الهجوم في بوندي: هل استُلهم من عمليات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؟
16 ديسمبر 2025
تستمر التحقيقات في الهجوم الذي وقع في شاطئ بوندي بمدينة سيدني، وأسفر عن مقتل 15 شخصًا وإصابة 25 آخرين، في كشف دوافع منفذي الهجوم وسياق استعدادهم قبل تنفيذ الجريمة. السلطات الأسترالية تبحث في احتمال أن يكون الأب والابن، ساجد ونفيد أكرم، قد تلقيا تدريبًا خارج البلاد، واستوحوا الهجوم من عمليات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وقد أثار الحادث نقاشًا واسعًا حول قوانين حيازة الأسلحة، وإجراءات المراقبة الأمنية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الخارج، وسط دعوات لإصلاح عاجل لضمان عدم تكرار مثل هذه الهجمات مستقبلًا.
دوافع الهجوم وتقدير المخاطر الأمنية
أظهرت التحقيقات الأولية أن المشتبه بهما قد استوحيا الهجوم من تنظيم الدولة الإسلامية، وأن هناك دلائل على احتمال ارتباطهما بأنشطة إرهابية أو تدريب خارجي سابق، فيما تواصل الشرطة التدقيق في خلفيات سفرهما إلى الفلبين خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قبل أسابيع من تنفيذ الهجوم. ووفق السلطات، نُقل نافيد أكرم إلى مستشفى في سيدني بحالة حرجة بعد اعتقاله، بينما قُتل والده ساجد أكرم برصاص الشرطة في موقع الحادث.
وأوضح مفوض شرطة ولاية نيو ساوث ويلز، مال لانيون، أن التحقيق يشمل تحديد دوافع الرحلة إلى الفلبين وطبيعتها، ولا سيما بعد العثور على عبوات ناسفة بدائية الصنع وعلمين صغيرين لتنظيم الدولة داخل سيارة تعود لنافيد كانت متوقفة قرب مكان الهجوم. ويسعى المحققون إلى معرفة ما إذا كانت الرحلة هدفت إلى تلقي تدريب على يد جماعات إرهابية، أو كانت مجرد تدريب عسكري قانوني، أو جزءًا من عملية إعداد نفسي وتمهيد ذهني لتنفيذ الهجوم.
أظهرت التحقيقات الأولية أن المشتبه بهما قد استوحيا الهجوم من تنظيم الدولة الإسلامية، وأن هناك دلائل على احتمال ارتباطهما بأنشطة إرهابية أو تدريب خارجي سابق
وقال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيس إن "الأدلة المتاحة تشير إلى أن الهجوم استُلهم على ما يبدو من تنظيم الدولة الإسلامية"، مشددًا على أن "السلطات ستواصل التحقيق لمعرفة جميع الأبعاد، بما في ذلك الرحلة الأخيرة إلى الفلبين والروابط المحتملة مع أي جماعات متطرفة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث مستقبلًا".
ويعيد هذا الهجوم طرح إشكالية تقييم المخاطر المسبقة، إذ يرى خبراء أمنيون أن التعامل مع التهديدات المحتملة يقتضي الربط بين مختلف المؤشرات الاستخباراتية، بما في ذلك السفر الخارجي، والخلفيات الأيديولوجية، والسلوك الفردي، بدل النظر إلى كل عنصر بمعزل عن الآخر. كما تسلط القضية الضوء على أهمية تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية المحلية والدولية، لتفادي فجوات معلوماتية قد تسمح بمرور تهديدات خطيرة دون رصدها في الوقت المناسب.
المسار الشخصي لمنفذي الهجوم
في عام 2019، ظهر نافيد أكرم في شريط فيديو على منصة "يوتيوب" في نشاط ضمن حركة "دعوة الشارع" (Street Dawah Movement)، وهي مجموعة تعنى بالتعريف بالإسلام في الأماكن العامة بمحطات القطار في سيدني. وكان عمره آنذاك بين 17 و18 عامًا، حيث ظهر وهو يوزع منشورات ويشرح للناس أركان الإسلام الخمسة.
ورغم ذلك، أكدت الحركة لاحقًا أن نافيد لم يكن عضوًا رسميًا فيها، وأنه لم يحتفظ بأي علاقة تنظيمية بها بعد تلك الفترة. وفيما أشارت تقارير إعلامية إلى صلته بحركة دعوية أخرى يقودها الواعظ المتشدد وسام حداد، نفى محامي حداد وجود أي ارتباط له بالهجوم.
أما ساجد أكرم، فقد حصل على رخصة حمل السلاح عام 2023، بعد مسار طويل من المحاولات، إذ لم يُستكمل طلبه الأول عام 2015 لعدم تقديم صورة شخصية، قبل أن يتقدم مجددًا بطلب رخصة من الفئة "AB" عام 2020، ليجري منحها لاحقًا بعد ثمانية أعوام من المحاولة الأولى، وذلك رغم أن ابنه كان قد خضع لمراقبة جهاز المخابرات الأسترالي (ASIO) منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019 للاشتباه بارتباطات محتملة بتنظيمات متطرفة.
الرحلة إلى الفلبين والغموض حول التدريب
وكان الأب والابن قد سافرا إلى الفلبين خلال الفترة الممتدة من 1 إلى 28 تشرين الثاني/نوفمبر، حيث شكّلت مدينة دافاو، الواقعة في جنوب البلاد، وجهتهما النهائية. وقد أكدت السلطات الفلبينية تفاصيل الرحلة، وعرّفت ساجد بأنه مواطن هندي.
ويحقق المحققون حاليًا في طبيعة هذه الزيارة، وما إذا كانت تهدف إلى تلقي تدريبات لدى جماعات مسلّحة مثل تنظيم الدولة الإسلامية أو جماعة أبو سياف، أو أنها اقتصرت على تدريبات عسكرية قانونية متاحة في البلاد. ويشير خبراء أمنيون أستراليون إلى أن الوصول إلى معسكرات التنظيمات المتطرفة في جنوب الفلبين يُعدّ أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة للسياح، نظرًا للعزلة الجغرافية الشديدة وخطورة المناطق التي تنشط فيها تلك الجماعات.
في المقابل، لا يستبعد مختصون في شؤون مكافحة الإرهاب أن تكون الرحلة مرتبطة بتلقي تدريبات عسكرية قانونية، أو أن تمثل ما وصفه بعض الخبراء بـ"الاستراحة الأخيرة" قبل العودة والدخول في مرحلة الإعداد العملي لتنفيذ الهجوم، في سياق تصعيد نفسي وتنظيمي يسبق العمل العنيف.
أعلن رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي عن توجه حكومي لإدخال إصلاحات على قوانين حيازة السلاح، تشمل تحديد عدد الأسلحة التي يمكن للفرد امتلاكها، وتقييد أنواع الأسلحة القانونية
سياق القلق الأمني والقوانين المتعلقة بالأسلحة
وأعاد الهجوم الذي نفّذه ساجد ونافيد أكرم تسليط الضوء على الثغرات المحتملة في منظومة ترخيص وحيازة الأسلحة في أستراليا، ولا سيما بعد تبيّن حصول ساجد على رخصة حمل السلاح عام 2023 رغم خضوع ابنه سابقًا لرقابة جهاز الاستخبارات الأسترالي. وقد فتح ذلك نقاشًا واسعًا حول مدى كفاية المعايير المعتمدة حاليًا في تقييم المخاطر الأمنية المرتبطة بمالكي الأسلحة.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي عن توجه حكومي لإدخال إصلاحات على قوانين حيازة السلاح، تشمل تحديد عدد الأسلحة التي يمكن للفرد امتلاكها، وتقييد أنواع الأسلحة القانونية، ودراسة اشتراط الجنسية الأسترالية كمعيار للترخيص، إلى جانب تسريع إنشاء السجل الوطني الموحد للأسلحة.
بالتوازي، شدد مفوض شرطة ولاية نيو ساوث ويلز على ضرورة توسيع صلاحيات الجهات المختصة عند البت في طلبات الترخيص، بحيث لا يقتصر التقييم على السجل الجنائي فقط، بل يشمل أيضًا المعطيات الاستخباراتية المتوفرة لدى الأجهزة الأمنية، معتبرًا أن قضية أكرم تمثل مثالًا واضحًا على الحاجة إلى منع أي شخص يُشتبه بإمكانية انزلاقه نحو العنف من الوصول إلى السلاح، حتى في غياب إدانات قضائية سابقة.




