكملوا المسير بسبب أعطال في السيارات أو بسبب نفاد الوقود.

الوصول إلى العاصمة يعني بداية المشكلة لا نهايتها، فصحيح أن الحكومة فتحت بعض مراكز الإيواء في المدارس والمعاهد، إلا أنها لا تتسع للأعداد الغفيرة الهاربة من الموت، فيما الحصول على منزل أمر غاية في الصعوبة.
أسعار إيجارات فلكية
يقول "أبو حسين" لموقع "الترا صوت"، إنه تهجّر مع زوجته وأولاده الأربعة وأمه المريضة المسنة من الجنوب إلى بيروت، كان يفضّل الحصول على منزل لأن خيار المدرسة لا يلائم وضع والدته الصحي.
حصل "أبو حسين" على رقم أحد سمساري الشقق، ليعرض عليه الأخير منزلًا من غرفتين بإيجار 800 دولار شهريًا، على أن يدفع أربعة شهور مسبقًا، وتأمين شهر واحد، بالإضافة إلى عمولة للسمسار، ليكون المجموع 4500 دولار أميركي!
يتخوف اللبنانيون من اتساع خارطة الإخلاءات في الأيام القادمة لتشمل مناطق على تخوم الضاحية الجنوبية كالأوزاعي وبئر حسن والشويفات
يقول "أبو حسين": "نحن قادمون من منطقة منكوبة منذ الحرب الماضية، الأشغال معطّلة وكيف لنا أن ندفع هذا المبلغ؟ من يعلم متى تنتهي الحرب؟ لماذا علينا أن ندفع لأربعة أشهر قادمة؟ ألم يعد هناك رحمة في قلوب الناس؟ نحن أناس بسطاء ولا ذنب لنا بما حصل، يريدون تدفيعنا الثمن."
يختم "أبو حسين" بالقول إنه يقطن اليوم مع شقيقه وعائلته بشكل مؤقت في شقة صغيرة، 13 فردًا في منزل لا يكفي لأربعة أشخاص، يحاول جاهدًا أن يبحث عن خيار آخر قبل أن يستسلم لخيار المدرسة.
النوم في السيارات
من جهته يشير "جهاد" إلى أنه نام مع عائلته في الليلتين الأوليتين بعد وصوله إلى بيروت في سيارتهم التي ركنوها على الكورنيش البحري لمدينة بيروت، تناولوا وجبة إفطار بسيطة عبارة عن قطع بسكويت وعصائر على الأرض التي افترشوها على شاطئ الرملة البيضاء.
في اليوم الثالث، نجح "جهاد" أخيرًا في الحصول على مكان في مدرسة بمنطقة "رأس بيروت"، يقول إن الوضع فيها كارثي والخدمات شبه معدومة، يفصل عائلته عن عائلات أخرى ستار قماشي، لم يستحموا منذ أن خرجوا من منزلهم. "الوضع كارثي ولا أعلم إلى أي مدى يمكن لأعصابنا أن تحمل، ومع ذلك فإننا أفضل من غيرنا لأننا وجدنا سقفًا يأوينا" يختم الرجل الأربعيني حديثه.
إنذارات الضاحية ترعب اللبنانيين
الأمور تدحرجت بشكل دراماتيكي نحو الأسوأ، ظهيرة الخميس في الخامس من آذار/مارس، حيث نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، على صفحته على تطبيق إكس، إنذارًا بإخلاء الضاحية الجنوبية بالكامل، تمهيدًا لتنفيذ عمليات فيها.
عمّت لحظات من الجنون، هرع المواطنون إلى سياراتهم ودراجاتهم، بعضهم خرج سيرًا على الأقدام، غرقت شوارع الضاحية بعشرات آلاف السيارات، الأغلبية اتجهوا نحو البحر غربي بيروت، وبقوا داخل سياراتهم بانتظار المصير الأسود القادم.
يقول "عدنان" إن عائلته شعرت بالرعب الشديد بعد الإنذارات، احتاج الأمر أربع ساعات لقطع مسافة لا تزيد عن أربعة كيلومترات بين منطقة الغبيري في الضاحية وكورنيش المنارة، لم يستطيعوا سوى حمل بعض الأموال، تركوا ثيابهم وأغراضهم الثمينة في المنزل، ألقى نظرة أخيرة إلى شقته قبل الانطلاق بالسيارة، يحدوه الخوف بأنها ستكون النظرة الأخيرة.
مراكز الإيواء لا تكفي
تحرّكت الجهات المسؤولة بعد الإنذار، وزيرة الشؤون الاجتماعية تحدثت عن فتح المزيد من مراكز الإيواء، لكنها أكدت أنها لا تكفي الأعداد الغفيرة التي غزت العاصمة، ودعت المواطنين إلى التوجه نحو الشمال والبقاع.
وبالتوازي، أعلن الجيش الإسرائيلي نيته هدم عشرات المباني في الضاحية الجنوبية، فيما انتشرت أخبار عن مشاركة محتملة لتسعين طائرة حربية بالهجوم المفترض.
بعدها بساعات ظهر إنذار جديد لإخلاء بلدات ثلاث في منطقة البقاع، وزحمة خانقة مرة أخرى عند اوتوستراد زحلة، ومواطنون جدد عالقون في سياراتهم لا يعرفون إلى أين يذهبون.
الخوف من توسع دائرة النزوح
مما لا شك فيه أن الحرب الحالية هي أقسى بأضعاف من الحرب الماضية التي اندلعت خريف العام 2024، يومها لم تفرغ الضاحية من سكانها، وبقي الكثير من سكان المدن الجنوبية في منازلهم مثل "صور" و"النبطية"، اليوم يدعو الجيش الإسرائيلي إلى إخلاء منطقة جنوب الليطاني، وهي منطقة شاسعة تشكل الشريط الحدودي وبلدات الخط الثاني وبلدات ومدن كبيرة مثل صور والعباسية وبنت جبيل وغيرها.
ويتخوف اللبنانيون من اتساع خارطة الإخلاءات في الأيام القادمة لتشمل مناطق على تخوم الضاحية الجنوبية كالأوزاعي وبئر حسن والشويفات، وهي مناطق تضم أعداد كبيرة من السكان بالإضافة إلى النازحين الذين أووا إليها.