النبطية تغرق بنفايات

النبطية تغرق بنفايات "أمل" وحزب الله

استحدثت البلدية معمل فرز خاص بلغت تكلفته 270 ألف دولار (Getty)

كأخواتها من المدن اللبنانية، شاءت سياسات الدّولة الفاشلة أن تُغرق النّبطية بالنّفايات. تغزو النّفايات شوارع النّبطية منذ شهرٍ وأكثر، بعد إقفال مكبّ الكفور غير الشرعي، وتعطيل تشغيل معمل الفرز، لا بسبب افتقاره للمعدات أو المنشآت، بل لاختلاف الأطراف المسيطرة على القرار في النّبطية على أحقيّة التّشغيل ووضع اليدّ على منجم النّفايات الذّهبي.

كأن النّبطية لا يكفيها الظّلم الذي يمارس عليها

يجلس معمل الفرز في وادي الكفور غير بعيدٍ عن تلال النّفايات المرمية، منتظرًا تشغيله الذي تأخر لأشهر. المعمل الذي بلغت تكلفته 899000 يورو، تولّى تمويله وتجهيزه الاتحاد الأوروبي، ممنوعٌ من الاستثمار بسبب خلافٍ نشب بين حركة أمل من جهة، وحزب الله من جهة أخرى، شرارة الخلاف كانت إلغاء مناقصة التّلزيم، وهنا بدأت الحكاية، أو عملية إغراق المدينة بالنّفايات وتعطيلها. والأزمة رغم أنها لبنانية عمومًا، إلا أنها خضعت لحسابات الزواريب في المناطق، ما يعني تدخل الأحزاب السياسية التقليدية في كل صغيرةٍ وكبيرة فيها.

موّل الاتحاد الأوروبي معمل الفرز، كمعملٍ خاص بالنّبطية ومحيطها على أن يُبنى على عقارٍ تابعٍ للنبطية، لكن بلدية النّبطية، وبهدف تسهيل العمل منحت حقوق التّصرف بالمعمل لاتحاد بلديات الشّقيف، الذي قرّر بدوره بناء المعمل في وادي الكفور لقربه من المكبّ الأساسي، بُني المعمل وشُيّد المبنى. فُتحت مناقصة بإشراف اتحاد بلديات الشّقيف، وتقدّم للمناقصة أربع شركاتٍ منها "معمار" المحسوبة على حزب الله، و"يامن" المحسوبة على حركة أمل. وعندما يقال في لبنان "محسوبة"، يعني أنها مقرّبة من الحزب أو الحركة فعلًا، أن لم تكن مملوكة في قطاع منها.

عرض "معمار" بحسب مصدر مطلع بلغ 17 دولارًا للكيلو، بينما عرض "يامن" بلغ 70 دولاراً للكيلو. فازت "معمار" بطبيعة الحال بالتّلزيم، الأمر الذي لم يُعجب "يامن" ومن يدعمها، فتمّ الإيعاز لرئيس اتحاد بلديات الشّقيف، محمّد جميل جابر، بضرورة استخدام حقّ النقض/ الفيتو الممنوح له من قبل وزارة التّنمية الإدارية والذي يتيح له تعطيل أي عقد، فكان ذلك، ألغيت المناقصة وحُرمت "معمار" من حقوق الاستثمار، بينما غاب رئيس الاتحاد، وسافر في رحلة استجمامٍ للخارج. وخسر الناس العرض الجيد، المقدّم من "يامن".

لم يرق الأمر لحزب الله، فأوعز لبلدية الكفور المحسوبة عليه بإقفال المكبّ، بدلًا من اللجوء إلى القانون. وكان ذلك فعلًا، إذ أغلق الأهالي المكبّ بالتّعاون مع البلدية، ومُنعت الشّاحنات من العبور، مما تسبب بأزمة نفايات خانقة في النّبطية، ووجدت البلدية نفسها مضطرة لرمي النّفايات في العقارات التّابعة لها بعد فشل رئيسها الدّكتور أحمد كحيل بإقناع بلديات القرى المجاورة باستقبال جزء من نفايات المدينة، لينتج عن إقفال مكبّ الكفور، 28 مكبًّا، جديدًا عشوائيًا، يُحرق بعضها ليلًا مما يفاقم الوضع.

"كأن تقنين الكهرباء، وانقطاع المياه لا يكفوننا! مدخل منزلي مُغلق بسلطة النّفايات، الموت يدركنا تسممًا بسبب الرّائحة!" هذا ما قاله المواطن حسن جابر، ليكمل حسين، مالك محل خُضرٍ في المدينة، "لا مكان أرمي فيها الخضار الفاسد، الرّائحة وحدها كافية لتعكس حجم المأساة، حتى حركة البيع تأثّرت". بحسب مصادر، تفاقم الخلاف بين طرفي الحكم في النّبطية حتّى وصل لقيادتي أمل وحزب الله، فكان القرار من حزب الله هو انسحاب "معمار" لصالح "يامن" تفاديًا، لخلاف أكبر قد ينشب، وتجنّبًا لشقّ الصّف بحسب مصدرٍ مطلع، لكن "يامن" لم تبادر لتشغيل المعمل حتّى اليوم، مما وضع بلدية النّبطية أمام مشكلةٍ جدّية يصعب معالجتها.

وفيما يبدو انسحاب حزب الله تقليديًا في حالات مشابهة قد يحدث فيها صدام مع حركة أمل، تغرق المدينة بالنّفايات، ويجهد بعض شبابها، لا سيما أعضاء الأندية والجمعيات، ومنهم المرشحة للانتخابات البرلمانية التي لم تُجرَ بسبب التّمديد، نعمت بدر الدّين، لخلق رأي عام واعٍ لحقوقه، تمهيداً للمطالبة عبر الاحتجاج الشّعبي بإيجاد حلّ.

نظّم الشّباب اعتصامًا كخطوةٍ أولى، لكنه لم يلقَ الإقبال من النّبطانيين لأسبابٍ عدّة، أبرزها توقيته، أي نهار الثّلاثاء السّاعة 11 ظهرًا. يؤكّد النّاشطون أن قرار الاعتصام وتوقيته كان متخذًا ولم يتبدل بالرّغم من اعتراضهم عليه، تجمع الأندية والجمعيات الذي يضمّ 35 نادٍ وجمعية، عجز عن حشد 200 شخص، لا بل فرض على النّاشطين توقيتًا ميتًا، بهدف تمرير الأزمة دون احتجاج، ولمصلحة المسيطرين على معظم الجمعيات والنوادي، أي الأحزاب، بالمعنى الفعلي، فشل الاعتصام الأول بدرجة عالية، لكنه نجح نوعًا ما في كسب قابلية للحياة تعود لسببين، الأول استمرار الأزمة وعدم معالجتها مما يزيد من نقمة الشّارع، والثّاني هو إصرار النّاشطين على إكمال مسيرة الاحتجاج بالرّغم من العراقيل، وتقول لانا، وهي ناشطة من النبطية، "من المعيب أن ندفع نحن من صحتنا ثمن خلافات الكبار، شبعنا حرمانًا وسكوتًا عن حقوقنا، لن نهدأ قبل أن نستعيد حقّنا ولو بهواءٍ نظيف غير ملوثٍ فقط، بعداً عن أياد الفاسدين وطموحاتهم".

كأن النّبطية لا يكفيها الظّلم الذي يمارس عليها، فالمدينة الجنوبية التي قهرت جيش الاحتلال الإسرائيلي في الـ1982 بانتفاضتها الشّهيرة، تحاول اليوم أن تنتفض في وجه محتلٍ جديد، النّفايات. وتسعى جاهدة بأبنائها أن تنظّف نفسها، هذا ما دفع البلدية والجمعيات لإيجاد حلولٍ منها استحداث معمل فرزٍ خاصٍ بالنّبطية، تبلغ تكلفته 270 ألف دولار، لكن... بانتظار المسؤولين وقراراتهم!