النساء ومساحات التعبير.. الكتابة كمنطقة اضطهاد

النساء ومساحات التعبير.. الكتابة كمنطقة اضطهاد

لوحة لـ سامية حلبي/ فلسطين

هناك واحدة من حَلقات المسلسل السوري "شبابيك"، والذي هو عبارة عن سلسلة حلقات منفصلة، تَرِد تحت عنوان "الكاتبة"، وتتحدّث عن قصة كاتبة روايات وسيناريوهات تلفزيونية بكماء تعيش في ظلّ زوجها، فتكتب نصوص السيناريوهات التلفزيونية باسمه ليكون هو صاحبها والموقّع عليها، ليتبيّن بعدها في باقي تفاصيل الحلقة أنّ الزوج هو السبب الرئيسي في استمرارية حالة البكم لهذه المرأة الكاتبة، حيثُ إنّه قام باستغلال حادثة تعرضها لفقدان نطق مؤقت، وتلاعب بالتقارير الطبية الخاصة بحالتها وزوّرها وعرضها عليها مبينًا لها أنّ حالة فقدان النطق التي أصابتها هي حالة مزمنة يستحيل الشفاء منها، وإنّ كلّ ما فعله ذلك الزوج كان من أجل إقناع زوجته الكاتبة بأنّ عيشها في ظلّه عبر كتابتها نصوص له وباسمه هو من أجلها قبل كلّ شيء، فهو بذلك يقوم بتجنيبها الإحراج ويتحمّل أعباء الشهرة والظهور الإعلامي ويضمن لها تقديم أعمالها المختلفة بصوته هو وبشكل لائق.

أبرز شكل لاضطهاد المرأة الكاتبة هو حِرمانها من حقّها في تملّك ما تكتب عبر إضفاء اسمها الصريح والمباشر على منتجَها

في كلّ مرة أستذكر فيها تفاصيل تلك الحلقة، تَرِد إلى ذهني فورًا عبارة قرأتها لفرجينيا وولف في كتابها "غرفة تخصّ المرء وحده" وتقول فيها: "إنّ لكلٍّ منا منطقة اضطهاد ينطلق منها"؛ أفكّر كلّما قرأت هذه العبارة في الكتابة وأحوالها بالنسبة للمرأة، وكيفَ من شأنها أن تكون هي أيضًا منطقة تُضطَهد فيها المرأة وتُحرَم من حقوقها فيها.

اقرأ/ي أيضًا: كارمن ماريا ماتشادو: يزعجني كتّاب يتهيبون الحديث عن اللذة

وبالحديث عن أشكال اضطهاد المرأة في هذه المنطقة بالذات، أي الكتابة؛ يُمكن القول بأنّ أبرز شكل من أشكال الاضطهاد التي طالما تعرضت وما زالت تتعرّض له المرأة الكاتبة سواء في الشرق أو في الغرب منذ عقود زمنية طويلة هو حِرمانها من حقّها في تملّك ما تكتب عبر إضفاء اسمها الصريح والمباشر على منتجَها الكتابي والأدبي باختلاف أشكاله.

وإنّ النساء الكاتبات في أوروبا قد عانينَ من شكل الاضطهاد هذا لعقود عديدة امتدت ما بين القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر، وذلك قبل تطوّر حركة المطالبة بالحقوق النسوية في أوروبا، وتُورد فرجينيا وولف في كتابها السابق بأنّ غياب توقيع المرأة على أعمالها في تلك القرون إنّما كان يأتي كجزء لا يتجزّأ من تقليد العفة الذي يتلخّص مبدؤه في أنّ "مجد المرأة الأساسي هو أن لا يتحدّث عنها الآخرون"، حيثُ تقول فرجينيا ضمن هذا الإطار: "إن غياب توقيع النساء على أعمالهنّ إنما هو بالتأكيد ملاذ، كانت تتخذه تلك المرأة، وعدم إمضاء العمل هو أثر باقٍ من تقليد العفة الذي اختص النساء بعدم الذكر والمجهولية، وهو الأمر الذي استمرّ في القرن التاسع عشر حتى قرب نهايته. ولنا أمثلة في أسماء كارر بل، وجورج إليوت وجورج ساند، اللواتي كنّ ضحايا للصراع الداخلي كما تُثبت كتاباتهنّ وقد سعين دون فائدة إلى حجب أنفسهنّ عن طريق استخدام أسماء الرجال".

أما النساء الكاتبات في الشرق والعالم العربي –تحديدًا- فإنّهنّ عانينَ وما زلنَ يُعانينَ من هذا الشكل الاضطهادي حتى يومنا هذا، حيثُ تضطر العديد من النساء والفتيات إلى النشر تحت أسماء مستعارة –سواء رجالية أو نسائية- مراعاةً لطبيعة البيئة الأسرية والمجتمعية المتزمتة اللائي نشأنَ فيها.

وإنّ المنتمين لهذه البيئة بالذات هم الذين يتعاملون مع كلّ ما تكتبه المرأة بمنطق المتلصّصين، حيثُ أنّهم يعدون عليها حركاتها وسكناتها عبر النصوص ومن خلالها، إنّهم أولئك الذين يرقبون المرأة بعينٍ ملؤها الشكّ والريبة، ويبقون مهيئين للإيقاع بها وهي متلبّسة في رواية أو قصة أو نصّ نثري وغيرها من الأشكال الكتابية والأدبية.

في العالم العربي يتم التعامل مع كلّ ما تكتبه المرأة بمنطق التلصّص، حيثُ إنّهم يعدون عليها حركاتها وسكناتها عبر النصوص ومن خلالها

وهم أولئك الذي تحدّث عنهم عزت القمحاوي في كتابه "كتاب الغواية"، ووصفهم بأنّهم يشحذون ملكات التلصّص خصوصًا تجاه المبدعة الأنثى، حتى يُصبح من الصعب إقناعهم بوجود مسافة بين الكاتبة وبين روايتها أو بين الشاعرة وقصيدتها، فهم في بحثهم المحموم في استقراء ما يعتبرونه طريقة هذه الكاتبة أو الشاعرة في التقبيل أو الضمّ، لا يُمكن إقناعهم بجمال في الصورة أو في اللغة.

اقرأ/ي أيضًا: دفاعًا عن الكاتبات المتزوجات والعاملات

أخيرًا، فإنّ هناك نصًّا جميلًا وصادقًا كتبه أحد الشعراء الفلسطينيون وحمل عنوان: "في بيتنا كاتبة"، وقد جاء الشاعر في نصّه ليتحدّث عن هواجسه اتجاه نوازع الكتابة التي بدت تظهر عند إحدى النساء القريبات إليه من عائلته (أخته)، حيثُ كتب يقول: "أختي في غرفتها، على بعد أربعة أمتار من غرفتي، تكتب. أنا مرعوب من الفكرة صراحة، مرعوب من أنها تكتب وتترك اعترافاتها على الورق. خائفٌ وأغار، هكذا أبرّر الأمر لنفسي أنني أخاف دخولها إلى عالم الكتابة، ومرعوب من الرجال المتربصين الذين يبحثون عن فضائح في ما تكتبه النساء، ولن يصدقني أحد حين أقول ذلك، حتى أنا لن أصدق نفسي. هي أيضًا لن تصدقني حين أقول لها إنها لا تحتاج إلى ممارسة الكتابة". وإنّني في كلّ مرة أقرأ فيها هذا النصّ الصادق لذلك الشاعر أستحضر صورة ذلك الرجل الذي قرأ مرّة إحدى نصوصي فعلّق عليها قائلًا: "أشمّ في نصّك رائحة امرأة دنجوانة"، أستحضر فيها صورته وكلماته وأتساءل عن الروائح الأخرى التي يشمّها الآخرون في ممارستي المشروعة لحقّي في الكتابة والتعبير، تلكَ الممارسة التي تتلخّص قيمتها عندي وعند الكثيرات غيري في عبارة تقول: أنا أعبّر عن نفسي إذن أنا موجودة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مسلسل "مناورة الملكة"... النسوية في سياقها المعتدل

نظرة في تاريخ الطبيعة الذكورية للمجتمع الإنساني