النظام السوريّ يحوّل

النظام السوريّ يحوّل "أبو عصام" إلى فيمينيست

من المسلسل

كانت الأجزاء السابقة من مسلسل "باب الحارة" محل شكاوى كثيرة، من المتخصصين بالدراما أو التاريخ الذي كان آخر مرجعيات أصحاب العمل، أو من مناصري حقوق المرأة التي ظهرت بما يتناقض مع معظم الروايات التاريخية، لكن بما يتوافق مع صورة البطل الشاميّ على ما يبدو، الذي كرست أعمال درامية كثيرة مواضيعها لتصويره. ولعل النسخة الأمريكية من صورة البطل الشامي الخارق، التي تقاطعت مع صفات الرجولة المحببة على أغلب الظن، كانت ضرورة ملحة لكل مسلسل يقدم تاريخًا لحارات سوريا القديمة. وكان تقديم البطل "القبضاي" لا يجوز من دون تقديم المرأة الخاضعة الثرثارة التي تنشغل بحوارات ومشاكل سخيفة، يترفع عنها الرجال المشغولون بهموم العالم كله، من حماية الحارة إلى حياكة ثقب الأوزون.

شخصية سمعو، تلميذ شيخ المسجد في "باب الحارة"، نسخة عن صورة داعش اليوم في إعلام النظام

كانت ذكورية المسلسل ظاهرة من أول حلقة في الجزء الأول، واكتسب البطل صفات بطولته من ترفعه عن قضايا النساء ومشاغلهن، ومن قدرته على فرض سلطته عليهن. وحتى لا نظلم المسلسل أو القائمين عليه، فإن هذه الصورة كانت ولا تزال صورة رائجة ومتكررة في أعمال كثيرة، فظهرت في أوائل أعمال ما يطلق عليه المهتمون بالدراما السورية، أعمال البيئة الشامية، فكان البطل الذي قاد ثورة التحرر من الإمبراطورية العثمانية الدينية، نصار ابن عريبي في مسلسل الخوالي (2000) أول شخصية تُلبّس هذا الثوب، إذ يطلب البطل الثائر من خطيبته وهو على منصة الإعدام، أن تغطي وجهها بالنقاب، الذي كانت رفعته مزغردة للشهيد. ويظهر المعنى نفسه في مشاهد متكررة، ما جعل أسئلة كثيرة عالقة في بالنا، عن مسؤولية الدراما السورية إزاء قيم الحرية والمساواة، وإمكانية تحرر الإنتاج من عائدات الوجبات السريعة التي يقدمها للجمهور. 

اقرأ/ي أيضًا: 4 من أهم المسلسلات السورية في الموسم الماضي

على أية حال، ولأننا لا نريد تقديم موعظة نسوية، ولا نسعى إلى محاكمة المسلسل الحائز على أكثر نسب مشاهدة طوال السنين السابقة، من منطق أخلاقي يسير إلى هذا الاتجاه، فللعمل مواضع كثيرة يمكن أن يحاكم من خلالها فنيًا وأخلاقيًا وسياسيًا. لكننا أردنا من البدء طرح سؤال كان مغزاه واضحًا، ما سر هذا التغير الحاد في جزء المسلسل الذي يعرض على الشاشات في هذا الموسم؟ 

تبدو غاية العمل مكشوفة من الحلقة الأولى، وهذا ليس توقعًا، بقدر ما هو ملاحظة لمجموعة آراء كتبت أو قيلت عن التطور المفاجئ في قصة العمل، فانشغل القائمون عليه بعرض التطرف الديني انشغالًا طريفًا ودالًا، فتحولت شخصية سمعو تلميذ شيخ المسجد إلى نسخة عن صورة داعش اليوم في إعلام النظام، وكانت معظم محاورات الحلقات القصيرة من العمل، استجابة لهذا التطور، وعرضًا لردود فعل أبطال الحارة الذين تحولوا فجأة إلى "موديرن".

اقرأ/ي أيضًا: أهم أعمال الدراما والهزل التونسية في رمضان 2016

تحول أبطال مسلسل "باب الحارة" إلى منظرين لفقه الإسلام الوسطيّ والنسوية!

هكذا اضطر القائمون على المسلسل الذي لبس ثوب النظام وتبنى روايته بمباشرة عالية، إلى تصوير رجال الحارة الشرفاء كمجموعات على تناقض كامل مع التطرف الديني، حتى تحول أبو عصام زعيم الحارة إلى "فيمينيست" أي مناصر لحقوق المرأة، فيحث ابنه عصام على أخذ زوجاته الثلاث إلى السينما! في مشهد يتحدث عن نفسه، يجمع بين البطل الرجعي والثوري والمتنور والمنغلق في نفس الوقت، بتناقضات ليست غريبة على مناصري "الدكتاتور اللطيف والمقاوم". 

بنفس الطريقة يتحول أبطال الحارة إلى منظرين لفقه الإسلام الوسطيّ، وتكتسب صفة البطولة في مسلسل باب الحارة صفة جديدة، فيصير شرطًا على البطل أن يكون متحررًا من عقد التطرف، وملتزمًا بتعليمات الإسلام الوسطي، الذي صممه فقهاء بشار الأسد على ما يبدو، فقهاؤه الفيمينيست أيضًا!

اقرأ/ي أيضًا:

"القنّاص الأمريكي".. قنّاص الخدع

يوسف الإمام.. جمهور المراهقين المصريين هم هدفي