"النازية الجديدة" الأمريكية.. إعجاب بداعش وعداء للنساء وولع بالعنف

يستلهم بعض شباب الحركات النازية الجديدة تنظيم داعش (Getty)

ليست مجموعات الشباب البيض المتطرفين، المعجبة بالنازية، مجموعات متجانسية وذات ميول نحو أفكار واضحة. حيث إن هناك مزج هجين وغريب من الأفكار، بين النازية والاشتراكية والمسيانية، والإعجاب بالحركات الإسلامية المتطرفة الإرهابية. يطل هذا التقرير المترجم عن صحيفة ديرشبيغل الألمانية، على التعقيدات التي تتحكم بعمل هذه المجموعات.


إنه كعالَم آخر. يبعد المجمّع السكني المُسيّج الواقع في قلب مدينة دِنفر، مسافةً قصيرة سيرًا على الأقدام من المتاجر والمطاعم الراقية، ولكن لا توجد أي علامة على الرفاهية هنا. إذ يُخيِّم المشردون بالجوار بينما يتعاطى المدمنون المخدرات في مرآب السيارات.

اكتشف المتطرفون جيمس ماسون وكانوا متحمسين لأفكاره المجنونة المتطرفة. ثم صار "الحصار" من الكتب التي ينبغي قراءتها، وصار ماسون زعيمهم الأيديولوجي

يتوقف الناس للتواصل مع بعضهم البعض أمام مدخل المبنى على الرغم من حرارة منتصف اليوم. يسير رجل أسود بمُحاذاة الجدار محاولًا جذب انتباه شخص ما، بينما يحمل رجُلان أصغر سنًا أثاثًا إلى مبنى مجاور. إنه حيٌ مؤنِس، ويبدو وكأن الجميع هناك يعرفون بعضهم البعض. الجميع، باستثناء  ذلك الرجل العجوز ذي الشعر الرمادي الذي يتقدم نحو الباب حاملًا حقيبة تسوق مليئة بالخضروات في حوالي الساعة 4 عصرًا. لا يُلقي حتى نظرة إلى جيرانه قبل أن يتوارى داخل المُجمّع دون أن يحيي أيًا منهم.

ولكنك بمجرد أن ترى الصور الموجودة في شقته، يتضح فورًا لِمَ يسعى هذا العجوز البالغ من العمر 66 عامًا إلى الحد من اتصاله بالعالم الخارجي. ويزداد الأمر وضوحًا عندما تنظر إلى ماضيه.

كان جيمس نولان ماسون متطرفًا حتى في مراهقته. انضم إلى الحزب النازي الأمريكي، الذي أسسه جورج لينكولن روكويل، عندما كان في الرابعة عشر فقط، وصار مُشاركًا في حزب جبهة التحرير الوطنية الاشتراكية في السبعينات. وقد قضى عدة أحكام بالسجن، منها فترةً قضاها لمهاجمة مجموعة من الرجال السود مع شريكٍ له. وفي مرةٍ أخرى، وُجهت له تهمةً بإساءة معاملة الأطفال. وأثناء عملية تفتيشٍ لشقته، عَثَرت الشرطة على صور عارية لفتاة تبلغ من العمر 15 عامًا مع أعلام الصليب النازي المعقوف وصور لأدولف هتلر ووزير دعايته ​​جوزيف غوبلز.

اقرأ/ي أيضًا: عنصرية أمريكا البيضاء.. غواية هتلر

في الثمانينات، قرر ماسون نشر تخيُّلاته عن السُلطة والعنف في هيئة كتابٍ أسماه "الحصار". يمتلئ هذا المجلد - وهو مجموعة من رسائله الإخبارية الغريبة التي تَعاوَن فيها مع زعيم الطائفة تشارلز مانسون - بإنكار الهولوكوست وبالاعتداءات غير الموضوعية على المِثليين واليهود. وقبل كل شيء، يدعو فيه إلى إنشاء شبكة من الخلايا الإرهابية اللامركزية ولحمل السلاح ضد "النظام". لطالما كان هدف ماسون هو تمرير نظرته المتعصبة للعالم إلى الأجيال القادمة، ولفترة طويلة لم ينجح في ذلك. لكن هذا كله تغير في عام 2015.

جيمس ماسون ومنظمة أتومفافِن ديفيجن

في ذلك العام، تأسست مجموعة أتومفافِن النازية (Atomwaffen تعني بالألمانية السلاح النووي) على المنتدى الإلكتروني ironmarch.org، وهو منصة مناقشة للنازيين الجدد من جميع أنحاء العالم. اكتشف المتطرفون جيمس ماسون وكانوا متحمسين لأفكاره المجنونة المتطرفة. ثم صار "الحصار" من الكتب التي ينبغي قراءتها، وصار ماسون زعيمهم الأيديولوجي. لكن هذا ليس الشيء الوحيد الذي يجعلهم شديدي الخطورة، فوفقًا لخبراء في التطرف اليميني، يكون الأعضاء مسلحين تسليحًا ثقيلًا ومُستعدين لاستخدام أسلحتهم. بل إنهم في الواقع يستعدون لما يرونها "حربًا عِرقية" قادمة في ما يسمى "بمعسكرات الكراهية". يتم التدريب على استخدام الأسلحة من قِبل أفراد من الجيش الأمريكي المُنضمين لتلك المجموعة. ووفقًا لأحد الأعضاء السابقين في أتومفافِن، يجب أن يخضع الوافدين الجدد لتجربة الإيهام بالغرق بجانب تجارب أخرى مماثلة. ولكن من يقف خلف مجموعة أتومفافِن؟

وقعت جريمة القتل الأولى في 19 أيار/ مايو 2017. عندما أطلق ديفون آرثرز، البالغ 18 عامًا، الرصاص على رفيقيه في السكن، أندرو أنشوك 18 عامًا، وجيريمي هيميلمان 22 عامًا. وقد كان الثلاثة أعضاءً في مجموعة أتومفافِن، ولكن آرثرز قال لاحقًا إن الاثنين الآخرين لم يحترما إيمانه. اتضح لاحقًا أن آرثرز ابتعد ببطء عن الأيديولوجية اليمينية المتطرفة للمجموعة، وتحول إلى الإسلام وبدأ يتعاطف مع الدولة الإسلامية.

يستلهم بعض شباب الحركات النازية الجديدة تنظيم داعش (Getty)

كان براندون راسل، زعيم المجموعة، يشاركه في السكن، وقد عثَرَت الشرطة على أسلحة نارية وذخائر ولوازم لصنع القنابل في المرآب. قبل هذا الاكتشاف، كان راسل قد أخبر أتباعه في محادثات داخلية بنيته في تفجير محطة لتوليد الكهرباء. حُكم عليه بالسجن خمس سنوات.

الجرائم تتوالى

يوم 22 كانون الأول/ ديسيمر 2017، أطلق نيكولاس غيامبا، البالغ من العمر 17 عامًا، النار على والديّ حبيبته في رسِتون بولاية فرجينيا. وكانا قد منعا ابنتهما من التواصل معه بسبب رؤيته اليمينية المتطرفة. إن غيامبا صريحٌ بخصوص إعجابه بجيمس ماسون وبعُضويته في مجموعة أتومفافِن. بعد أن قتل الوالدين، أطلق النار على نفسه أيضًا، لكنه نجا.

وقعت آخر الجرائم بعد أقل من شهر واحد، ولا يزال التحقيق في الحادث مستمرًا. وقد تمكن مراسلو ديرشبيغل من التحدث إلى مسؤولي الشرطة بمدينة ليك فورِسْت في كاليفورنيا، حيث وقعت جريمة القتل، بالإضافة إلى أم الضحية. كما تمكنّا من فحص الرسائل الخاصة التي تبادلتها الضحية مع الأصدقاء، ما يسمح بتعديل مُفصّل للجريمة.

اقرأ/ي أيضًا: "داعش" ليس مشكلة إسلامية - إسلامية

عندما علم بقية الأعضاء في مجموعة أتومفافِن أن صامويل وودوارد قد قُبض عليه لقتل يهودي مثلي الجنس، بدأوا بالاحتفاء بجريمته، مشيرين له بـ "فريق تدمير اليهود المثليين". بل إنهم في بداية المحاكمة، ارتدوا  قمصانًا عليها صورة وودوارد مع صليب النازية المعقوف مرسومًا على جبينه.

إن أتومفافِن ليست مجموعة من المتشيطنين على الإنترنت ينشرون صورًا ورسومات مسيئة. ولكنهم، ينشرون دعايتهم داخل فُقاعتهم الخاصة بهم على وسائل التواصل الاجتماعي ومنتديات التواصل السرية. وقد حصلت دير شبيغل على فرصة حصرية للاطلاع على المراسلات الداخلية للمجموعة.

داخل أتومفافِن

سرعان ما توضح تلك المراسلات أن المجموعة لا تُكِن الضغينة فقط للمثليين جنسيًا واليهود والسود، بل إنها تُمجّد كل أنواع الإرهاب اليميني المتطرف ومرتكبي جرائم القتل الجماعية مثل تيموثي مك فاي وديلان روف والنرويجي أندرس بريفيك.

كما أن أفراد المجموعة أصدقاء بالمراسلة مع القاتل الذي ارتكب ثلاث جرائم قتل، تيودور كازينسكي، المعروف باسم "مفجر الجامعات والطائرات". وقد أنشأوا موضوعًا ليُناقشوا مع بعضهم البعض الأسئلة التي يرغبون في طرحها على كازينسكي السجين.

ومع ذلك، ففي مناقشاتهم التي تركز على أمثالهم العُليا والاشتراكية القومية وألعاب الفيديو العنيفة، يُمكن العثور على عبارات مثل  "اقصف مركز اللاجئين المحلي في منطقتك" و"تفجير مراكز الشرطة هو تعبير فني" و"أريد أن أفجر مبنى فيدراليًا".

يصعب تقييم ما إذا كانت هذه العبارات الإلكترونية مقدمةً مباشرة لهجمات فعلية. يتبادل الأعضاء روابط لسجلات، منها ما يشمل مئات الوثائق التي تُدرِج الاستعدادات اللازمة لمعركة مسلحة وهجماتٍ إرهابية. ومن بينهم كُتيّبات تصف بالتفصيل كيفية تنفيذ هجمات على محطات توليد الكهرباء وشبكات الكهرباء وجسور الطرق السريعة، وعشرات من التعليمات لصُنع قنابل الأنابيب، والسيارات المفخخة والقنابل المسمارية، بالإضافة إلى توجيهات لتصنيع متفجرات موقوتة ومتفجرات قوية، باستخدام أدوات منزلية.

قطاع عريض من الكراهية

لكن مجموعة أتومفافِن لا تُمجِّد الإرهاب اليميني المتطرف فحسب: ففي المجمل، تنقل الرسائل المتبادلة بينهم صورة مربكة إلى حد ما. ينشر الأعضاء صورًا لأشخاص قُطعت رؤوسهم أو قُتلوا بطرق أخرى، بما في ذلك مقاطع فيديو لإعدامات قام بها تنظيم الدولة الإسلامية. ويتبادلون كذلك تفسيرات متطرفة لآيات من القرآن. في أحد المنشورات، تمت الإشارة إلى حادث إطلاق النار في مدرسة كولومباين الثانوية بأنه "عمل ثوري مثالي".

يُعتبر أفراد المجموعة أيضًا معادين للنساء إلى أبعد الحدود، وهم يشيرون إليهن باعتبارهن "مختلات أنانيات لا قيمة لهن" و"عاهرات" و"ممتَلكات". كتب واحد من الأعضاء أن "كل اغتصاب هو مُستحق"، وكتب آخر "لن أدعوه اغتصابًا أصلًا". الميل الجنسي للأطفال ليس من المحرمات كذلك، وعبارتٌ مثل "هي تنزف إذن هي تصلح للإنجاب" و"الولادة علامة قبول"، ليست سوى بضع أمثلة من بين الكثير.

باختصار، هناك قطاع عريض من الكراهية، من الاشتراكية القومية إلى الاعتداء على الأطفال إلى الدولة الإسلامية. كيف إذن يتسق كل ذلك مع بعضه؟

لا تمجد أتومفافِن الإرهاب اليميني فحسب، حيث ينشر الأعضاء صورًا لأشخاص قُطعت رؤوسهم أو قُتلوا بطرق أخرى، بما في ذلك مقاطع فيديو لإعدامات داعش

شبكة الكراهية

عند نقطة ما، لم يعد الاكتفاء بقراءة كتاب "الحصار" مُرضيًا لأعضاء فرقة أتومفافِن، بل أرادوا مقابلة المؤلف شخصيًا. وفي عام 2017، ويُقال إن  ذلك تم بعد سنوات من البحث، استطاعوا تعقب جيمس ماسون، الذي كان مختبئًا. صارت هناك صداقة وعلاقة عمل تجمعهم. في ذلك الوقت، كانت مرحلة النجاح الضئيلة في مسيرة ماسون النازية قد ولّت منذ فترة طويلة، وكان في طريقه إلى فقدان أهميته بالكامل. لكن النازيين الشباب في مجموعة أتومفافِن قرروا تقديمه إلى العصر الرقمي، فقاموا بإخراج دعايته النازية وإعادة تعبئتها تحت عنوان "ثقافة الحصار". بعدها بدأت المجموعة في نشر مقالات ماسون على موقع إلكتروني جديد، وتسجيل بث صوتي معه. لكن تركيز "ثقافة الحصار" ينصب مباشرة على كتب ماسون. يزعم جون كاميرون دينتون، زعيم المجموعة، امتلاك حقوق تلك الكتب.

دينتون: مرّر جيمس ماسون الشُعلةَ إلينا

يعتني أفراد أتومفافِن بالتصميم والدعاية والمبيعات. هناك خمسة كتب متاحة حاليًا، منها "الحصار" الذي أُعيد إصداره، ومجموعة أكثر غرابةً من الكتابات التي يزعم فيها ماسون أن كلًا من أدولف هتلر وتشارلز مانسون هما تناسخٌ للمسيح. هناك سبعة كتب إضافية مُخططٌ لصدورها، وهي تُطبع وتباع من خلال منصة CreateSpace للنشر الذاتي على موقع أمازون.

يستلهم بعض شباب الحركات النازية الجديدة تنظيم داعش (Getty)

في صباح أحد أيام الأحد القريبة في الساعة 8:25، يسير الرجل الذي يتزاحم حوله النازيون الشباب، في حي شرق كولفاكس في دنفر، متجاوزًا الحديقة التي تأوي العديد من المشردين، إلى محطة الحافلات، حيث يختار أن يقف بعيدًا قليلًا عن الآخرين. يبدو الرجل في مزاج جيد؛ ما الذي يجول بخاطره؟ ماذا لدى هذا الرجل المليء بالعنف والكراهية ليقوله؟ لا يتحدث جيمس ماسون إلى الصحفيين، وهو يعيش مختبئًا منذ أكثر من 10 سنوات. لكنه سعيد بالتحدث إلى سائح ألماني مهتم. أُجريت المقابلة التالية باستخدام كاميرا خفية.

هناك قطاع عريض من الكراهية، داخل النازية الجديدة، من الاشتراكية القومية إلى الاعتداء على الأطفال إلى الدولة الإسلامية. كيف إذن يتسق كل ذلك مع بعضه؟

بالنسبة لمجموعة أتومفافِن، ترجع أهمية التعاون مع جيمس ماسون في المقام الأول بسبب التقدير الذي يأتي به إلى المشهد، فهو يساعد المجموعة على جذب الشباب ذوي الميول العنيفة، وليس فقط في الولايات المتحدة. لقد أنتجت الطائفة المتجمعة حول كتاب "الحصار" شبكة عالمية من المتطرفين. بالنسبة للبعض، يقتصر التواصل على الإنترنت، ولكن البعض الآخر يسافر عبر العالم لمقابلة زملائهم من الرفاق. ومؤخرًا بدأت أفرع جديدة من مجموعة أتومفافِن في الظهور. من الأمثلة على ذلك:

تقوم أتومفافِن الآن بدور الدمج بين الشباب ذوي الميول العنيفة في أنحاء العالم، وجيمس ماسون هو مُلهِمهم. يروج شبابه لنظرة بربرية للعالم ويريدون أن يكونوا متطرفين إلى أقصى ما يمكن. من وجهة النظر الخطابية، وصل النازيون إلى مستوى حاد من التعصب، والشيء الوحيد المتبقي هو ترجمة تلك الكراهية إلى أفعال.

كتب أحد الأعضاء في إحدى المراسلات في نهاية شهر تموز/ يوليو الماضي: "ينبغي على الكثير منكم تطوير أدائه في التمييز العنصري الوجودي". وأضاف: "سيمنحك الإنترنت إرشادات فقط، وليس تجارب".

 

اقرأ/ي أيضًا:

استطلاع رأي: تلامذة إيطاليا معجبون بهتلر

هل وصل "سلاح هتلر السري" إلى مخيمات لبنان؟