النكتة السياسية في الأردن.. ملاذ للغلبانين

النكتة السياسية في الأردن.. ملاذ للغلبانين

وجد الأردنيون في النكتة ملاذًا لهم (تويتر)

الترا صوت - فريق التحرير

يجادل كثيرون حول جدوى النكتة السياسية والسخرية في وجه حالة تبدو، أو يراد لها أن تبدو، جاثمة على صدور شعوب المنطقة وأن لا مفرّ منها ولا مهرب إلا إلى الفوضى والحرب والدماء. فبين من يرى أن للنكتة السياسية قدرة فريدة على التأثير في مزاج الشارع وتثويره ضد الظلم والفساد والاستبداد، وخضخضة حالة اللامبالاة وفقدان الأمل، أو مواجهة الوضع القائم بالحدّ الأدنى بالتعبير السلمي عن رفضه بسلاح السخرية والتنكيت، يرى آخرون أن النكتة السياسية قد تؤدي إلى عكس المراد منها، فتسهم بترسيخ صور نمطيّة عن جبروت الحكام وضعف المحكومين وقلّة حيلتهم، فتنفّس عن الناس وتصدهم عن التفاعل والمواجهة التقليدية الحقيقية ضد أدوات السلطة السائدة.

وجد الأردني "الغلبان" له ملاذًا في الضحك منذ بداية التسعينات، حيث شكل المسرح الكوميدي أحد المظاهر المهمّة لانتعاش حريّة الرأي والتعبير

أردنيًا، ثمة صورة نمطية غير منصفة تفيد بأن الأردنيين لا يتمتعون بخفّة الدم وحس الفكاهة، وأنّ الأردني متجهّم و "مكشّر" على الدوام لا تعرف النكتة سبيلًا إليه، وهذه واحدة من الصور التي يكاد الأردنيون أنفسهم يصدقونها عن أنفسهم. المفارقة أن كثيرًا من النكات والكاريكاتيرات الساخرة قد انتشرت أردنيًا حول هذا المزاج الأردني المتجهم، مثل بعض رسومات الفنان الأردني عماد حجاج التي نقلت هذه الصورة في واحدة من رسوماته المعروفة لكلّ أردني. 

 

الكشرة الأردنية

السخرية السياسية في الأردن.. سباقون في الضحك

وجد الأردني "الغلبان" ملاذًا في الضحك منذ بداية التسعينات عقب الانفراجة الديمقراطية في البلاد التي تلت إلغاء الأحكام العرفية وعودة الحياة البرلمانية والأحزاب السياسية، حيث شكل المسرح الكوميدي أحد المظاهر المهمّة لانتعاش حريّة الرأي والتعبير والانتقاد الملتزم والساخر، ضمن سقف مرتفع نسبيًا وإن كان قد ظل بعيدًا عن كونه مطلقًا وبلا عواقب ومضايقات أمنية وتدخلات رسميّة. فقد كان مسرح هشام يانس ونبيل صوالحة في التسعينات من العلامات الفارقة على تطوير المسرح السياسي الساخر أو الكوميدي، الذي كان يستقطب جمهورًا واسعًا في العاصمة الأردنيّة عمّان في الزمن "الجميل" للمسرح. ثم ظهرت بعد يانس وصوالحة العديد من الشخصيات ذات التأثير الكبير في مشهد النكتة السياسية في الأردن، في مقدمتهم الفنان موسى حجازين، ونبيل المشيني، ومحمود صايمة، وحسين طبيشات وغيرهم، وذلك قبل انتشار القنوات الفضائية والإنترنت، وتراجع المستوى العام للمحتوى المعروض في المسرحيات الجديدة، التي خلطت بين الكوميدي والساخر وآلت إلى مجرد تكرار سمج لنكات "محروقة" لا تؤدي حتّى وظيفتها الكوميدية.

النكتة السياسية في سوريا

كانت مسرحيات تلك الفترة تتناول قضايا أردنية وإقليمية متنوعة، فإلى جانب الحديث عن السياسة والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية في الأردن، كانت العديد من المسرحيات الأردنية تتناول الشأن العربي العام، فلم تغب القضية الفلسطينية ومسألة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، لاسيما عقب توقيع الأردن على معاهدة وادي عربة عام 1994، والسخرية من حالة الانقسام العربي وعبثية القمم العربية. وكانت المسرحيات التي تُعرض تنال إقبالًا كبيرًا، بخلاف المسرح الثقافي الذي ظل رغم أهمّيته نخبويًا وضعيف الحضور، مقارنة مع المسرح الكوميدي الساخر الأكثر واقعية وتعبيرًا عن آلام الناس وهمومهم، بمستوى مقنع من الجرأة واللعب على أوتار حساسة محليّة وإقليمية.

 

 

ومع صعود موجة الربيع العربي مطلع العام 2011 وسقوط نظام بن علي في تونس ومبارك في مصر، جاءت مسرحية "الآن فهمتكم" لتعرض في أوج حالة من الاحتقان الشعبي في الأردن، مسلطة الضوء على واقع الفساد وتزايد معدلات الفقر والبطالة وتغول الأجهزة الأمنية التي قالت المسرحية إنها كانت وراء صعود "البلطجية"، الذين استخدموا للاعتداء على المواطنين المشاركين في الاعتصامات الشعبية في ربيع العام 2011. وقد حضر المسرحية العاهل الأردني عبد الله الثاني نفسه وعدد من المسؤولين، في محاولة لامتصاص غضب الشارع وما بدا إيذانًا بطيّ صفحة ما شهده الأردن من احتجاجات واسعة طالت القصر وجهاز المخابرات وكبار رموز الفساد في الأردن.

 

 

النكتة السياسية في الكاريكاتير الساخر

مع صعود المسرح الكوميدي أردنيًا خلال التسعينات، ازدهر أيضًا فن الكاريكاتير الساخر في الأردن، بعد أن لم تكن الصحف الأردنية تعرف العديد من رسامي الكاريكاتير المؤثرين، باستثناء رباح الصغيّر، الذي توفّي في شباط/فبراير 1989 ولم يدرك الفرجة السريعة في المشهد السياسي والثقافي في الأردن. فقد كانت تلك الفترة من التسعينات ولّادة لعدد من الفنانين الذين تحولت بعض شخصيات رسوماتهم إلى أيقونات معروفة وعلامات مسجلة، ومن أبرزهم عماد حجّاج مبتكر شخصية "أبو محجوب"، والتي رافقت الأردنيين في معظم التحوّلات والأزمات التي شهدتها البلاد، حيث كان أبو محجوب حاضرًا دومًا للتعبير عن مشاكل الأردنيين وهمومهم. فعند ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات، ظهرت رسومات أبو محجوب لتعبر عن حجم الأزمة التي يعاني منها المواطن، محولًا النكتة التي انتشرت بين الأردنيين عن الأب الذي يمنع ابنه من حرق نفسه إشفاقًا على ضياع الوقود، إلى رسم كاريكاتيري ما يزال متداولًا على وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المحادثة مثل واتساب حتى اليوم.

وعند إقرار الحكومة الجديدة برئاسة عمر الرزاز قانون ضريبة الدخل الجديد بعد التعديلات عليه وادعاء الحكومة أن القانون لا يستهدف الطبقات الفقيرة، كانت رسومات عماد حجاج ترصد عدم ثقة الشارع بالحكومات المتعاقبة في الأردن وقراراتها الاقتصادية.

مع صعود موجة الربيع العربي مطلع العام 2011 وسقوط نظام بن علي في تونس ومبارك في مصر، جاءت مسرحية "الآن فهمتكم" لتعرض في أوج حالة من الاحتقان الشعبي في الأردن

وإلى جانب عماد حجاج وناصر الجعفري وأمجد رسمي وغيرهم، برزت رسومات وأعمال الفنان الأردني الشاب عمر العبدالات، الذي كان قريبًا هو الآخر دومًا في رسوماته من هموم الشارع الأردني ومدركًا لها، فنقل السخرية التي تدور بين الأردنيين بشأن أخبار محاربة الفساد "الأصغر" وتجاهل الفساد الأكبر الذي ينخر بمقدرات البلاد، فكانت رسوماته انعكاسًا لما يدور بين الأردنيين في مقاهيهم وبيوتهم وأماكن عملهم.

اقرأ/ي أيضًا: مانشيت "ديدان الأرض".. "الرأي" الرسمية تستفز الشارع الأردني

النكتة السياسية على يوتيوب

ظلت شهيّة الأردنيين مفتوحة على السخرية من الوضع القائم، بعد كرّ وفرّ بين الحكومات والشارع، وفي حراك شعبي طويل النفس منذ العام 2011 وحتى اللحظة الراهنة، حيث ما تزال إرادة العيش بكرامة حاضرة، يذكي جذوتها استمرار الفشل الرسمي في تحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، والتعنّت أمام أي مطالبات لإصلاحات سياسية حقيقية في البلاد، ما جعل أسباب السخرية والانتقاد حاضرة باستمرار لدى الأردنيين. فمن برنامج "من سف بلدي" لأحمد حسن الزعبي، الذي نال بذكاء طرحه وجرأة تناوله استحسان المتابع الأردني على شبكات التواصل الاجتماعي، في مقابل غضب رسميّ جعل الزعبي هدفًا لحملات تشهير وإساءة وحروب قضائية أمام المحاكم، إلى برامج متنوعة أخرى مثل "فوق السادة"، وجدت السلطة نفسها غير محصنة من نكات العامة وألسنتهم التي ما فتئت تحاول قصقصتها وتقصيرها عبر قوانين للجرائم الإلكترونية من جهة، وعبر العمل من جهة أخرى على سلعنة الكوميديا وتأطيرها في صورٍ غير تحريضية لا تهدف سوى إلى الضحك وملء الوقت على شاشات التلفاز أو منصات السوشال ميديا.

الشباب الأردني وزعزعة الخوف بالسخرية 

بعد أن تراجع نطاق ووتيرة التظاهرات في الشارع الأردني بعد سلسلة الانتكاسات التي تعرضت لها ثورات الربيع العربي في دول الجوار، ولاسيما مع تعمق حالة الاقتتال في سوريا ووصول بطش النظام إلى مستويات استغلتها الماكنات الإعلامية للأنظمة العربية للتهديد والتخويف من مآل حراك الشارع العفوي وخطره على مكتسب "الأمن والأمان" الذي يتضاءل أمامه حسبهم أي استحقاق ديمقراطي أو حقوقي آخر، ظل الشباب الأردني يتّكئ على سلاح النكتة والسخرية إزاء تردّي حالة البلاد وأوضاع العباد فيها، حتى صارت السخرية هي المقاربة الأولى للحديث عن الحياة العامة والوسيلة المتاحة للتعبير عن حالة الغضب والاحتقان دون أن يعني ذلك بالضرورة حالة سلبية في التعاطي مع الواقع. فعندما عادت الاحتجاجات في الأردن في صيف العام الماضي، فيما عرف باحتجاجات أو "هبة رمضان"، كانت السخرية محركًا مهمًا لحركة الاحتجاج وعنصرًا بارزًا في الاعتصامات التي انتهت وقتها بإسقاط حكومة هاني الملقي. فعندما تكررت حالات انقطاع الإنترنت وتوقف البث المباشر على منصات التواصل الاجتماعي، اتهم الشباب وزير الاتصالات، الذي كان فيما سبق أحد وجوه الحراك الاحتجاجي في العام 2011، بالتشويش على الإنترنت للتأثير على زخم التظاهرات والحيلولة دون نقل حقيقة ما يجري في ساحات الاعتصام قرب الدوار الرابع، فكانت التغريدات الساخرة تشير إلى الدور الذي رضي هذا الوزير بأدائه في مواجهة حراك الشارع:  

 

 

وحين تداعت بعض دول الخليج لتقديم مساعدات مالية للأردن على وقع الاحتجاجات المستمرة التي أحرجت الحكومة الجديدة بعد أن أكّدت أن المطلوب هو تغيير "النهج" في حكم البلاد وتعزيز التداول الديمقراطي للسلطة عبر تعديل قوانين الانتخابات وصولًا إلى حكومات برلمانية تمثّل الشعب، جاء الرد على حسابات المغردين بأنّ الاعتصام يؤتي أكله، وأن على الحكومة أن تشكر الشعب الذي حفز أنظمة الخليج على تقديم بعض الدعم لاقتصاد البلاد الموشك على الانهيار بسبب عقود من الفساد والاعتماد على القروض الخارجية والمعونات. 

 

وحين غاب الإعلام الرسمي عن تغطية الاحتجاجات مفضلًا الانشغال بنقل أخبار عن "فوائد الميرمية"، كانت العديد من المعتصمين يحملون سيقان الميرميّة ويرفعونها على بعض اللافتات، في لفتة ساخرة إلى مستوى اهتمامات التلفزيون الرسمي للمملكة وحالة النكران لحالة الاحتجاج الواسعة التي شهدتها البلاد منتصف العام الماضي. 

 

 

 

كل ما سبق يؤكّد أن الأردنيّ انتقل من حالة التجهم و"الكشرة" النمطية إلى السخرية الواعية من واقع محليّ محبط، واعيًا في الوقت ذاته بإمكانات هذه الوسيلة وأثرها في تحريك الوعي الفردي والعام دون أن ينسى حدودها ومغبة تحولها إلى شكل سلبيّ من التعبير عن العجز وقلة الحيلة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأردن تحت لعنة صندوق النقد.. "الشعب عارف طريقه"

المغرب والأردن.. ملكية الاستبداد الذكي