النوم والذاكرة.. كيف يعملان معًا؟

النوم والذاكرة.. كيف يعملان معًا؟

كمية النوم وجودته يؤثران على الذاكرة ونشاط الدماغ عمومًا (Getty)

الترا صوت - فريق الترجمة

تتناول هذه المقالة المنقولة بتصرف عن "Psychology Today"، العلاقة بين عمل الذاكرة ودورتها، وبين النوم، مبيّنةً التداخلات بين هذا وذاك، في محاولةٍ لإيجاد الطرق المثلى لتطويع النوم في سبيل جعلنا نتذكّر ما نحتاج تذكّره بصورةٍ أفضل.


هناك قولٌ عُرِفَ به توماس أكويني، أحد فلاسفة العصور الوسطى، هو: "تستطيع النومة الهنيئة أن تمسح مرارة الأحزان"، واليوم يكتشف العلماء أن كلامه لم يكن في الواقع بعيدًا عن الصحة.

 التخلف عن النوم لليلةٍ واحدةٍ فقط قد يعيق عمل الذاكرة وهو بكل تأكيد عنصرٌ هامٌّ في ملكة المنطق والتخطيط

وكشفت دراسةٌ نشرتها مجلة "Current Biology" في تموز/يوليو 2019، أن المعدّلات السيئة للنوم في الليل، تحديدًا حركة العين بدون توقف خلال النوم، أو ما يعرف باسم "نوم حركة العين السريعة" (REM)، تؤثّر بالسلب على أداء الدماغ، ويشمل ذلك اللوزة الدماغية التي تقع في أعماق الفص الصدغي، أو Temporal Lobe، وهي المسؤولة عن تخزين الذكريات واستخدامها في عمليات التعلم طويل الأمد.

اقرأ/ي أيضًا: دماغك يبقى "شبه مستيقظ" عند النوم في مكان جديد! 

وتقوم اللوزة الدماغية أيضًا بمعالجة وتخزين الذكريات المرتبطة بأحداثٍ تستجدي عواطف قوية، مثل: الحزن والإحراج والخوف والقلق.

النوم
الذين يحظون بنوم مريح لا يتأثرون عاطفيًا بأحداث اليوم السابق

وفي هذه الدراسة، تم تعريض المشاركين إلى أحداثٍ عاطفية، واكتشف الباحثون أن المشاركين الذين استيقظوا من نومٍ مضطربٍ بقيت معهم ردة فعلهم حتى اليوم التالي، أما المشاركين الذين حظوا بنومٍ مريحٍ فقد قالوا إن أحداث اليوم السابق لم يكن لها ذات الثقل العاطفي الذي حسبوه في البداية.

تأثير النوم على الذاكرة

من المعروف اليوم أن النوم الهانئ ليلًا له فوائد إيجابية على المزاج والتيقظ والتركيز. وقد أثبت العلم أيضًا أن النوم يلعب دورًا حيويًا في استرداد الذكريات. ولكن ما لم نكن نعرفه، على الأقل حتى الآن، هو الكيفية التي تحكم عمليات النوم والذاكرة وعلاقتهما ببعضهما البعض وكيف تمتد الأضرار التي تلحق بإحدى هاتين العملتين إلى العملية الأخرى.

قال مؤلّفو الدراسة في بحثٍ سابقٍ نشرته مجلة "Proceedings of the National Academy of Sciences" عام 2018، أن حرمان جسمك من النوم ولو لليلةٍ واحدة، قد يؤدّي إلى إفراز وتراكم البيتا أملويد "Beta-Amyloid"، أي فضلات الأيض، في البنى الدماغية ومنها اللوزة الدماغية المسؤولة عن ضبط المزاج والعواطف والذاكرة والقدرة على التعلم، وهي أحد أجزاء الدماغ التي يؤثّر بها مرض ألزهايمر.

تضبط اللوزة الدماغية الممرات العصبية التي تصل إلى الغدة النخامية المسؤولة عن نظمٍ بيولوجية هامة، مثل النوم ودورة الحيض وإيقاع الساعة البيولوجية. وتتفاعل اللوزة الدماغية مع قرن آمون "Hippocampus"، أحد أهم عناصر عملية معالجة الذكريات.

وفي الواقع تُعدّ الخلايا العصبية التي تربط قرن آمون بغيره من أجزاء الدماغ، مستودعاتٍ تخزّن الذكريات العرضية، تحديدًا الأحداث ومواقعها والعواطف المرتبطة بها.

النوم
أثبت العلم أن النوم يلعب دورًا حيويًا في استرداد الذكريات

ويُشترط حدوث ثلاث عملياتٍ حيوية، لكي تعمل ملكة الذاكرة بالصورة الصحيحة:

  1. الاكتساب (Acquisition): تعلم أو معايشة شيءٍ جديد.
  2. التخزين (Consolidation): إدماج هذه المعلومات الجديدة في العقل، وتثبيتها فيه.
  3. الاستعادة (Recall): الوصول إلى هذه المعلومات بعد تخزينها.

تحدث عمليتا الاكتساب والاستعادة عندما يكون المرء مستيقظًا، أما التخزين فيكون خلال النوم. عندما تكون مستيقظًا، يتفاعل دماغك مع المثيرات الخارجية ويضيف ذكرياتٍ جديدة لا تزال في هذه المرحلة غير مستقرةٍ وأقرب إلى النسيان.

وخلال النوم، أي عندما يقلّ تعرض الدماغ إلى المثيرات الخارجية بنسبةٍ كبيرة، يجد الدماغ الفرصة الأمثل لتخزين الذكريات وهو ما يقوّي ويعمّق ارتباطية الذكرى الجديدة بشبكات المعرفة الموجودة.

تخزين الذكريات

في فترة ما اعتقد العلماء أن الهدف من النوم ببساطة هو حماية الذكريات من تدخل المثيرات الخارجية، لكننا نعرف اليوم أن نوم العين السريعة (REM) ونوم الموجة البطيئة أو النوم العميق (Slow-Wave Sleep) يلعبان دورًا أكبر في تخزين الذكريات، حيث تتمّ معالجة الذكريات المختلفة في مراحل النوم المختلفة.

وقد أظهرت دراسةٌ نشرتها مجلة "Journal of Sleep Research" عام 2018، أن التخلف عن النوم لليلةٍ واحدةٍ فقط قد يعيق عمل الذاكرة وهو بكل تأكيد عنصرٌ هامٌّ في ملكة المنطق والتخطيط.

الحوادث والحرمان من النوم

ولكن ما يثير القلق أكثر، هو أن المشاركين في الدراسة الذين أظهروا العلامات الأشدّ على تأثرهم بالحرمان من النوم، والذين كانوا نساءً، لم تكن مدركات لانخفاض أدائهن، وهو ما يزيد نسبة وقوع حوادث أو أخطاء. ولعل من أهمّ الأمثلة على ذلك هي العلاقة بين حوادث السيارات والحرمان من النوم.

وتبيّن دراساتٌ أخرى أن الذاكرة التقريرية (Declarative Memory)، التي تقوم على الحقائق، تستفيد بالدرجة الأولى من فترات النوم التي تهيمن عليها النوم العميق، أما الذاكرة الإجرائية (Procedural Memory)، المسؤولة عن تذكيرك بفعل أمرٍ ما، تتركّز علاقتها بنوم العين السريعة.

لا يزال هناك، مع كل ذلك، الكثير الذي يجب معرفته عن النوم والذاكرة. ولكن يمكن الجزم جزمًا تامًا بأن نومةً هانئةً في الليل تحسّن التركيز على التعلم وتذكّر ما تعلّمناه. ما يلي بعض النصائح التي تساعد على تحسين جودة وكمية النوم:

  • قم ببعض التمارين خلال اليوم، ولكن ليس قبل بضعة ساعات من موعد نومك.
  • قلّل أو تجنب المثيرات مثل الكافيين في فترات اليوم المتأخّرة.
  • احرص على أن لا تتجاوز قيلولتك 30 دقيقة، ولا تأخذ قيلولة بعد انقطاع النصف الأول من اليوم.
  • التزم بجدول نوم، واذهب إلى النوم واستيقظ في نفس الوقت كل يوم، ولا يُستثنى من ذلك نهاية الأسبوع والعطل.
النوم
كمية النوم لا تقل أهمية عن نظام النوم وجودته

  • استرخ وأخلِ ذهنك قبل موعد النوم. اقرأ كتابًا أو استمع إلى موسيقى هادئة.
  • أبقِ غرفة نومك باردةً في الليل. استخدم "الضجيج الأبيض/White Noise" مثل صوت المروحة لحجب الأصوات المشتّتة، واستخدم ستائر سوداء تحجب النور.
  • احرص على أن يكون فراشك مريحًا وحاول النوم على وسادةٍ واحدة، بدلًا من اثنتان أو ثلاثة.
  • لا تتناول وجباتٍ ثقيلة أو تفرط في شرب السوائل قبل موعد النوم.
  • تجنّب استخدام الكمبيوتر أو الهاتف قبل النوم مباشرة. فضوء الشاشة يثير الدماغ ويجعل مهمة النوم أصعب.

نظام النوم أو جودته لا تقلّ أهميةٍ عن كمية النوم، فتحديد مواعيد مناسبة للنوم والاستيقاظ تسمح بالمرور بمراحل النوم بما يحافظ على صحة الدماغ

نظام نومك أو جودته لا تقلّ أهميةٍ عن كمية النوم. فتحديد مواعيد مناسبة للاستيقاظ والنوم تسمح لنا بالمرور بمراحل النوم المختلفة، من نوم العين السريعة والنوم العميق. لا بأس أيضًا بحمامٍ باردٍ أو ساخنٍ قبل النوم، فهو يعزّز النوم العميق، أو نوم الموجة البطيئة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

من بينها الضعف الجنسي.. تعرّف على 8 مخاطر صادمة لنقص النوم!

هل تعاني من الأرق؟.. 6 أمور ستساعدك في الحصول على نومٍ هانئ

هل يحتاج المراهقون اليوم إلى دروس في "مهارات النوم"؟

إنفوغرافيك.. تعرف على مفسدات النوم