المُبتدأ الباحث عن الخبر

المُبتدأ الباحث عن الخبر

منى حاطوم/ فلسطين

يقولون إن الجسد مثله مثل المدينة الكبيرة الصاخبة التي لا تهدأ، يتصادم فيها الأشخاص دائمًا مع الأحداث، في محاولة كل منهما أن يصرع الآخر، وفي طرف من أطرافها تقبع ضاحية هادئة وساكنة لها شوارعها الرئيسية المستقيمة منها والمتعرجة، بها مناطق غير منتظمة قد ينمو فيها الجسد أو يموت.

لكن لو أردنا أن نعطي حياة الإنسان بضواحيها المتشابكة وشوارعها المتداخلة حد الإزعاج تشبيهًا أقرب إلى الواقعية، لكانت قريبة الشبه بحروف مبعثرة ومتناثرة في كتابٍ كبير يجمع الكل على اختلافاتهم بين دفتيه، لكن لتلك الحروف على اختلاف أحجامها وأشكالها ما يميزها عن غيرها، فهي حروف تحب، تكره، تتألم، تنجح وتخفق، تفرح، تحزن، منها ما هو بسيط في شكله وتركيبه، ومنها ما هو معقد لا تكملُ هيئته إلا إذا اتّصل بغيره، فمثلًا هناك حرف مائل، حرف معتدل، حرف صحيح، حرف معتل، فالمعتدل يساعد المائل كي يبدو معتدلًا، والصحيح يقوّم المعتل كي يبدو صحيحًا.

هذه الحروف عندما تتشابك وتتداخل جميعها داخل النص تذوب بينهم كل تلك الاختلافات، فالشيء الذي كنت تعده اختلافًا قبل ذلك، ستعده من كماليات جمال النص، وما كانت تلك الحروف لتمثل المعنى لو لم تحمل بداخلها هذا التناقض البديع، يذكرك هذا التناقض والاختلاف بأشخاص كانوا ينتمون إلى ذات المكان والموطن، وقادهم هذا الاختلاف إلى حالة من تحطيم الذات، لكن الحياة أبت إلا أن تفرق بينهم فكست حياتهم بعادات وملامح أخرى، حولتهم إلى أناس آخرين إلى الحد الذي لم يعد فيه كل منهم يعرف نفسه فضلًا أن يعرف غيره، لكن مع ذلك لا يزالون يملكون تلك الأرضية المشتركة التي يغذيها إحساس حاجة كل منهم إلى الآخر.

علاقتنا ببعضنا في تلك الحياة قريبة الشبه بتلك الحروف، منّا من يمثل للآخر جزءًا أساسيًا في تكوينه وهيئته بمعنى أدق دون مراوغة حياته، إذا اختفى ذلك الجزء أحدث نشازًا ملحوظًا في تركيبه حتى لو كان صغيرًا وضئيلًا جدًا، ستشعر كمّ كان هذا الشيء الصغير يسدّ خانة كبيرة ويسدّ فراغًا لم تكن لتسدّه لو كنت وحدك، كحرف الـ"ب" مثلًا، لو حذفنا منه تلك النقطة الصغيرة التي تكادُ لا تُرى سيصبح شيئًا غريبًا لا معنى له سيفقد كينونته وحضوره.

هذا يقودنا إلى نقطة مهمة، في أغلب الأحيان نجد أن هناك بعض الأشخاص لا يمثلون إلا شيئًا بسيطًا في واقع حياتنا، وتجبرنا الحياة هي الأخرى أن نجعلهم كذلك، لكنهم بفطرتهم يأبون إلا أن يمروا باتجاه مخالف لبقية البشر، حيث إن بقاءهم مرهون بحدة الذكاء أحيانًا والمكر أحيانًا أخرى، فإنهم يشحذون قريحتهم وعزيمتهم كي لا يعلو الصدأ حياتهم وحياتنا أيضًا بأي شكل من الأشكال.

هناك من لا نشعر بوجودهم، لكن لمسِّ طيفهم وقع لطيف على الحياة ويريدون دائمًا أن يبقوا بعيدين، بهم تزدان الحياةُ، هم أشبه بالتنوين، الذين يحصنُ الحروف ويمنعها من أن تُنطق أو تُفهم على غير وجهها الصحيح، والعجيب أنّها لا تدخل إلا على النكرات العارية من أي تخصيص أو إضافة، ولا تدخل على الكلمة إلا بعد اكتمال تركيبها وشكلها دون أن تحدث جلبة أو إزعاج، فيكونون بمثابة نقطة فاصلة تميزنا عن غيرنا، كي لا تختفي عوالمنُا الخاصة بنا وحدنا، ويكونون لنا كهالة مضيئة تصبح ظلّنا من الهجير، ما أشبههم بأشخاص لم نكن ندري عن أخبارهم شيئًا، وفجأة نراهم ينبثقون في حياتنا.

هناك من هم زائدون علينا، كحروف التشبيه مثلًا وهم الأكثر زوالًا عنّا، وهؤلاء في الأغلب هم عكاكيزُ أحزاننا ورغم ذلك لا نكترث بهم أحيانًا ولا نأبه لوجودهم، لأننا في الحقيقة لا نعرف ماذا نمثل للآخرين؟ أو حتى ماذا ينبغي أن نمثل لهم؟ أو أن للمسألة بعدٌ آخر، إحساسنا بأننا نشغل حيزًا ولو ضئيلًا في حياة آخرين يعطينا إحساسًا مفعمًا بالصبر والتجلد، على حد وصف "ميلان كونديرا": إن الإيمان بأن أحدهم ينظر إلينا يعطينا القوة على التحرك من مكان لآخر في تلك المهمة الشاقة للغاية في سبيل إنشاء حياتنا الخاصة، إذ إننا لا ننتهي أبدًا من صنع أنفسنا، خاصة عندما نواجه أنفسنا مثل نحات يقف أمام صخرة يجب أن يحذف منها كل ما هو غير جوهري وأساسي.

لم نعد في حاجة إلى شيء كحاجتنا إلى هؤلاء جميعهم، الكل أصبح في حاجة إلى الكل، خصوصًا حاجة البعض إلى أن يكسر ميكانيكية تلك الحياة من ولادة وتناسل وموت، وبينهم حياة مليئة بالفضاء الفارغ ورعب مميت نهرب في كثير من الأحيان من التعايش معه أو تذكره، فعندما يتخلى الإنسان عن فكرة البقاء على هامش الحياة، ويعطي لنفسه فرصة أن يشكل جزءًا وحضورًا قويًا داخل النص الكبير، حينها سيجد نفسه قد سبق الكثيرين بحياة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

من يوقف الزمن؟

إنّه دمي.. إنّه يَومي الأول