الموظ.. قصيدة إليزابيث بيشوب

الموظ.. قصيدة إليزابيث بيشوب

رائحةٌ باهتةٌ للموظ/ ورائحةٌ أقوى للبنزين (Getty)

هنا قصيدةً مترجمة من شعر الحيوان بالإنجليزية، مستوحاةٌ من ثقافة الريف الأمريكي في منتصف القرن العشرين، حيث كان ما زال للحيوان نفوذه الطاغي في حياة البشر عامة، وحياة الريفيين خاصة. قصيدة "الموظ" أو "الوعل" للكاتبة والشاعرة الأمريكية إليزابيث بيشوب (1911- 1979) تعد واحدة من أهم القصائد في شعر الحيوانات بالإنجليزية، لانها تشرح من خلال بعد إنساني كبير مدى الارتباط الحي عند الإنسان بالحيوان، إذ إنه وإن لم يستطع أن يتقبله ويحبه فإنه حتمًا لن يستطيع تجاهله.

عرضت بيشوب بحبكة ذكية صورًا شعريةً مكتظة بالتفاصيل التي تصنع نكهة الأجواء دون أن ينتبه لها أحد

عرضت بيشوب بحبكة ذكية صورًا شعريةً مكتظة بالتفاصيل التي تصنع نكهة الأجواء دون أن ينتبه لها أحد، وركزت على أن تبقي النص متأرجحًا بين الشعر والنثر إعلاء لموسيقى ورتم الصورة الشعرية على رتم السجع المكبّل للتفاصيل والضيق عليها.

إن بيشوب قد لخصت بسردها الغني واقعًا اجتماعيًا وحالة مجتمع كامل في تلك الحقبة الانتقالية القصيرة والمهمة في حياة الجنس البشري. إذ عرضت سيناريو شعري لرحلةٍ في باص عمومي ينطلق إلى "بوسطن" عبر مساحات من الغابات والبراري والقرى في محيط "بيرنزويك"، وتصف بطريقة ساحرة كل التفاصيل الممتدة على شسع المدى ومد البصر. 

ولا تنسى أن تسهب في عرض الجزئيات المختلفة المتشابهة في آن والتي ضجت بها آذان المسافرين داخل الباص طوال الرحلة في خضم تبادلهم للقصص الإنسانية والأحداث اليومية العادية والملفتة، بطريقة تشد القارئ إلى نقاط التشابه الكبرى بين كل الناس مهما تباعدت ديارهم واختلفت ألسنتهم، بل وتتجاوز هذا لتعرض مدى التشابه المدهش بين الإنسان والحيوان حين تعترض أنثى الموظ الباص في طريق الرحلة، فيتوقف الباص لفترة وجيزة محدثًا جلبةً بين الركاب كلٌّ لا يتفق بالرأي مع الآخر فيما يتعلق بهذا الحيوان العجيب.

وتختتم القصيدة بنهاية مفتوحة متعمدةً أن تترك التخمين للقارىء، وأن تجعله يكمل رحلته مبحرًا في التفاصيل الساحرة التي علقت بذهنه من القصيدة.


الموظ

من الولايات الضيقة
ولايات السمك والخبز والشاي
مواطن المد والجزر الطويلة
حيث يرحل الخليج عن البحر
مرتين كل يوم
آخذًا معه أسماك الرنكة
في سفرٍ طويل.

من الولايات الضيقة
حيث النهر يهجم
أو يولي مدبرًا
متقوقعًا في حائط بنيّ
من الزبد حين ينزل للخليج
والخليج لم يعد في موطنه.

حيثما، دفنوه بالطّمم الأحمر
فتنزل الشمس أحيانًا
يصفعها بحرٌ أحمر
أنهارٌ كالأوردة
في صفحة الخليج
في موطن الخزامى
نهيرٌ مشتعل.

وفي الطرق الحمراء
قد فرشوا الحصى
مددوها في طابور
كقطعٍ من سكر القيقب
ما وراء صفحةِ المَزارع الأنيقة
وصفحةِ الكنائس
بيّضوها،
حدّبوها مثلما صدفة
إلى ما وراء القضبان الفضيّة.

وفي آخر النهار
يسافرُ باصٌ باتجاه الغرب
يومض زجاجه الأمامي
عاكسًا لونًا ورديًا
لمحةً ورديةً تشع من المعادن
تنظف بالفرشاة
جناحًا أزرق مهزومًا
وتوسعه ضربًا.

أغوارٌ منزلقة
قممٌ متعالية
ركابٌ منتظرون
شخصٌ مريض
مسافرٌ وحيد يأخذ بالأحضان
سبعة من أهله
يودعهم بالقبلات
وقف معهم كلب كولي ضخم
منتظرًا حصته من لمسات الوداع.

وداعًا يا شجر الدردار
وداعًا يا مزرعتي، كلبي..
أدار الباص محرّكه
سطع الضوء فاتضح الضباب
الضوء الحاد
المالح
الهش
سطع ليضيء صوب الخاتمة..

حبّات البرد تطرق الشباك
تعانقه قليلًا ثم تنزلق
لتستقر في ريش الدجاج الأبيض
بين أوراق الملفوف الرمادي
على أزهار الترمس المزجّجة
وكأن حباته حواريين
أو ربما رسل..

وبالسياج الأبيض الرطب الرفيع
تتشبث نبتات البسلة
وتزحف النحلات بردًا
صوب جحرٍ للثعالب
حين أدركها الظلام..

محطة وحيدة للتوقف
عند نهر باسّ
ثم تتلو بعدها المقاطعات العاملة
الدنيا، 
فالوسطى، 
ثم العليا..
خمسُ جُزُر،
خمسُ منازل،
حيث كان هناك امرأةٌ
تنفض شرشف الطاولة
في الخارج بعد العشاء..

وانطفأ الضوء الشاحب..
مستنقعات تانترامار
رائحة التبن المالح
جسرٌ حديديٌّ يهتزّ
ثم يزيد تأرجحه
كخشخاشة طفلٍ فضفاضة
كي لا يقطعه رحيلٌ ما..

على اليسار عبر الليل
ضوءٌ أحمرٌ يسبح
وكأنه فانوس
لسفينٍ في الميناء،
يظهر في الظلام مقتربًا
زوج من الأحذية المطاطية،
ويكبر الضوء مثل شعلةٍ شعائرية،
كلبٌ ما قام بالنباح، نبحةً واحدة..

امرأةٌ صعدت كي تركب
معها كيسان من السوق
رشيقة، منمشة، وعجوز:
"ليلةٌ مهيبةٌ يا سيّد، أجل، أعطني كل الطريق باتجاه بوسطن"
ثم ألقت على الجميع
تحيّةً سمحاء..

وحالما دخلنا غابة نيوبيرنزويك
نزل الضباب كأنه صوف النعجة
أشعرٌ، خشنٌ، متناثر
وتشابكت خيوط ضوء القمر
بكتلة الضباب
وحملتها وألقتها إلى المراعي..

اتكأ المسافرون..
شخير،
تنهدات مضنية،
تخريفاتٌ حالمة
تبدأ في الظلام،
هلوسات هادئة وبطيئة
صوتها مسموع..

وفي خضم هذه الضوضاء
حوارٌ قديمٌ -لا يدور حولنا-
يمكنني التقاطه،
من مقعدٍ ما في آخر الباص
يجلس فيه جدٌّ وجدّة..

أحاديثٌ
بلا انقطاع
وكأنه الأبد..
أسماءٌ ذُكِرَت
أحداثٌ قيلت
بدأت تتضح معالمها
ماذا قالت، ما ذا قالَ
بل ومن أحيل للتقاعد..

موت، وموت، وموت،
مرض،
السنة التي تزوج فيها
مجددًا
والسنة التي حدث فيها
شيءٌ ما،
لقد ماتت وهي تلد
ولقد خسرتُ الولد
فتعثرت سبلي وحارَ بي المركب..

شخصٌ ما قد أدمنَ الشراب،
وهي قد انصرفت للرذيلة،
وحين انصرف آموس إلى الله
وصار يصلي حتى في المتجر
صار لزامًا على العائلة
أن تنحّيه جانبًا..

"نعم.." هذا غريب
ومثبت.. "نعم..."
نفسٌ عميق، حادّ،
نصفُ تأوّه
نصفُ تأفّف
ونصف قبول..
وهذا يعني "الحياة هكذا..
لطالما عرفناها،
لم تنتهي على أحدٍ
إلا بالموت..."

تلك أيضًا تتحدث
بالطريقة ذاتها
وكأنها على سرير من ريش قديم
بكل أريحية
تواصل الحديث،
حديث، حديث، حديث،
وكأنها تحت فانوس خافت
في قاعة الجلوس
وهناك في الأسفل
ينام كلبها
منطوياٌ على نفسه
ملتحفاً بشالها
في مطبخ المنزل..

والآن..
لا بأس الآن..
لا بأس بالنوم الأن،
ببساطة كما أنام
حالًا كل ليلة..
وفجأةً
هزّةٌ عنيفةٌ توقفُ السّائق
فأطفأ الأنوار..

موظٌ قد اعترضَ الطريق
خرج من الغابِ المنيع
ولاح في الأفق
واقفًا في منتصف الطريق
ثم اقترب هويدًا
وصار يشخر على غطاء المركبة الساخن..

فارعٌ الطّول
ضخم
قرونه متاهةٌ بلا نهاية
عاليةٌ ككنيسة
وحنونةٌ كالبيت
رجلٌ يصيحُ قائلًا:
"أليف! أليفٌ إلى حدٍّ مثاليّ!".

بعض المسافرين
بدأوا الهمس بصوتٍ مسموع
بطفولةٍ
ورعونةٍ
وهدوء،
"ما أضخمه!"
"كائنٌ فظيع!"
"أنظروا! إنها أنثى!".

نظرت أنثى الموظ إلى الباص
أخذت وقتها جائلةً حوله..
وأنذهل،
إنها ضخمة
وكأنها كائنٌ من عالم آخر!
لماذا نشعر كلنا
بالسعادة هكذا؟؟

"كائناتٌ فضولية!"
همس السائق..
أدار عجال المركبة،
"أنظر إلى هذا، من فضلك!"
بدل دواسة مركبته
داس للحظةٍ اطول..

مد السائق عنقه
نظر إلى الأفق وراءه
كان بإمكانه أن يلمح
أنثى الموظ
فوق الحصى المقمرّ
ثم فاحت في الجو
رائحةٌ باهتةٌ للموظ
ورائحةٌ أقوى
للبنزين.

 

اقرأ/ أيضًا:

لاجئ المواصفات القياسيّة

متىَ سترأفينَ ببؤسِ الشحّاذ؟