ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

"النيويوركر": مئة عام من الصحافة مئة عام من الثقافة

2 يناير 2026
مجلة النيويوركر
أعداد من مجلة "النيويوركر" (نتفلكس)
عبير داغر اسبرعبير داغر اسبر

"أنزل إلى الشارع لأقيس درجة حرارة المدينة"، بهذا البيان "الجمالي" يشرح أحد صحفيي "النيويوركر"(The New Yorker) علاقته بمهنته وبالمجلة التي تحتفل هذا العام بمرور مئة عام على تأسيسها.

بدأت "النيويوركر" كمجلة هزلية ذات مزاج هدّام، تعشق تفكيك القيم المتكلّسة، والسخرية من الرداءة، وفضح الرصانة المفتعلة داخل المشهد الثقافي النيويوركي. حضرت منذ بدايتها كوجهٍ ثائر، لا يقدّم نجومية الفنانات أو الفنانين، ولا يصعد على أجسادهم، ولا يتغذّى على بريقهم.

حضرت كمجلة تقيم في الأدب أكثر مما تقيم في الصحافة، وتشتبك مع السياسة بوصفها سؤالًا، لا مع الإعلام بوصفه جهازًا. مشت "النيويوركر" أعوامها المئة بقفزات عملاقة نحو المستقبل، وهي مشدودة، في الوقت نفسه، إلى تقاليد راسخة، وإلى حسّ عميق بالبطء والدقة والمعنى.

الفيلم الوثائقي الذي أنتجته منصة "نتفليكس" بمناسبة مرور مئة عام على تأسيس "النيويوركر" هو عمل توثيقي–تحليلي يتناول تاريخ المجلة كمنعكس شديد الدقة للتحوّلات الثقافية والفكرية في الولايات المتحدة.

الحكاية: مجلة ضدّ السائد

يعود الفيلم إلى عام 1925، إلى لحظة تأسيس الصحافي هارولد روس (Harold Ross) للمجلة، في سياق اجتماعي وثقافي يتنقّل، بلا انتقائية، ما بين الصحافة الوعظية والترفيه. في مواجهة هذا المشهد، تخيّل روس مجلة "للأذكياء" لا تُساير الذوق العام؛ مجلة تفترض ذكاء القارئ منذ السطر الأول.

بدأت "النيويوركر" كمجلة هزلية ذات مزاج هدّام، تعشق تفكيك القيم المتكلّسة، والسخرية من الرداءة، وفضح الرصانة المفتعلة داخل المشهد الثقافي النيويوركي

الأدب في قلب الصحافة

أحد المحاور الواضحة في الفيلم هو ذلك القرار المبكر بالانحياز إلى الأدب، حيث يُقدَّم هذا الخيار بوصفه هوية ستُلازم مسيرة "النيويوركر" حتى الآن. يتوقّف الفيلم عند أشكال الكتابة التي رسّختها المجلة: القصة القصيرة، والمقالة الطويلة، والتحقيق الذي يُكتب بعناية سردية، حيث الإيقاع والبناء والصوت عناصر لا تقل أهمية عن "المعلومة".

كتّاب وكتّاب

على صفحات "النيويوركر"  ، كتب إي. بي. وايت عن المدينة واللغة بروح ساخرة شفافة، واضعًا الأساس لنبرة ترى الأخلاق في التفاصيل الصغيرة. وجاء جون تشيفر ليحوّل الضواحي الأميركية إلى مسرح داخلي للقلق الطبقي والعاطفي، فيما ظهرت قصص جيروم ديفيد سالينجر الأولى، حاملة بذور عالم سيقود لاحقًا إلى الحارس في حقل الشوفان.

وعلى الهامش الذي يصير مركزًا، كتب جوزيف ميتشل نيويورك من الداخل، عن شخصياتها المنسيّة، جاعلًا من المدينة سيرة إنسانية لا تنتهي.

لم تكن المجلة أميركية فقط؛ فعبر نصوص فلاديمير نابوكوف، دخلت حساسية أدبية كونية، لغتها مهاجرة وذاكرتها مركّبة. ومع ترومان كابوتي، نشرت المجلة "بدم بارد"، مقالًا طويلًا أعاد تعريف الكتابة غير الروائية، كما لو أنّه سرد عالِ الفنية، متكامل الشروط.

أما حنّة آرنت، فكتبت تقاريرها عن محاكمة آيخمان في القدس، واضعة مفهوم "تفاهة الشر" في قلب النقاش الأخلاقي والسياسي العالمي. وعلى هذه الصفحات أيضًا، دوّى صوت جيمس بالدوين وهو يكتب عن العِرق والعدالة والهوية بحدّة لا تهادن، فيما قدّمت سوزان سونتاغ، وجوان ديديون، وجانيت مالكوم، نصوص قلبت السؤال على الصحافة نفسها.

وفي العقود الأحدث، تابع جورج ساندرز سخريته "الأخلاقية"، وقدّمت جومبا لاهيري قصصًا عن الهجرة والانتماء، وسّعت بها الخريطة الثقافية للمجلة، من دون أن تفقدها نبرتها الأصلية.

رؤساء أميركين، ورؤساء تحرير

على امتداد قرنٍ كامل، كانت "النيويوركر" تعيش عمرها جنبًا إلى جنب مع أعمار الرؤساء الأميركيين، كأن التاريخ يُكتب برأسين متوازيين: رأس يحكم الدولة من البيت الأبيض، ورأس يراقب معناها من مكتب التحرير. في زمن فرانكلين روزفلت، كانت المجلة تشهد ولادة الدولة الحديثة وسط الكساد والحرب، وتتعلم كيف تُكتب السلطة حين يُعاد تشكيل المجتمع من جذوره.

مع هاري ترومان وبدايات الحرب الباردة، كان القلق النووي يتسلّل إلى اللغة، ومع جون كينيدي دخلت السياسة عصر الصورة والكاريزما، فازدادت المسافة بين الخطاب وما يخفيه. جاءت صدمة ريتشارد نيكسون وفضيحة "ووترغيت" لتكرّس الصحافة قوةَ رقابة، ثم صعد رونالد ريغان بخطاب محافظ جديد أعاد تشكيل لغة السلطة.

على امتداد قرنٍ كامل، كانت "النيويوركر" تعيش عمرها جنبًا إلى جنب مع أعمار الرؤساء الأميركيين، كأن التاريخ يُكتب برأسين متوازيين: رأس يحكم الدولة من البيت الأبيض، ورأس يراقب معناها من مكتب التحرير

لاحقًا، عبرت البلاد عولمة بيل كلينتون، وحروب جورج بوش الابن بعد الحادي عشر من سبتمبر، ثم خطاب الأمل مع باراك أوباما، وصولًا إلى دونالد ترامب. وهكذا، بتداخل زمني، وفي داخل "النيويوركر"، تعاقب رؤساء تحرير لم يحكموا دولة، لكنهم أداروا مزاجًا عامًا ونبرةَ خطاب لدولة.

مع هارولد روس وُلد المزاج: سخرية جافة، وهوس باللغة، وثقة بقارئ لا يُراد تدليله. ومع ويليام شون تحوّل هذا المزاج إلى مؤسسة، تُمنح فيها النصوص زمنها، ويُكتب العالم كسؤال أخلاقي طويل النفس. جاءت مرحلة روبرت غوتليب جسرًا صامتًا بين زمنين، قبل أن تدخل المجلة احتكاكها الصريح مع عصر الصورة والإيقاع المتسارع عبر تينا براون. ثم، مع ديفيد ريمِنيك، عادت السياسة إلى قلب الصفحات بقوة.

"النيويوركر" في اللحظة الترامبية

يصل الفيلم إلى الحاضر، إلى لحظة دونالد ترامب، كلحظة شعبوية، ليست "ذكية" كما ينبغي، حيث يُكافأ الفقر اللغوي ويُعاقب التعقيد. يعود مع الترامبية سؤال الكتابة ذاته: سؤال الترفع المعرفي، والنخبوية التي لم تخجل "النيويوركر" من أن توصم بها.

في هذا السياق، تستعيد "النيويوركر" دورها الأول، كمنبر مضاد للغباء، كمكان للتفكير المتأنّي، وللتحقيقات المتأنية والعميقة، وللسخرية بدرورها "التفكيكي" لا التهريجي، رافضةً منطق الاختزال التعسفي، والتبسيط الحقوقي والقومي داخل المنطق الترامبي.

وبهذا ينتهي الوثائقي بسؤال، لكن حتى بعد مئة عام، لا تقدّم "النيويوركر" جوابًا. بل تكتفي بأن تمشي على هذا الحبل المشدود: بين الأدب والصحافة، بين المدينة والعالم، بين التقاليد والتجديد. وربما في هذا التردّد نفسه تكمن حيويتها المستمرة، لأنها لم تتخلّ عن حقها في السؤال.

كلمات مفتاحية
نجل الشاه ونتنياهو

"مات الشاه عاش الشاه": النفط الإيراني بين إنارة إسرائيل وسوط العقوبات الأميركية

شكّل تأمين النفط منذ قيام الكيان الصهيوني في فلسطين هاجسًا استراتيجيًا بالغ الخطورة، في ظل العداء البنيوي الذي ربط هذا الكيان بدول المنطقة العربية

معرض القاهرة للكتاب

الأسعار والرقابة والازدحام: ثلاثية الجدل في معرض القاهرة الدولي للكتاب

تُعد الدورة الـ 57 الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب الأكبر في تاريخه، من حيث حجم المشاركة وتنوع الفعاليات

إذاعة جيش الاحتلال

إغلاق إذاعة جيش الاحتلال: الواقع الإسرائيلي من "الخطابة الى صوت الرجل الواحد"

لم يكن قرار إغلاق إذاعة الجيش الإسرائيلي "غالي تساهل" إشارةً إلى انتهاء دورها الحيوي في المجتمع الإسرائيلي، بل تأكيدًا على إنجاز وظيفتها في لحظة تاريخية محددة

طهران
سياق متصل

إعادة تموضع سياسي ومفاوضات مشروطة: رسائل متبادلة بين طهران وواشنطن مع زيارة نتنياهو

وصف لاريجاني المرحلة المقبلة على أنها ستشهد إعادة تموضع سياسي، في توصيف يُعدّ الأول من نوعه على لسان شخصية تنتمي إلى دوائر صنع القرار

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

بين الوهم والعلاج: تطبيقات الذكاء الاصطناعي تهدد سلامة المرضى

يلجأ ملايين المرضى حول العالم إلى روبوتات المحادثة والتطبيقات الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على "تشخيصات"، لكن ذلك تسبب بالكثير من الأضرار

صورة تعبيرية
مجتمع

الهند تشدد قبضتها على منصات التواصل الاجتماعي بقاعدة الإزالة خلال ثلاث ساعات

يُنظر إلى هذا القرار على أنه تأكيد لموقع الهند كواحدة من أكثر الدول تشددًا في تنظيم المحتوى على الإنترنت

برشلونة
رياضة

آراوخو يكشف معاناته مع القلق والاكتئاب ويؤكد: الاستراحة أنقذتني

كشف قائد برشلونة رونالد آراوخو عن معاناة طويلة امتدت لعام ونصف مع القلق، قبل أن تتطور إلى اكتئاب دفعه في النهاية لطلب استراحة مفتوحة من كرة القدم