الناتو  يتأرجح.. خلافات عسكرية ومالية وسياسية تخيم على علاقات الحلفاء

الناتو يتأرجح.. خلافات عسكرية ومالية وسياسية تخيم على علاقات الحلفاء

يواجه حلف الناتو خلافات على مسائل عديدة (Getty)

تنطلق القمة السنوية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) يوم غد الأربعاء، وسط انقسام ظاهر بشكل واضح بين الدول الحلفاء على خطة الحلف الدفاعية لدول البلطيق، على الرغم من وصف الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرج للمباحثات التي استبقت القمة بأنها "بداية جيدة"، في إشارة للاجتماع الذي عقده مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بينما يبرز إصرار أنقرة على تبني الحلف لخطتها الدفاعية مقابل قبولها بخطة الدفاع عن دول البلطيق.

جدد ماكرون انتقاده لحلف الناتو مرًة أخرى، بعدما أوضح للصحفيين خلال مؤتمر عقده مع الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، بأنه يوجد ضمن الناتو "غياب تماسك واضح وغير مقبول"

تصريحات ماكرون تخيم على قمة الناتو

جدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقاده لحلف الناتو مرًة أخرى، بعدما أوضح للصحفيين خلال مؤتمر عقده مع الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، بأنه يوجد ضمن الناتو "غياب تماسك واضح وغير مقبول"، مشيرًا إلى أنه جرى تخصيص القمتين الأخيرتين للحلف "لدرس كيف يمكن تخفيف الأعباء المالية عن الولايات المتحدة"، مشددًا على عدم تسوية الحلف "قضايا استراتيجية حول السلام في أوروبا والعلاقة مع روسيا وتركيا".

اقرأ/ي أيضًا: ما وراء البريكست.. أيادي موسكو الخفية في الاتحاد الأوروبي

وكان ماكرون قد أثار موجًة من الارتباك بين الدول الأعضاء، عندما قال في حواره مع مجلة ذي إيكونوميست في وقت سابق من الشهر الجاري، إن الحلف يعيش "حالة موت دماغي"، مشددًا على ضرورة معرفة "ما هي الغايات الاستراتيجية للحلف؟"، وذلك في معرض توجيه انتقادات لأنقرة بسبب عملية "نبع السلام" التركية التي نفذتها في شمال – شرق سوريا ضد قوات سوريا الديمقراطية التي تعتبر أحد حلفاء باريس في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فضلًا عن وجود نقص في التزامات واشنطن اتجاه الحلف.

وردًا على تصريحاته السابقة حول الحلف الأطلسي، أوضح ماكرون خلال مؤتمر الصحفي يوم الأربعاء، أن الهدف من التصريحات كان حاجة الحلف إلى "جرس إنذار"، وأعاد توجيه انتقاداته لأنقرة بسبب الهجوم العسكري الذي نفذته في شمال سوريا، مشيرًا إلى أنه "لا يمكنك (أنقرة) من ناحية القول إننا حلفاء وتطلب التضامن في هذا الصدد، ومن ناحية أخرى تضع حلفاءك أمام الأمر الواقع المتمثل في عملية عسكرية تعرض للخطر أعمال التحالف المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية"، في إشارة للتحالف الدولي الذي يضم دولًا من الحلف الأطلسي.

وقبيل انعقاد قمة الناتو بيوم واحد، هاجم الرئيس ترامب نظيره الفرنسي ماكرون بسبب انتقاده المتكرر لحلف الناتو، ووصف ترامب تصريحات ماكرون بشأن الناتو بأنها "قاسية" و"بغيضة جدًا"، مضيفًا أنه "لا أحد بحاجة إلى حلف شمال الأطلسي مثل فرنسا"، وتابع مشيرًا إلى أن باريس "لا تبلي بلاءً حسنا من الناحية الاقتصادية"، داعيًا برلين إلى إنفاق المزيد من الأموال على ميزانية الحلف.

وبعد مطالبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الفرنسي بأن "يفحص موته الدماغي أولًا"، على خلفية تصريحاته الأخيرة بشأن موقف باريس من الحلف بسبب الهجوم التركي في الشمال السوري، أعاد الرئيس أردوغان قبل مغادرته إلى لندن التذكير بمطالب بلاده للموافقة على خطة الحلف لدول البلطيق، وقال في هذا الشأن: "إذا لم يقر أصدقاؤنا في حلف شمال الأطلسي بأن ما نعتبرها منظمات إرهابية هي فعلًا منظمات إرهابية (في إشارة لوحدات حماية الشعب الكردية) فإننا سنقف في وجه أي خطوة تُتخذ هناك".

الحلفاء منقسمون.. خلافات مالية وعسكرية وسياسية

جاءت التصريحات المثيرة للجدل للرئيس الفرنسي حول استمرارية الناتو بعد 70 عامًا على تأسيسه، وقبل أقل من شهر على استضافة لندن القمة السنوية للحلف، التي من المتوقع أن يناقش ضمنها مجموعة من النقاط الخلافية بين الدول الأعضاء، وقد ينبثق عنها تشكيل لجنة من الشخصيات المرموقة لمعالجة مخاوف مستقبل استمرار الناتو.

  • لجنة حكماء لمعرفة أسباب أزمة الناتو

لا يبدو الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ بأنه يعطي أهمية للخلاف المتصاعد بين الدول الأعضاء، بقدر الأهمية التي يعطيها للحصول على ميزانية دفاعية تصل لـ130 مليار دولار العام القادم، وتشير التوقعات إلى أن الناتو قد يتجه في قمته القادمة للاستعانة بمجلس من الحكماء، تضم مجموعة من الشخصيات السياسية والدبلوماسية تعمل تحت إشراف ستولتنبرغ لإعادة هيكلية الحلف مرًة أخرى يجري تقديمها في قمة 2021.

وكانت لجنة من الحكماء ضمت وزراء خارجية إيطاليا، كندا، والنوريج، قد عقدوا اجتماعًا وضعوا فيه الأسس الأولى للحلف في عام 1956 بعد قرابة سبعة أعوام على تأسيسه، وخلص الدبلوماسيون الثلاثة في تقريرهم حينها إلى إنه: "يجب ألا يقتصر دور حلف الناتو على الاتفاقات العسكرية.. بل لا بد أن يكون له دور سياسي متزايد الأهمية خارج نطاق التخطيط العسكري وإنشاء القوة، وأن يناقش التطورات السياسية الدولية من أجل استباق المخاطر وفرص إنشاء علاقات دبلوماسية جماعية داخل التحالف بشكل أفضل".


من اليسار إلى اليمين: هالفارد لانج، وجيتانو مارتينو، وليستر ب. بيرسون - وزراء خارجية النرويج، إيطاليا، وكندا عام 1956

إذ إن الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية شابها أجواء من القلق بسبب المخاوف من توسع الاتحاد السوفييتي في القارة الأوروبية، لذلك اتفقت الدول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية بتشكيل حلف شمال الأطلسي عام 1949 لمواجهة النفوذ السوفييتي الذي رد بتأسيس حلف وارسو، وهو الجوهر الذي يعمق الخلاف بين الدول الأعضاء نظرًا لعدم اتفاقهم على آلية عمل مشتركة تنظم شؤون الحلف تحت هدف واحد.

فقد أوضح الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أن دوره أصبح دفاعيًا اتجاه الأنشطة التي من خارج المنطقة تهدد استقرار أجزاء من أوروبا، وبعدها بأعوام نفذ أكبر عملية عسكرية لقواته عندما شن هجومًا عسكريًا لاستعادة كوسوفو من القوات الصربية في عام 1999، فضلًا عن توسعه بضم مجموعة من دول الكتلة الشرقية التي استقلت عن روسيا، بالتزامن مع إعطاء أولويته للدول التي تملك حدودًا مع الأخيرة.

  • ملفات تركيا الخلافية مع الدول الأعضاء

من المتوقع أن يكون الخلاف التركي – الفرنسي على قائمة جدول أعمال القمة، بعد التصريحات المتبادلة بين الطرفين بسبب الهجوم التركي على شمال شرق سوريا، وتقول أنقرة إن الهجوم كان ضد قوات سوريا الديمقراطية بقيادة وحدات حماية الشعب الكردية التي تصنفها على أنها "منظمة إرهابية"، رغم أنها تتلقى الدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، إضافة لملف اللاجئين الذي يشهد خلافًا بين الجانبين الأوروبي والتركي.

وخلاف الحلف مع أنقرة لا يقتصر على هجومها الأخير في سوريا، إنما يشمل أيضًا صفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية  S-400 التي استلمت أول شحناتها في تموز/يوليو الماضي، وتعتبرها واشنطن تهديدًا لترسانتها العسكرية، بسبب مخاوف تسود من تعرّف المشغلين الروس على أسرار تكنولوجية خاصة بمقاتلات F-35 الأمريكية، فضلًا عن الصراع التاريخي مع اليونان – أحد أعضاء الحلف – على المياه الإقليمية التي تحوي موارد طبيعية.

ويضاف إلى ذلك رفض تركيا المصادقة على دعم خطة الناتو الدفاعية عن البلطيق وبولندا ما لم تحصل على مزيد من الدعم السياسي لمحاربتها قسد، وهو ما انعكس في تصريحات المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، حين شدد عبر حسابه على تويتر بأن بلاده "عضو قوي في حلف شمال الأطلسي.. ولديها ثاني أكبر جيش بين دوله.. وتريد الانضمام للاتحاد الأوروبي كعضو كامل العضوية"، مشيرًا إلى أنه "على الحلفاء أخذ التهديدات ضد الأمن القومي لتركيا بجدية والتعاون في شراكة لمواجهتها".

عين موسكو على استعادة الكتلة الشرقية

بدأ حلف الناتو يولي اهتمامًا متزايدًا إزاء النشاط الروسي في دول الكتلة الشرقية المستقلة بعد اعترافها باستقلال منطقتي أوسيتيا وأبخازيا عن جورجيا في عام 2008، ومع سيطرتها على حركة البحر الروسي الأسود (آزوف) بضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، وتقديمها الدعم للانفصاليين في مناطق دونيتسك وهانسك شرق أوكرانيا، أصبح الناتو يشعر بمخاطر التوسع الروسي في دول الكتلة الشرقية على الجهة الجنوبية، فضلًا عن وصول موسكو بطبيعة الأمر إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط، بعد توقيعها اتفاقية مع النظام السوري تنص على استثمار ميناء طرطوس لمدة 49 عامًا.

فعليًا، في الوقت الذي كان حلف الناتو يعيش حالًة من تقرير المصير بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وجد في النهوض الروسي على الساحة الدولية فرصًة لإعادة تفعليه مرًة أخرى، مع نفس الدولة لكن بصورة أصغر عن سابقتها، وأدت هذه العودة إلى نشر المزيد من الأسلحة بين الطرفين، فقد أشارت التقارير إلى أن الحلف نشر قرابة 4.5 ألف جندي ضمن مجموعات قتالية في دول البلطيق وبولندا منذ عام 2016.

كما أن السويد وفنلندا رغم أنهما ليستا عضوين في حلف الناتو، فإنهما يتشاركان معه في العمليات العسكرية ضمن بحر البلطيق بصفة حلفاء تخوفًا من التوسع الروسي، وقد أرسلا قواتًا مشتركة إلى جزيرة جوتلاند في البلطيق في عام 2017، وتشهد المنطقة مناورات عسكرية شبه دائمة منفصلة لكل طرف على حدا، في الوقت الذي تستمر بموسكو بتعزيز تواجدها العسكري في كالينينغراد، وكان أخرها نشرها لصواريخ باليستية بقدرات نووية.

ويبقى التهديد الأكبر للناتو تعزيز موسكو لترسانتها النووية، والاتهامات التي تطالها بتنفيذ هجمات سيبرانية في أوروبا، كان أحدثها تقرير أمني للجنة في البرلمان البريطاني يتحدث عن دور موسكو بالتأثير على نتائج استفتاء البريكست في 2016، والانتخابات العامة في 2017، فضلًا عن اتهامها بتنفيذ اغتيالات سياسية في اعقاب استهدافها للمعارضين الروسي في لندن، والتي أججها استهداف عميل الاستخبارات البريطانية في روسيا سيرغى سكريبال مع ابنته بغاز الأعصاب في مدينة سالزبرى في آذار/مارس من عام 2019. 


قوات حفظ السلام للناتو في كوسوفو 1999

  • حتى الناتو مطلوب منه الدفع لترامب

يبدو أن خلاف حلف الناتو مع الإدارة الأمريكية الحالية لن ينتهي، فقد كان الناتو من أبرز الكيانات التي تطرق إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية، حين تحدث عن عدم دفع الحلفاء نصيبهم العادل من ميزانية الحلف، وبالطبع فإن هذه ليست إلا البداية، إذ كرر ترامب في أكثر من مناسبة انتقاداته للحلف، وحث الدول الأعضاء على مضاعفة الإنفاق العسكري سنويًا من 2 بالمائة إلى 4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وعلى الرغم من ذلك فإن ترامب الذي يرفع شعار "أمريكا أولًا" لم يكن معني كثيرًا ببقاء واشنطن في الحلف، وناقش سابقًا مع مسؤولين كبار في إدارته مسألة انسحاب واشنطن من الحلف العسكري، قبل أن يصرح مؤكدًا أن واشنطن ستكون "مع الأطلسي مائة في المائة"، دون أن ينسى تذكير الحلفاء بأنه "عليهم تغيير العتاد.. وعليهم أن يدفعوا".

دفعت تهديدات ترامب بالخروج من الحلف بالدول الأعضاء إلى زيادة إنفاقها السنوي، لكنها خالفت توقعات إدارة ترامب الاقتصادية عندما قررت الاتجاه إلى الصناعات العسكرية المحلية لدعم اقتصادها الوطني، الأمر الذي أثار استياءً لدى إدارة ترامب بعدما كانت تراهن على شراء الدول الأعضاء للعتاد العسكري من واشنطن، ليضاف هذا الخلاف إلى جانب خلافات أخرى مرتبطة بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا دون إخطار الدول الحلفاء بذلك، وقضايا دولية أخرى مرتبطة بالنهج الأحادي للولايات المتحدة في التعاطي مع القضايا الدولية.

وتشير صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إلى أن الخلاف بشأن قضية الإنفاق العسكري قوبل بموجة انتقادات مباشرة من واشنطن، بعد أن أعرب المسؤول الكبير في مكتب الشؤون الأوروبية والآسيوية مايكل ميرفي لدبلوماسيين أوروبيين عن عدم رضا واشنطن بالقيود المقترحة على مشاركة دولة ثالثة في المشاريع الدفاعية لدول الاتحاد الأوروبي، حيثُ ينص أحد البنود على أنه يمكن لدولتين حليفتين التعاون في مجال الدفاع العسكري، ويمكن مشاركة دولة ثالثة بصفة استثنائية، أي مشاركة محدودة، وعكس ميرفي موقف الإدارة الأمريكية التي اعتبرت أن هذه المبادرة الأوروبية من الممكن أن تساعد "على تقويض الأمن في المحيط الأطلسي".

  • فرنسا تريد من الحلف ضبط أعضائه

كان لتصريحات ماكرون الأولى بقوله إن الهجوم التركي "ضحى بشركاء (فرنسا) على الأرض" في سوريا، وإضافته بأن "الحلف الأطلسي كنظام لا يضبط أعضاءه. وانطلاقاً من اللحظة التي يشعر فيها أحد الأعضاء أن من حقه المضي في طريقه، فهو يقوم بذلك. وهذا ما حصل" في إشارة لأنقرة، يمكن اعتبارها بأنها القضية التي عّمقت الخلاف بين الدولتين الحليفتين في الناتو.

يعتبر ماكرون أن موقف أنقرة وواشنطن من العملية العسكرية التي نفذت في شمال شرق سوريا، كان سلبيًا بسبب عدم حديث الدولتين العضوتين في الناتو مع الدول الحلفاء عنها، إضافًة لذلك يرى الرئيس الفرنسي أن الحلف أصبح يتجه تركيزه بشكل أكبر لقضية الإنفاق العسكري بدلًا عن وضع الاستراتيجية التي يجب العمل عليها.

وكان ماكرون قد نفى في وقت سابق أن يكون قبل اقتراحًا روسيًا بوقف نشر الصواريخ في أوروبا، مشددًا على أنها "لم تقبل مطلقًا"، لكنه اعتبر الاقتراح "أساسًا للنقاش ينبغي عدم رفضه"، ومشيرًا بالوقت ذاته إلى أن إلغاء واشنطن معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، يدل على أن "أمننا هو الذي أصبح على المحك وكذلك أمن حلفائنا الأوروبيين"، ومشددًا على "ضرورة أن يشارك الأوروبيون في المعاهدة القادمة.. لا يمكن لنا أن نترك أمننا رهن اتفاق ثنائي لا يكون فيه للأوربيين نصيب".

مأزق الناتو.. هل يستطيع التوفيق بين مصالح الحلفاء؟

تأتي قمة الناتو القادمة بالتزامن مع إطلاق المحللين مسمى الحرب الرابعة على التوتر المتزايد بين الحلف وموسكو، على اعتبار أن الحروب الثلاثة السابقة، الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة، نظرًا لوقوع ستة دول أعضاء في الحلف مع مدينة سان بطرسبرغ ثاني كبرى المدن الروسية على شرق بحر البلطيق.

وفقًا للمحللين فإن الخلاف بين الدول الحلفاء في الناتو في حال وصل لانسحاب تركيا فإن ذلك سيترك آثارًا سلبية في الخاصرة الدفاعية للحلف، ويشيرون إلى أن أنقرة تلعب دورًا متكاملًا في هيكلية قيادة الناتو، بامتلاكها أكبر قوة بحرية في منطقة البحر الأسود حتى في حال مقارنتها مع روسيا، وهو ما يمنح الناتو وصولًا آمنًا للبحر الأسود، كذلك فإن انسحابها قد يؤثر سلبًا على جورجيا التي تتشارك الحدود من طرفين مع أنقرة وموسكو.

وقد تتعقد مناقشات الخطط الإستراتيجية لقمة الناتو القادمة، بعد نقل وكالة رويترز على لسان مسؤول تركي أن أنقرة سترفض خلال القمة دعم خطة البلطيق وبولندا ما لم تحصل على مزيد من الدعم السياسي لخطتها الدفاعية بما في ذلك في حال تعرضت لهجوم من الجنوب حيث تقع حدودها مع سوريا، وشدد المسؤول التركي على ذلك بقوله: "إذا لم تنشر (خطتنا الدفاعية) فلن نسمح بنشر الخطة الأخرى (الخاصة بالبلطيق وبولندا)".


 فرقاطتين تركية ورومانية خلال تدريبات عسكرية في البحر الأسود

وعلى خارطة الخلاف بين الناتو الذي تملك الدول الأعضاء ضمنه حدودًا متاخمة مع موسكو بمساحة 1.6 ألف كم، يشير محللون إلى إمكانية نشوب حرب باردة جديدة بين الطرفين (أي موسكو والناتو)، لكنها ستكون هذه المرة مختلفة كثيرًا عن حرب الخمسينيات والستينيات الباردة، مضيفين أن "غياب الإجماع السياسي هو إحدى مشكلات العالم الغربي"، وهو ما يسهل مهمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيثُ تسود توقعات بأن تكون موسكو "مصدر إزعاج حقيقي لحلف الناتو خلال العقد أو العقدين المقبلين".

ويرى المطلعون على هيكلية الناتو الحالية بأن الدائرة الداخلية غير الرسمية للحلف التي شكلت القرارات الغربية للحلف منذ عقود، معروفة اختصارًا بـQuad، ومؤلفة من واشنطن ولندن وباريس وبرلين، لم تعد تؤدي عملها بالشكل المطلوب خلال فترة الرئيس ترامب، في إشارة لقرار انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، دون أن تعطي إخطارًا للقوات الفرنسية والبريطانية التي كانت تعمل إلى جانبها في المنطقة.

اقرأ/ي أيضًا: "سنة الأحلام الخطيرة".. لماذا انتفض العالم في وجه الأنظمة السياسية؟

وينعكس هذا الانقسام بين الدول الحلفاء على الجانب السياسي، إذ رد زعماء الدول الحلفاء في الحلف، مثل برلين ووارسو ولندن على انتقادات الرئيس الفرنسي بأن "الحلف بالنسبة للأمن الأوروبي يبقى محوريًا"، رغم شعورهم بالخيبة من ماكرون وترامب بسبب تصريحاتهم المنتقدة للحلف، وشعورهم بقلق أكبر من ابتعاد إدارة ترامب عن أوروبا بتوجيه اهتمامها للصين، غير أن انزعاجهم من ماكرون ناجم عن اعتماد دول الكتلة الشرقية ووسط أوروبا على الضمان الأمريكي الأمني المدعوم بأسلحة أمريكية.

تشير التوقعات إلى أن الناتو قد يتجه في قمته القادمة للاستعانة بمجلس من الحكماء، تضم مجموعة من الشخصيات السياسية والدبلوماسية تعمل تحت إشراف ستولتنبرغ لإعادة هيكلية الحلف مرًة أخرى

ولعل أكثر ما يقلق واشنطن أنها تجد نفسها غير مستفيدة من مشاركتها بالحلف بسبب ثلاث أسباب، أولهما حدودها البعيدة عن دول الاتحاد الأوروبي أو منطقة الشرق الأوسط، لذلك تجد نفسها غير معنية بالمشاركة بمثل هذه الصراعات كونها لا تؤثر على أمنها القومي، وثانيها توجه الدول الحلفاء لإنشاء صندوق دفاع أوروبي للبحث والتطوير من ميزانية الاتحاد الأوروبي، وأخيرًا تقديم مقترح إنشاء تحالفات ثنائية صناعية عسكرية صغيرة مع تحديد الطرف الثالث مشاركًا بشكل استثنائي، وهو ما تعترض عليه لندن وواشنطن لأنه لن يكون لهما أي دور في مثل هذه المشاريع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 المشكلة اللاتينية.. التحولات الديمقراطية تطيح باليسار المأزوم

الكرملين يعيد ترتيب أوراقه أوروبيًا.. ما وراء صفقة تبادل السجناء مع كييف