النّاشط الصومالي.. ظِّل سياسي ولا ظّل مواطن

النّاشط الصومالي.. ظِّل سياسي ولا ظّل مواطن

مطالبة بإطلاق سراح الناشطة الأمريكية أنجيلا ديفيس في مقديشو 1972 (Getty)

تخيل أن يحصل لمواطن صومالي ما حصل للطالب الأمريكي المسلم السوداني الأصل أحمد محمد، كيف تظّن أن القادة الصوماليين سيتصرفون؟ لا أقصد بالقادة هنا أولئك الذين نصبهم ممثلو العشائر ليمثلوا الشعب كأعضاء المجلس النيابي أو الرئيس فقط، بل كل من لديه القدرة على التأثير، سواء من نجوم فيسبوك أو تويتر من مثقفين وإعلاميين وباحثين وكتّاب ومصورين. 

لا ينشئ الناشط الصومالي حسابًا على مواقع التواصل إلا ليحشد لصالح السياسي الذي يموّله

ولكن هل ثمة حاجة لتخيّل ذلك؟ لا أعتقد ذلك، لأنه يحصل يوميًا في الصومال ما يستدعي تفاعل القادة مع مواطنين منكوبين أو مظلومين. شخصيًا أتابع نشطاء وقادة رأي وسياسيين ونوابًا في البرلمان، وحتى القصر الرئاسي. لعلّ وعسى أرى من يتفاعل بحق مع قضايا المواطن المسحوق، ولكن مع الأسف يبدو أنّ النشطاء يميلون مع السياسيين حين مالوا..

ولو تعرّض مواطن صومالي لتعدٍ كما حصل مع الطالب الأمريكي صانع الساعة (القنبلة)، ستجد الوطنيين جدًا من النشطاء ينقلبون إلى جماعة من الوعّاظ، ويحذرونك من سوء الظّن، فإن بعض الظّن إثم، ربما أخطأ المواطن فعلًا، لا تتسرع في الحكم على المسؤول، فأنت لا تدري كم من الضعوط يعاني سيادته؟ يجب على مستخدمي فيسبوك وتويتر عدم الاستعجال، لننتظر قرار المحكمة في هذا الموضوع. لا تدع عاطفتك القبلية تحركك! يقول هذا دون أن يعي أن عاطفته القبلية ومصارين بطنه تحرّكه لعله يستجلب بعض المال من السياسي الذي يمسح له الجوخ وهو يحاضر على متابعيه عن فضيلة التأني في إصدار الأحكام!

الناشط يشبه إلى حد كبير السياسي، أو لنقل أنه يعيش في ظله، أما المواطن فهو في الغالب ضحية جهة رسمية أو جهات مقربة من أصحاب النفوذ، أذكر قصة فتى أصيت في دهس إحدى آليات القوات الأفريقية المعروفة بسرعة القيادة داخل أزقة الأحياء، وتوفي بسبب آلياتهم عشرات الأطفال، فأرسل رسالة مصورة يخاطب فيها الرئيس، لكن سيادته لم يأبه لذلك، ولم نسمع حسًّا للنشطاء الوطنيين جدًا، فالرئيس لديه مشاغل أهم من مخاطبة فتى في الثانية عشرة من عمره يناشد في الرئيس بعض المسؤولية والغضب. 

أما في قضية السيدة إفراح التي وضع مسؤول كبير في دائرة الهجرة والجوازات يده على منزلها وأرض لها، ثم قسّمها بينه وبين اثنين من أبناء عمومته، وعجزت حكم المحكمة في إجبار العقيد على التّراجع، واشتبكت ميليشاته مع قوات الأمن التي أرسلتها المحكمة لتنفيذ قرارها القاضي بإعادة البيت لصاحبته، صمت الجميع.. بل دافع البعض عنه، وتساءل سؤالًا في غاية الذكاء والنّباهة: "أين كانت طيلة 20 عامًا عندما كان سيادة العقيد ينفق ماله ومال عياله على بناء وتقسيم هذه الأرض؟ بل كيف امتلكت سيدة مثلها بيتًا مثل هذا البيت؟".

الناشط سواء كان إعلاميًا أو كاتبًا أو أستاذًا جامعيًا مرموقًا، ظلّ للسياسي، فهو من أمّن له وظيفته في تلك المؤسسة الإعلامية، أو ساعده في نشر مقالاته هنا أو هناك، أو من رشحّه ليشغل منصبًا إدارايًا في جامعة ما. ويشعر بالامتنان له، ويفضل الصمت على الانتهاكات، وصدق من قال: "أطعم الفم، تستحي العين". وهكذا سخّروا أقلامهم وحساباتهم للدّفاع عن الانتهاكات وإدانة المواطن. هذا ما حدث مؤخرًا حين طمع شقيق الرئيس في بيت يقع على الشاطئ لسائق الرئيس السابق سياد بري، وعجز عن شرائه بقوة المال وقوة التهديد، وبالرّغم من قرار المحكمة، أخرجوه من بيته، وفوق ذلك سخّروا القناة الرسمية لإدانته ونسف وثائقه، بإستئجار مرتزق قانوني فشل في إقناع المتابعين لما كان يردده.

جاء طغيان تأثير أولئك النشطاء من مزامير السياسيين في الصومال من خلوّ الساحة من  كتلة مساوية في التأثير

النّاشط في الصومال لا ينشئ حسابًا على وسائل التواصل الاجتماعي ليمارس حق التعبير وحق مشاركة الرأي مع متابعيه ودائرة أصدقائه، بل ليحشد لصالح السياسي الذي يموّله غالبًا، وأحيانًا يعمل للترويج لأباطيل جماعته إيمانًا واحتسابًا، أو لعل وعسى ينال منصبًا، فتراه ينضح وطنية حين تنتهك حقوق مواطنين في هرجيسا أو مدينة صومالية أخرى، ولكنه يصبح أعمى وأصم حين تهان الإنسانية في مقديشو مثلًا، والعكس صحيح!

الناشط في الصومال، لن يدافع عنك ما لم تضع هويتك الشخصية على الطاولة، وتفصح عن انتمائك القبلي والمناطقي والفكري أحيانًا.. ليقرر ما إذا كنت تستحق الدّفاع عنك أم لا؟  إن كنت ابن إسلامي مثلًا، فلن يفتح صديقك الناشط مدّعي العلمانية بالدّفاع عن حقك، وإن كنت علمانيًا، فسيشعر صديقك الإسلامي براحة بالغة حين يعبر عن شماتته بك، قائلًا: "وما أصابكم من مصيبة فما كسبت أيديكم". إن كنت منضمًا لحركة إسلامية ووقعت مصيبة فوق رأسك، سيرقص صديقك ابن الحركة المنافسة على جثتك، وهكذا دواليك..  ثم يدّعي الجميع أن الوطنية مفقودة، وأن الصومالي ليس لديه مشاعر وطنية!

إن سبب طغيان شهرة وتأثير أولئك النشطاء من مزامير السياسيين هو خلوّ الساحة من  كتلة مساوية في التأثير تصفعهم بالحق كلّما انحرفوا عنه، كتلة تستشعر بالمسؤولية الأخلاقية تجاه ما يحصل من انتهاك واعتداء في حق المواطنين، كتلة لا تأبه لخسارة سمعتها حين تجابه الباطل بطريقة تلائمه، وتحاربه بأكثر الأساليب إيلامً، ولكن بالطبع.. عبر المنصات المتاحة كما يفعلون هم.