النوبة التونسية... أيقونة موسيقية ورسائل سياسية

النوبة التونسية... أيقونة موسيقية ورسائل سياسية

من عرض النوبة

عند الحديث عن النوبة، قد يتبادر للذهن لوهلة أولى بلاد النوبة الواقعة في جنوب مصر، غير إنه غالبًا ما يتبادر لذهن التونسيين ذلك العرض الموسيقي الذي تم تقديمه على مسرح قرطاج صيف 1991 والذي اتخذ اسم "النوبة" أو "النوبة التونسية" وهو عرض للموسيقى الشعبية والبدوية ظلّ للآن بعد 26 سنة من تقديمه أيقونة الغناء الشعبي والبدوي، حتى إن التلفزة التونسية خيّرت بثه أكثر من مرّة خلال أيام عيد الفطر الفارط. وهو عرض قد تكشف مشاهدته اليوم عن قراءة سياسية ضمن السياق الذي عاشته تونس حينها.

اكتسب عرض "النوبة" التونسي ثقله لأنه ضمّ أقطاب الموسيقى التونسية الشعبية والبدوية

وقد اكتسب عرض النوبة التونسية ثقله في البداية لأنه ضمّ أقطاب الموسيقى التونسية الشعبية والبدوية ومنهم على وجه الخصوص إسماعيل الحّطاب الذي يُعتبر أيقونة الغناء البدوي وهو صاحب الأغنية الشهيرة "بين الوديان"، والهادي حبّوبة وهو رائد فنّ المزود الشعبي ومنافسه اللدود صالح الفرزيط، ولطفي بوشناق إضافة لأسماء أخرى شهيرة. حيث جمع العرض بين ايقاعات شعبية مختلفة أهمها "الربوخ" الذي تصفه كتب المصنفات بأنه غناء الوسط العمالي المتواضع، والفزاني" وهو إيقاع سريع راقص، و"العروبي" الذي يستعمل أبياتًا من الشعر الشعبي.

اقرأ/ي أيضًا: شوقي بوزيد يصرخ.. ماما أفريقيا

وعمد صاحب العرض الموسيقي فاضل الجزيري إلى تضمين لمسات عصرية للمسح التراثي، فإضافة لعشرات العازفين للآلات الشعبية وهي الدربوكة (الطبلة)، والبندير (الدف) والمزود وهي آلة هوائية تونسية مصنوعة من جلد الماعز، تضمّن العرض آلات عصرية مثل الأورغ. كما جمع بين الراقصات الشعبية واللائي يُعرفن بـ"الصانعات"، وعشرات الراقصين الشبان الذين قدموا عرضًا راقصًا عصريًا في خلف المسرح الكبير في قرطاج.

لم تكن النوبة التونسية مجرّد عرض موسيقي بل لوحة متكاملة من التاريخ الشعبي التونسي، حيث ينطلق العرض بذبح ماعز كبير، كما يجلس عدد من الجمهور في المسرح أمام العازفين وكأنها رسم لحفل زواج شعبي تونسي.

غير إن مشاهدة العرض اليوم في زمن بات فيه البحث عن الخلفيات والمعاني السياسية يفرض نفسه، تنكشف رسائل خفيّة لذلك العرض الموسيقي التاريخي الذي تم تقديمه سنة 1991 أي بعد أشهر من تنظيم الانتخابات الرئاسية الصّورية، والتي فاز بها المخلوع زين العابدين بن علي ليركّز من حينها نظامه الاستبدادي الذي ظلّ جاثما على صدور التونسيين طيلة 23 سنة. حيث كشفت تلك الانتخابات عن زيف الوعود الاصلاحية التي قدّمها المخلوع للطبقة السياسية والتونسيين حينما قاد انقلابه على الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة نهاية الثمانينات.

ومن ذلك المنطلق، تُعتبر سنة 1990 سنة فارقة في التاريخ السياسي التونسي، فمن حينها كشف بن علي عن وجهه الحقيقي وأطماعه في السلطة، ولتنطلق حملة أمنية ضد معارضيه وتحديدًا الإسلاميين والتي عُرفت عندهم بـ"المحرقة".

حيث تبين رسائل سياسية مترابطة خفيّة حملها عرض النوبة التونسية الشهير أولّها إعلان بن علي من خلاله رفع "فيتو" الدولة بخصوص الغناء الشعبي والبدوي والذي كان ممنوعًا طيلة عقود زمن الرئيس بورقيبة، حيث ظهر بن علي وقتها وكأنه بصدد المصالحة، من النافذة الفنية الرمزية، مع قطاع واسع من التونسيين خاصة في المحافظات الداخلية حيث ينتشر الغناء البدوي، وفي الضواحي الفقيرة للعاصمة حيث ينتشر غناء المزود الشعبي. فأراد بن علي عبر عرض النوبة إعلان إنهائه لسياسة "الإقصاء الفني" التي مارسها الرئيس الأسبق والحدّ من تدخل الدولة لفرض أنماط موسيقية معيّنة.

أراد بن علي عبر عرض النوبة إعلان إنهائه لسياسة "الإقصاء الفني" التي مارسها الرئيس الأسبق

بالتتابع، انطلق العرض برسالة سياسية بيّنة، حيث تصعد في البداية فتاة على المسرح متوشّحة باللباس التقليدي "السفساري"، وهو غطاء أبيض يلفّ كامل الجسم عدا الوجه، ثم تقوم فور انطلاق وصلة غنائية شعبية بنزعه وتنطلق في الرقص. ويذكر هذا المشهد التونسيين بلقطة شهيرة لأول رؤساء البلاد الحبيب بورقيبة حينما قام بنزع "السفساري" لامرأة في إحدى زياراته الميدانية، فيما بدت ظاهرًا دعوة لتحرّر النساء عبر محاربة غطاء الرأس، وذلك كما مارست دولة الاستبداد طيلة عقود.

اقرأ/ي أيضًا: رقمنة التراث الموسيقي التونسي

حيث يتعارض مشهد نزع "السفساري" مع دعوات التيار الإسلامي للنساء وقتها لارتداء ألبسة محتشمة، فكان بذلك أول مشاهد النوبة رسالة من الدولة عن رفضها لما أسمته "اللباس الطائفي" وتحديدًا الحجاب الذي ظلّ ممنوعًا في تونس حتى اندلاع الثورة سنة 2011. وهو إجراء يأتي في إطار سياسة النظام المُعلنة لـ "تجفيف المنابع" ضد الفكر الإسلامي، والتي تقوم على محاربة مظاهر التدين في البلاد ومحاولة طمس الهوية الإسلامية.

وفي نفس السياق، استغلّ بن علي عرض النوبة التونسية للترويج لما تسمّيه آلة دعايته "الخصوصية التونسية" في إطار سياسة الانعزال عن المحيط العربي، فمثلت الموسيقى التونسية الخالصة عنصرًا مضافًا في إطار ترويج أبواق البروباغندا لهذه السياسة الانعزالية التي بانت وقتها مع عدم مشاركة تونس في القمة العربية الطارئة بعد غزو الكويت. حيث عمل نظام بن علي من وقتها على النأي بنفسه عن الأنظمة القومية العربية وتحديدا نظام القذافي في الجارة ليبيا، كما عمل على للتصدّي لصعود الإسلاميين خاصة بعد مكاسبهم في الانتخابات الجزائرية في بداية التسعينات حينها قبل انطلاق الحرب الأهلية.

إذ مثلت بداية التسعينات انطلاق "المحرقة" ضد المعارضين التونسيين وخاصة الإسلاميين منهم، حيث مارست أجهزة الدولة ضدهم أشنع انتهاكات حقوق الإنسان، فمات عشرات تحت التعذيب واٌغتصبت النساء واٌعتقل الآلاف في السجون، وتم التنكيل بعائلات المعارضين والمتعاطفين منهم عبر منعهم من ممارسة أبسط حقوقهم. وقد ترافقت هذه الحملة الأمنية مع بروباغندا لنظام بن علي تقوم على تصوير المعارضين ومنهم الاسلاميين كخطر على الدولة ومكتسبات التونسيين أهمها تحرّر المرأة.

غير إنه رغم استغلال بن علي لعرض النوبة التونسية ضمن هذه البروباغندا، يظلّ هذا العرض لليوم لوحة فنيّة وأيقونة للغناء الشعبي والبدوي، يجمع التونسيون أنه لم يلحقها لليوم عرض موسيقي شعبي في حجمه.

اقرأ/ي أيضًا:

نجيم بويزول.. ما يغنيه المهاجرون

أولاد أحمد.. تونس التي تعلّم الثورة