ultracheck
  1. قول

النظر إلى عقارب الساعة.. ما بين قرون طهران ودقائق واشنطن

11 ابريل 2026
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية (جيتي)
محمود ليالي محمود ليالي

لفهم الصراع الأميركي الإيراني، يجب أن نتوقف عن النظر إلى الخرائط مؤقتًا، ونبدأ في النظر إلى عقارب الساعة والزمن، تحديدًا من خلال كتاب "نقد العقل المحض"، للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، والذي نُشر لأول مرة عام 1781، ثم أعيد طبعه مرة أخرى عام 1787، لماذا هذا الكتاب تحديداً؟

ببساطة لأن كانط أحدث ثورة في فهمنا للزمن كفاعل في الأحداث، فرفض نظرية نيوتن في اعتباره كيانًا ماديًا مستقلًا، وكذلك رفض نظرية الفيلسوف غوتفريد لايبنتس، والتي تعتبر الزمن مجرد تعبير ميتافيزيقي عن العلاقات والروابط السببية بين الأشياء، وبدلًا من ذلك، جادل كانط بأن الزمن هو الصورة الخالصة للحدس.

بمعنى أنه الشرط الضروري لإمكانية حدوث أي تجربة إنسانية، وغير منفصل عن العقل أو الإدراك أو الحدس، بل هو البنية التي ينظم العقل البشري خلالها تصوراته، ويرتب فيها الواقع ويستوعبه، وبالتالي عندما تدير الدول صراعاتها، فهي لا تتحرك داخل الزمن فقط، بل تتصرف وتخطط بناءً على إدراكها ووعيها بهذا الزمن، وهنا السؤال: كيف يفسر هذا التعريف الفلسفي للزمن جوهر الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران؟

زمن إيران

مع وصول الخميني إلى السلطة، وإنشاء نظام الدولة الإسلامية على أساس الفقه الجعفري وولاية الفقيه، أصبحت القيادة الإيرانية تتبنى ما يعرف في العلاقات الدولية بالزمن الحضاري، كمسار تاريخي تراكمي يُنظر فيه إلى التقدم السياسي عبر دورات طويلة الأمد تتجاوز أعمار الأفراد والدول، ويمتزج هذا المفهوم مع السردية الدينية المستمدة من معركة كربلاء، حيث يُعتبر الاستشهاد أثناء مقارعة الظلم والوقوف في وجه الطغيان، (والتي تمثله هنا الولايات المتحدة وإسرائيل)، حدثًا كونيًا مستمرًا تتوارثه الأجيال.

ويظهر ذلك بعدما وجدت إيران نفسها تقاتل في حرب مفتوحة أفضت في النهاية إلى مقتل المرشد علي خامنئي إثر غارات في شباط/فبراير 2026، ورغم ذلك، لم تتراجع إيران قيد أنملة، بل اتجهت إلى التصعيد المقابل، وتبنت استراتيجية الدفاع الفسيفسائي، محولة بذلك الزمن نفسه إلى سلاح هجومي، خاصة بعد استنزافها العالم أجمع بإغلاق مضيق هرمز، ووقف حركة التجارة بهدف رفع كلفة استمرار الحرب، ورفع الكلفة لن يأتي إلا باستمرار الحرب مدة من الزمن تجبر العالم على قبول الأمر الواقع.

كما أعادت هيكلة محور المقاومة ليعود مرة أخرى إلى شبكة لامركزية واسعة من الفصائل شبه المستقلة، وكل فصيل ينقسم على نفسه كالفسيفساء مع اللامركزية الشديدة في اتخاذ القرارات، وذلك لدعم استدامة كل فصيل على حدا وتجنب الضربات الشاملة أو الخاطفة، وضمان أن استهداف القيادة لن يؤثر على العمليات على الأرض.

لا تنظر إيران إلى المكاسب التكتيكية السريعة، بل إلى المكاسب الاستراتيجية بعيدة المدى، وذلك على العكس من الولايات المتحدة الأميركية التي تدير معاركها وفق الزمن السياسي

وما ساعدها على ذلك، أن نظامها السياسي قائم وممتد ومتجذر، لا تؤثر به نتيجة انتخابات أو رأي معارض، صحيح أن رئيس الجمهورية والبرلمان يأتي بالانتخاب، ولكن القرار في النهاية في يد الولي الفقيه، والولي الفقيه يستمد شرعيته من الشريعة الإسلامية، وهو موجود في مكانه حتى وفاته، ولا يمكن عزله إلا في أضيق الحدود.

بالتالي فهو لا ينظر إلى المكاسب التكتيكية السريعة، بل إلى المكاسب الاستراتيجية بعيدة المدى، وذلك على العكس من الولايات المتحدة الأميركية التي تدير معاركها وفق الزمن السياسي، فما هو الزمن السياسي؟

زمن أميركا

الزمن السياسي هي نظرية قدمها البروفيسور ستيفن سكورونيك، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ييل، لفهم آليات العمل داخل مؤسسة الرئاسة الأميركية، وتفترض أن سلطة الرئيس الأميركي لا تقاس بمدة رئاسته، بل تقاس بموقعه داخل دورة حياة النظام السياسي المهيمن، ووفقًا لهذه النظرية، يُجبر الرؤساء على اتخاذ قراراتهم بناءً على كيفية تعاملهم مع إرث أسلافهم، فإما أن يأتوا في وقت يكون فيه النظام القديم هشًا فيؤسسوا لزمن سياسي جديد، مثل روزفلت أو رونالد ريغان، أو أن يأتوا مقيدين بنظام سياسي قائم يحد من خياراتهم.

وعلى هذا الميزان، فدونالد ترامب يتحرك منذ اللحظة الأولى داخل بيئة سياسية شديدة الانقسام، أججها وأشعلها الاستقطاب الناتج عن حرب الإبادة على غزة، وخيبة الأمل العامة من إدارة سلفه جو بايدن، ومن ثم فهو يحاول استغلال تلك الحالة، لتأسيس زمن سياسي جديد يرتكز على سلطته المباشرة، ويتحدى خلاله قيود الرئاسة الأميركية بتحقيق نصر شامل على العدو الأخطر بالنسبة له، ولكن يقف أمامه ثلاثة عوائق تتعلق بالزمن أيضًا:

  1. الزمن الانتخابي: كل رئيس يظل في مكانه أربع سنوات فقط، ولابد له من نصر سريع وخاطف يقدمه إلى الرأي العام، وهذا يخلق ظاهرة تعرف بقصر النظر السياسي، حيث يميل الساسة إلى إعطاء الأولوية للسياسات التي تحقق لهم فوائد صافية وملموسة على المدى القصير لضمان إعادة الانتخاب، حتى لو كان ذلك على حساب الاستثمارات أو المصالح الاستراتيجية طويلة الأجل.

المشكلة الأخرى، أن هذا يجعل السياسات والأهداف متقلبة وغير مؤكدة مع كل دورة انتخابية جديدة، كما أن هذا الزمن حساس جدًا لتقلبات الاقتصاد اليومية وعاملات السوق، فارتفاع أسعار البنزين أو المواد الغذائية يشكل ضغطًا سياسيًا مباشرًا يدفع الرئيس للبحث عن مخرج سريع وسهل للأزمة.

بالمناسبة، هذا هو ما راهن عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حربه على أوكرانيا أيضاً، كيف ذلك؟   بحسب ما ذكره الكاتب طاهر المعتز بالله في كتابه، "القيصر، التاريخ السري فلاديمير بوتين"، أن الرئيس الروسي يرى في الديمقراطية الغربية هي نقطة الضعف الأولى أثناء الحروب، لأنها تضطر لتغيير أنظمتها وسياساتها بشكل مستمر، ما يعني تغييرا دائما في الاستراتيجية العسكرية، أما هو، فجالس على عرش روسيا للأبد، ولديه استراتيجية واضحة وطويلة الأمد للحرب وما بعد الحرب.

  1. الزمن العسكري: حيث تسابق المؤسسات الأميركية العسكرية الزمن لإنفاق ميزانيتها المتبقية في نهاية السنة المالية لطلب مخصصات أكبر في العام التالي، وتتجلى هذه المشكلة أيضًا في دورات الانتشار القصيرة للقوات، والتي تستمر عادةً من 6 إلى 12 شهرًا، وتخلق ضغطًا على القادة لتحقيق نجاحات سريعة وقابلة للقياس لتعزيز فرص الترقية، متجاهلين الأهداف الاستراتيجية على المدى الطويل، وهذا اللهاث يفسر أيضاً متلازمة الحروب الأميركية، الدخول السهل، والخروج الكارثي.

بمعنى أبسط، أميركا دخلت العراق لإسقاط نظام صدام حسين، وهذا هدف سهل، ويمكن بيعه للناخب الأميركي، وقد نجحت فعلًا، ولكن ماذا بعد صدام؟ لا خطط واضحة لكيفية حكم العراق، ولا خطة واضحة لكيفية البقاء داخل العراق، ولا خطة واضحة للانسحاب من العراق، لا شيء، فراغ مذهل، لدرجة انها أنفقت 2.4 تريليون دولار، وخسرت أكثر من 5000 جندي وضابط، معظمهم قتلوا بعد سقوط صدام أصلا، ثم خرجت خالية الوفاض، مسلمة البلد للحرب الأهلية وعشرات الميليشيات المتنازعة أهمها، للمفارقة، الحشد الشعبي العراقي الموالي لطهران، عدو أميركا الحالي.

وقد تكرر الأمر في أفغانستان أيضًا، دخلت أميركا رفقة حلفائها لإسقاط نظام طالبان، ونجحت مؤقتًا بعد هروب الملا عمر وسقوط العاصمة كابول في يد أميركا، ثم استمرت بعدها في احتلال أفغانستان 20 عامًا، صرفت خلالهم أكثر من 2.3 تريليون دولار، وقتل أكثر من 2500 جندي.

فمن يحكم أفغانستان حاليًا بعد رحيل القوات الأميركية؟ طالبان مرة أخرى، وكأنك يا أبو زيد ما غزيت.

  1. زمن التغطية الإعلامية: ومع دخول دورة الأخبار التي لا تتوقف على مدار 24 ساعة على الخط، أدى ذلك إلى زيادة الضغط الهائل على الزمن السياسي الأميركي، إذ تُجبر التغطية اللحظية صانع القرار الأميركي على الاستجابة الفورية للأزمات، مما يقلص من مساحة الصبر الاستراتيجي.

ومع الوصول إلى شبه اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران وأميركا، (قد ينهار في أي لحظة بسبب تعقيدات الوضع في لبنان والمجازر الإسرائيلية المستمرة بحق المدنيين)، والبدء في دورة تفاوض جديدة بين الطرفين، يبقى السؤال: أي زمن سينجح في تمرير زمنه، قرون طهران، أم دقائق أميركا؟ 

كلمات مفتاحية
فلسطين

"وهم نهاية التاريخ".. كيف جعلت الليبرالية الغربية الجحيم حكرًا على الشرق الأوسط؟

تتراكم القوة عن طريق تركيز الثروة والسلطة في يد فئة قليلة، ومن خلال تجريد الفئات الضعيفة والمهمشة مثل الشرق الأوسط من الأصول والموارد، وذلك عبر تقسيم النظام العالمي نفسه إلى عدة أشياء

التضامن مع فلسطين

الألمان يكرهون البطّيخ

لا يحتاج اللّوبيّ الصّهيونيّ لعناء كبير لاستدراج السّواد الأعظم من النّخب السّياسيّة والفكريّة والإعلاميّة في ألمانيا حتّى ينحاز لإسرائيل

مخيم الزعتري

"العودة القسرية الناعمة": الاقتصاد والقانون والأمن في مواجهة اللاجئين السوريين

سقوط النظام لم يؤدِّ تلقائيًا إلى إنهاء أزمة اللجوء، وإنما نقلها إلى مرحلة أكثر تعقيدًا

إيبولا
علوم

طقوس غريبة أثناء الدفن.. "أخطاء قاتلة" تفجر كارثة إيبولا في الكونغو

كشفت التحقيقات عن سلسلة من الأخطاء ساهمت في تفاقم الكارثة، إليكم أبرزها

فلسطين
قول

"وهم نهاية التاريخ".. كيف جعلت الليبرالية الغربية الجحيم حكرًا على الشرق الأوسط؟

تتراكم القوة عن طريق تركيز الثروة والسلطة في يد فئة قليلة، ومن خلال تجريد الفئات الضعيفة والمهمشة مثل الشرق الأوسط من الأصول والموارد، وذلك عبر تقسيم النظام العالمي نفسه إلى عدة أشياء

ضد التحرش
مجتمع

هل يصبح الإقصاء الفني عقوبة موازية للقضاء؟

تنشط في السنوات الأخيرة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، حركة تُعد الامتداد المحلي لحملة "أنا أيضًا" (Me Too) العالمية

مانيدو
أدب

مانيدو: سردية الحب والجليد بين الذاكرة والأسطورة

"مانيدو، قصة حب جليدية"، سيرة إنسانية تحمل في ثناياها أثرًا يشبه تلك الأرواح المتعالية عن الخلق وعن الأم الأولى، كسلسلة جامعة لكل شعوب الأرض