النفاق الأمريكي في الشرق الأوسط.. من انقلاب السيسي إلى احتجاجات إيران

النفاق الأمريكي في الشرق الأوسط.. من انقلاب السيسي إلى احتجاجات إيران

تتعامل الولايات المتحدة بازدواجية مع إيران وحلفائها العرب الديكتاتوريين (وحيد سالمي/ أسوشيتد برس)

نشر موقع "ميدل إيست آي" مقالًا لسمية الغنوشي، تعقد فيه مقارنة بين مزاعم الولايات المتحدة دعم المطالب "الديمقراطية" في إيران، في حين أنها من جهة أُخرى، تدعم أنظمة غارقة في القمع والديكتاتورية بالمنطقة، وليست السعودية ومصر بعيدتين عن ذلك. تُسمي الغنوشي ذلك بـ"النفاق المقزز". المزيد من التفاصيل في السطور التالية حيث ترجمة المقال.


خلال الأسبوع الماضي، اندلعت الاحتجاجات في إيران، بدايةً من مدينة مشهد التي تعد ثاني أكبر الدمن الإيرانية، ثم انتشرت في العديد من المدن بما فيها العاصمة الإيرانية طهران.

كشفت الاحتجاجات الإيرانية عن وجود فجوة كبيرة بين الشباب الإيراني والحكومات المتعاقبة سواءً محافظة أو إصلاحية

وتطالب هذه الاحتجاجات بالتغيير الاجتماعي والاقتصادي، وسط تزايد نسب البطالة بين الشباب، وكذا الشعور بالظلم بين الإيرانيين الأفقر. وقد عانت هذه الفئات من وطأة سوء الإدارة الاقتصادية وتبعات الحظر المفروض بواسطة القوى الدولية على إيران لسنوات عديدة.

اقرأ/ي أيضًا: احتجاجات إيران.. موجة غضب لا تستثني أحدًا حتى خامنئي!

وقد كشفت الاحتجاجات عن وجود فجوة كبيرة بين الشباب الإيراني والحكومات الإيرانية المتعاقبة، سواءً المحافظة أو الإصلاحية، على حد السواء.

هل هي ثورة كاملة؟

استجابت ثلاث جهات فاعلة لهذه الأزمة السياسية بسرعة البرق، ولكل منها أجنداتها وحساباتها، محاولين تحويل هذه الاحتجاجات الاجتماعية المحدودة نسبيًا إلى ثورة كاملة ضد الحكومة.

أولى تلك الجهات، كانت السعودية التي عادت بشدة ثورات الربيع العربي، مستخدمة في قمعها المال والإعلام. بل ذهبت لأبعد من ذلك بدعم انقلاب عسكري في مصر، في 2013.

المفارقة أن هذه الدول تدعم تلك الاحتجاجات في إيران بل وتطلق عليها "الربيع الفارسي". وبعبارة أخرى، ما هو ممنوع للعرب جائزٌ، بل مرغوب فيه، للإيرانيين.

وكانت إسرائيل هي الجهة الثانية، التي وصفت التحولات السياسية التي اجتاحت المنطقة في عام 2011، منذ الأشهر الأولى، بأنها "خريف عربي"، ورأت أنها تُشكل تهديدًا وجوديًا خطيرًا على جهودها الرامية إلى تعزيز نفسها بوصفها الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، وسط بحر من الديكتاتوريات.

أما الجهة الثالثة، فكانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي لم تُظهر في الماضي أي اهتمام بالتغيير الديمقراطي في المنطقة، بل كرّست طاقتها لإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة إقحام نفسها مجددًا في الشرق الاوسط بعد الانسحاب التدريجي في أعقاب هزيمتها في العراق.

وقد هرعت مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، لوضع الاحتجاجات الإيرانية على جدول أعمال مجلس الأمن الدولي، وهي المؤسسة التي أدانتها بنفسها منذ أيام قليلة واتهمتها بمعاداة إسرائيل وهددت بتعليق تمويلها، على إثر القرار الرافض لإعلان ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي.

نفاق يثير الاشمئزاز

ولا شك في أن هناك أسبابًا عديدة دفعت الشباب الإيراني لتلك الاحتجاجات، منها التهميش والبطالة ومعدلات الفقر وتكاليف المعيشة. ولكن يبدو أن القوة الدافعة الرئيسية وراء هذه الموجة هي القطاعات الاجتماعية الأكثر فقرًا وتهميشًا، والتي لم تطرح أي مطالب سياسية واضحة ومتبلورة.

وخلافًا للاحتجاجات التي اندلعت في عام 2009، وقادها الإصلاحيون، لا يبدو أن هذه الحركة الأخيرة تقودها أي مجموعة سياسية محددة.

ويفتقر الخطاب الذي تبنته الولايات المتحدة وحلفائها، إلى أي مصداقية، لسبب بسيط هو أن هذه الإدارة هي الأقل أهلية للحديث عن تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة، وذلك بالنظر إلى معاملاتها المالية الواسعة ومشاركتها في صفقات للأسلحة والنفط مع بعض دول الشرق الأوسط الديكتاتورية، كما اتضح خلال زيارة ترامب للرياض، والتي عاد منها محملًا بـ400 مليار دولار.

تتعامل إدارة ترامب بنفاق مقزز، حين تعلن دعمها للاحتجاجات في إيران في حين أنها تدعم حكومات غارقة في القمع والديكتاتورية

والأهم من ذلك أنه على بعد بضع مئات من الكيلومترات من إيران، كان هناك انقلاب عسكري دموي قضى على إرادة الشعب، وفرض الحكم المطلق، ووضع رئيسًا منتخبًا خلف القضبان، وأخضعه لسياسة الموت البطيء تحت مرأى ومسمع أمريكا والدول الغربية، بل لن أتردد أن أقول بموافقتهم، أقصد الانقلاب العسكري في مصر.

اقرأ/ي أيضًا: كيف ساعدت واشنطن النظام الإيراني على التحكم بالإنترنت؟

إن هذا النفاق المقزز والمتمثل في دعم الولايات المتحدة لأصدقائها الديكتاتوريين ومساعدتهم رغم أنه ينتهكون ما يفترض أنها قيمها السامية لحقوق الإنسان والديمقراطية، في مقابل استخدام هذه المبادئ والقيم كسوط لجلد خصومها؛ هو أمر بات من السهر أن يراه الجميع، سواءً في الشرق الأوسط أو خارجه.

هذا ومن المعلوم بالضرورة لكل ذي عينين، أن الوضع السياسي في إيران بعيد تمامًا عن المثالية، ولا تزال الحكومة تفرض قيودًا سياسية واجتماعية كثيرة على المجتمع الإيراني.

نبض الشارع

إلا أن ذلك الوضع الذي لا يمكن إنكاره، لا يزال منتشرًا وسائدًا في معظم أنحاء المنطقة، التي يهيمن عليها إما حكام عسكريون غير مقيدين بدستور أو برلمان حقيقي أو مؤسسات سياسية، كما هو الحال في مصر وسوريا وشرق ليبيا والسودان وغيرها، أو من قبل ملوك يتمتعون بالقوة المطلقة والثروة، ويتحكمون في مصير شعبهم من المهد إلى اللحد باسم السلطة الدينية أو ما يعتبرونه "الحق الطبيعي في الحكم"، والذي ينتقل من الأب إلى الابن!

والحقيقة أنه مهما كانت تحفظاتنا على النظام الإيراني، فإنه أكثر ديمقراطية من حلفاء واشنطن العرب في المنطقة. على الأقل هناك انتخابات حقيقية، ومنافسة سياسية.

رغم كل القيود والسلبيات، تظل وضعية الديمقراطية في إيران أفضل بكثير من دول عربية حليفة لواشنطن (رويترز)
رغم كل القيود والسلبيات، تظل وضعية الديمقراطية في إيران أفضل بكثير من دول عربية حليفة لواشنطن (رويترز)

وسيكون من الأفضل لو واجهت واشنطن الأنظمة الثيوقراطية المطلقة والديكتاتوريات الوحشية، بدلًا من مواجهة أشباه الديمقراطيات في منطقة يسود فيها الطغيان والاستبداد والديكتاتورية.

ويعني ذلك إدخال الدساتير التي تحترم المعايير العالمية، ووقف حوادث الاعتقال التعسفي والتعذيب، وإجراء انتخابات حرة، على الأقل على مستوى المجالس المحلية، قبل أن نتمكن من البدء في الحديث عن البرلمانات المنتخبة أو الحكومات، وهو خيال في ظل الحكومات التي تحتفظ بمصائر شعوبها في قبضة من الحديد والنار وترى أي انتقادات للحكام كفعل من قبيل الغدر والخيانة التي تستلزم الإعدام.

الديمقراطية والثيوقراطية

من المرجح أن تُحَل تلك الموجة الأخيرة من الاحتجاجات في إيران عاجلًا أم آجلًا، ولكنها ستجبر السلطات على إيلاء المزيد من الاهتمام لنبض الشارع الإيراني، وهذا سيجبر الجمهورية الإسلامية على السماح بمزيد من الانفتاح السياسي ورفع القيود المفروضة على الحريات العامة والخاصة، نظرًا لأن شرعيتها السياسية مستمدة بالفعل من ثورة شعبية.

ومنذ فترة حُكم محمد خاتمي، قطع الإصلاحيون خطوات كبيرة نحو الانفتاح السياسي والثقافي، على الرغم من الضغوط التي فرضها الحصار الأمريكي القاسي والسجل الواسع للتدخلات الإيرانية في المنطقة، من العراق إلى سوريا واليمن ولبنان وأماكن أخرى.

وأقامت الثورة الإسلامية التي أطاحت بحكم الشاه في عام 1979، حكومة تجمع ما بين الديمقراطية والثيوقراطية. وقد تضطر الحكومة الإيرانية، عاجلًا أو آجلًا، للسماح بمزيد من الانفتاح نحو نهج إسلامي أكثر تحررًا. ولعل الاحتجاجات الحالية ستقود البلاد أكثر نحو هذا الاتجاه.

إذا كانت الولايات المتحدة جادة في الدعوة للحرية، فعليها فرض حد أدنى من الديمقراطية على حلفائها في المنطقة

إن المهمة الأكثر إلحاحًا بالنسبة للأمريكيين، إذا كانوا جادين في الدعوة إلى الحرية، هي فرض حد أدنى من الديمقراطية على حلفائهم في المنطقة، بدءًا من الجنرالات المتعطشين للدماء ووصولًا إلى الملوك والأمراء السلطويين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأولى من نوعها منذ 2009.. تظاهرات احتجاجية في العديد من المدن الإيرانية

تقدير موقف: استراتيجية إدارة ترامب نحو إيران والتصعيد المحسوب