"النضيدة " قصيدة الأم

مشغولات في سوق شعبي

لست خريج لغة عربية ولا أجنبية حتى، لست ممن يتقنون التغزل بعينيّ أنثى أو بخصرِ شجرة جاثمة منذُ الأزلِ وسط الحوش. لا أملكُ بيتًا من زجاجٍ ليرمى بالحجارة، ولم أتجرأ يوماً على خيانة البرّية. كل ما في الأمر أنني أحاول تحريك أصابعي بين الفينة والأخرى كيلا يأكلها الصدأ.

أتابع الشعر من خلف ساترٍ ترابي خوفًا من المجاز المفخخ دائمًا، أو ربما لأنني ضعيفٌ أمام أنثى تتسلح بقصيدة، فسأبقى هنا أتجرعُ خوفي كما وصفتهُ لي منذ أول حرف، سأراقب الغيوم كعادتي فلم يكن للبدوي فرحٌ أكثر من غيمة هاطلة تبشر بزرع وفير، سأبقى على العهد أعد "الحلال" قبل كل نوم، وأحلم بها تزداد رغم الحرب، أجز صوفها كلما اشتعل الصيف وأحشوه في وسادة أمي لعل "النضيدة" تكبر وتملأ علينا فراغ الأمنيات.

يقولون: "النضيدة" قصيدة الأم تتباهى بها أمام الشعراء. أقول: هي روح الأم تقدمها للغرباء كلما طرقوا الأبواب.

هنا في البعد الكبير رسمت حلمًا، لن أكون شاعرًا عند عودتي، سأوفر على نفسي الكثير من الحزن، والكثير الكثير من الوهم. ربما سأفتتح صالة للأعراس، أزوج فيها اليمام كـتضامن مع حقوق الطيور في التعبير عن حبها، أو ربما سأزرع حقل ألغام حول المقابر لكي لا يزورنا الأموات، وأبقى هناك أنتظر عمتي أم عبود لأدلها على طريق بيتهم الجديد.

من يعرف؟

قد أصير جنديًا مهزومًا، أو صياد سمك، أو حتى عجوزًا بلا عمل لا يبالي لصراخه أحد. سأكون أي شيء إلا شاعرًا.

يقولون إن جدي الكبير كان عازف مزمار ويلقي القصيد في الأفراح، ومن حينها حملنا اسمه كلعنة. يقولون "بيت الشاعر" في الطرف الشمالي من المدينة، ولا يزالون بيتًا للشاعر رغم الحرب والحداثة. أقول: فرّقت أبياتنا الحرب وضاع الوزن والقافية.

هنا في البعد الكبير وبعد حرب وهجرتين لم نعد نربي "الحلال"، و"النضيدة" صارت إسفنجة ووسادة ولحافين وهي كافية لتضم أجسادنا الهزيلة، هنا أصبحنا نربي الأحلام نعدها قبل النوم ونصحو على هروبها.

هنا في البعد الكبير ومن هذه الغرفة الباردة كتبتُ حلمي وأرسلته لرائد وحش، وأعلم بأنه سيلصق لعنة جدي في وجهي مرةً أخرى، ويكتب: الشاعر حسين الضاهر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حكاية بُزق عتيق

التهمتَ الحقيقة حتى أخمص قدميها