"النخبة" تصدع المفهوم واحتضار المكانة

دائرة من بيادق الشطرنج على شكل ملك

مثله مثل المصطلحات الأخرى التي افترقتْ عن مصاديقها، لا يزال مفهوم النخبة يتعرض إلى الكثير من الحمولات التي انتهكت خصوصيتهُ وكسرت ظهر معناه، بعد أن أصبح متداولًا بكثرة في العقود الأخيرة فصار يطلق على المحلل السياسي واللاعب الرياضي، وعلى مستشاري رئيس الوزراء، بل وحتى على الطلبة الجامعيين.. إلخ.

بقدر ما يتميز إنسان النخبة بإدراكه لوحدانيته تتميز علاقته مع المجموعات الاجتماعية بالدقة، لأن هذه العلاقة تطرح قضية الفرد مقابل المجتمع

يؤكد علماء التفاعلية الرمزية أن "عملية خلق المفاهيم، وإضفاء المعنى عليها، والقدرة على تأويلها، هي عملية يستمر من خلالها المجتمع بالتفاعل والتواصل".

اقرأ/ي أيضًا: الثقافة المعقّمة والتطهّريّة

ولأجل توضيح هذا المفهوم لا بد من العودة إلى الماضي قليلًا، لمعرفة من هو رجل النخبة، ما هي صفاته وخصوصيته، والسؤال الأهم كيف أصبح رجل نخبة؟

هناك من يعتقد أن مصطلح النخبة يقوم على فكرة التفوق، الأمر الذي يجعله لا يتفق مع فكرة المساواة وهذا ما يجعل النخبة مختلفة عن الجمهور الذي يحكمه ميله الواضح للمساواة.

وفي اعتقاد المفكر الإيطالي فيلفريدو باريتو إلى إن النخبة: تقوم على عدم التكافؤ في القدرات الفردية، في كل مجالات الحياة الاجتماعية، ويؤكد باريتو إن الحاح نظريات النخبة على عدم تكافؤ المعطيات والمواهب الفردية، يعارض خطًا بارزًا من خطوط الفكر السياسي، يميل إلى القول ضمنًا بتساوي الأفراد، ووفقًا لنظريات النخبة إنه أمر نوعية وليس أعداد.

وهناك مجموعة من الصفات التي يتمتع بها ما يعرف بإنسان النخبة ومنها: إنَّ إنسان النخبة يتميز بتفوقه الشخصي والمكتسب لأن هنالك شيئًا واحدًا هو فردية التفوق الذهني والأخلاقي، فلا يوجد إلا فرد نخبة، وبقدر ما يتميز إنسان النخبة بإدراكه لوحدانيته تتميز علاقته مع المجموعات الاجتماعية بالدقة، لأن هذه العلاقة تطرح قضية الفرد مقابل المجتمع، وهي قضية يسهل حلها بالقياس الى صعوبة حل قضية الفرد مقابل الدولة.

فردية إنسان النخبة تتجلى عبر الطريقة التي يتكون بموجبها، إذ لا يتم خلقه وإنما يخلق نفسه بنفسه، ولا يمكن أن يكون مؤسسًا بموجب تفويض

الميزة الأخرى التي تميز رجل النخبة بحسب نظريات النخبة، وأرى ان هذه الميزة مهمة جدًا وتوفر لنا معيارًا واضحًا للتميز بين رجل النخبة وبين غيره، وهي أنَّ فردية إنسان النخبة تتجلى عبر الطريقة التي يتكون بموجبها، إذ لا يتم خلقه وإنما يخلق نفسه بنفسه، ولا يمكن أن يكون مؤسسًا بموجب تفويض؛ لأن الشخص الذي يختاره لكونه الأعلى من الناحية التدريجية ليس بالضرورة مؤهلًا لاختيار الأفضل من بين اتباعه، ولا يمكن أن يكون رجل النخبة منتخبًا؛ لأن قانون الأكثرية والذي هو بالدرجة الأساس قانون ذو طبيعة كمية وليس نوعية.

اقرأ/ي أيضًا: دور "النخبة الجاهزة" في المغرب

يقول جون ستيورات ميل: إن إنسان النخبة يبدأ بالانعزال بخصائصه النوعية، لينفصل عن الجمهور، وهذا الانعزال بالخصائص النوعية هو الشرط الضروري لكل عمق في الفكر والخصوصية.

ويقول سورين كيركجار: "إن إنسان النخبة هو الشخص غير الامتثالي الذي يبقى في مواجهة نفسه في مسيرة القلق، وبالتالي فهو يتحمل المسؤولية بنفسه. وهكذا يفرض رجل النخبة نفسه على المجتمع عن طريق قيمته الفردية الخاصة.

النخبة عربيًا

في عالمنا العربي وبسبب الأوضاع السياسية المتأزمة والصراعات التي لا تهدئ نارها، خصوصًا بعد ثورات الربيع العربي، عمدت السلطات الحاكمة إلى صناعة رجال النخبة وتصديرهم للشعب، بعد أن رسمت لهم صورة كأنهم وسطاء بينها وبين الجماهير،  لكن في الواقع وعند وصول الأزمات إلى أوجها والتي تجعل السلطة السياسية على دكة السقوط يفصح رجال النخبة عن دورهم الحقيقي، وهو "مكيجة" شخصية الحاكم ومد رسائل طويلة تبرر له طغيانه وفساده الامر الذي يكشف تناقضاتهم الفجة، فمثلًا في عالمنا أحد ما يسمى برجل النخبة الشاعر والناقد الكبير يصرح على أنَّ بشار الأسد منتخب ديمقراطيًا، وأنَّ ممارسته للدكتاتورية وتشريد وترويع نصف الشعب وإحالته مدنًا بأسرها إلى حطام  أمر مشروع، وأنَّ هذا النخبوي لا يؤمن بثورة تخرج من المسجد، كما أريد لها أن تصور عن طريق أدوات النظام ذاتها.

ويصرح رجل نخبة آخر على الوضع في العراق: "إن احتياجات تشرين مدعومة أمريكيًا، وهذا سبب قيامها"، متغافلًا عن البطالة وحالة الفساد التي أنهكت كاهل المواطن العراقي، والغياب التام للسيادة وتهميش الهوية الوطنية، والأمثلة تطول.. والتي تبين التماهي التام بين ما بين ما يعرف إنهم رجال نخبة وبين الطبقة السلطوية.

عمدت السلطات الحاكمة إلى صناعة رجال النخبة وتصديرهم للشعب، بعد أن رسمت لهم صورة كأنهم وسطاء بينها وبين الجماهير

إذ يمكن إن يكون رجل النخبة صناعة "ماكنة" سلطوية تتكئ عليه في أوقات الازمات كضد نوعي أو كمستشار ظل يعمل على تحريك مسار الأحداث، بما يخدم السلطة. أو إنه بالفعل رجل نخبة لكن يتم شراؤه لأداء الوظيفة ذاتها، لكنه في الوقت نفسه قد يمكنه من خلال الموقع الذي وضعته السلطة فيه أن يمرر رسائله الخاصة، بقدر ما يتاح له من أرضية تمكنه من لعب دور براغماتي.

اقرأ/ي أيضًا: معضلات النُخب.. مداخل للتحليل

وأخيرًا قد يوجد رجل النخبة والذي صنع نفسه بنفسه لكنه يكاد صوته مشروخًا، فهو بإدراكه لوحدانية ودوره الخطير المناط به تضعه السلطة تحت ضربات ادواتها السياسية والإعلامية إلى أن تلغي دوره بشكل كبير حتى يكاد لا يترك اثرًا يمثل الموقع الذي هو فيه.

ورجال النخبة الذين صنعت أو اشترهم السلطة وإن كشفت أوراقهم فإنهم سرعان ما يعودون إلى سيرتهم الأولى إذ يؤكد عالم الاجتماع روبرت ميشلز: "إن النخبة لا تسقط إلى الحضيض حينما تتدهور أحوالها، وإنما يتوقف سقوطها عند نقطة معينة تضطر عندها الى التواري عن الأنظار لبعض الوقت، لحين تحسن تلك الأحوال لتعود مجددًا الى احتلال مركزها السابق".

إن استمرار سلوك السلطات بصناعة رجال نخبة وهميين أو أن يتم شرائهم بالمال السياسي أو أنهم يفضلون العمل تحت مظلة السلطة، يؤدي الى تحطيم أدوات الرقابة على السلطة لتفعل ما تشاء بعد أن استطاعت إلغاء التعارض التام الذي لا يمكن تحاشيه بين المواطن والسلطة بما يضمن لها استمرار الحفاظ على نفسها وتوسيع أسسها وإن طغت وفسدت فبحسب الفيلسوف الفرنسي أميل شارتيه "إن السلطة تفسد بالضرورة كل من يمارسها لأنها تميل الى الطغيان كما تميل الكواكب نحو الشمس... وتصبح عاقلة عندما تدرك إنها في موضع مراقبة"، لذلك لن يكون الدكتاتور الأكثر خطورة هو الذي يستخدم القوة بشكل مفرط ويملأ السجون ويتفنن بتعذيب كل صاحب صوت يغرد خارج حظيرة السلطة، وإنما الطاغية الذي يبرر سلطته عن طريق الحواشي النخبوية والوجوه الاجتماعية المعروفة، وهنا يصبح الاستبداد لقمة دسمة حلوة المذاق يتناولها الناس عن طريق هؤلاء الوسطاء الذين ينظر اليهم كخطٍ فاصل بين الناس والسلطة يسميهم شارتيه " تجار النُعاس"!

مظاهر افول التيار النخبوي

في ظل التطور الهائل في وسائل التواصل التي تجعلنا نأخذ جولة حول العالم، ونحن جالسون في بيوتنا وفي ظل سرعة الحصول على المعلومة وفتح العيون على أفعال السلطة التي جعلت المواطن على تماس تام معها، يجعله في غنى عن طبقة وسيطة توجهه أو تكشف له أسرارها وإخفاقها أو طغيانها.

لن يكون الدكتاتور الأكثر خطورة من يستخدم القوة المفرطة ويملأ السجون، إنما من يبرر سلطته عن طريق الحواشي النخبوية والوجوه الاجتماعية المعروفة

اقرأ/ي أيضًا: معركة الثّقافة.. في ممارساتِ السلطة ونخبها

يكاد يكون دور طبقة النخبة ضعيفًا بل أصبح منقادًا مع حركة الجماهير، بعد أن فقدت  الأخيرة ثقتها بهم إذ تضعهم في كل مرة في  فم السلطة المفترس على طبق من ذهب، وتذهب تضحيات الجماهير المقهورة سدى، الأمر الذي جعل ما يعرف برجال النخبة على الهامش، بل إنَّ بعضهم حاول أن يصنع توليفة توازن بين دوره كرجل نخبة يعمل للسلطة ويكتفي بدور المتفرج من أعلى الجبل وبين محاولة الحفاظ على كسب ثقة الجماهير،  تحت شعار "إذا أردت إلا تفتضح فكن في لون الجماعة"، لكن حتى هذه لم تعد تجدي نفعًا فكل أوراقهم احترقت، فلم يعد لهم صوت يسمع أو رأي يطبق. الأمر الذي ألقى بظلاله حتى على رجال النخبة الحقيقين وهنا تكمن المأساة، بعد بروز جيل ذي عقلية ناقدة لا تنطلي عليه ألاعيب السلطة، وأصبحت له عقدة مما يعرف بالطبقة النخبوية فهو يتعقد أنه في غنى عنها، ويستطيع أن يكشف أدوات السلطة وفسادها عن طريق المراقبة المستمرة، والفعالة التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة التي جعلته وجهًا لوجه مع السلطة، وتسليمه بضرورة السلطة، لا بعبادتها والاستسلام لطغيانها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الشعبويّ رئيسًا.. ممارسة السياسة بالمقلوب

واقعية البيت الأبيض السياسية.. احتكار التفكير صنعة "نخبوية"!