الموتُ جرحٌ ينزف

الموتُ جرحٌ ينزف

مقطع من لوحة يوم الموتى لـ دييجو ريفيرا/ المكسيك

"ولو كانت لك نجمة صغيرة

ولو فتح اللّيل أحياناً حياته

لأعواد ثقابكَ

ستأخذُ غير الضوء طريقاً

وتطلُّ في وقت غير مناسب على نافذة العالم".

  • وديع سعادة (ليس للمساء إخوة، 1968)

 

متربّص أنت أيّها الموت..

متربّص ببقايا الذّوات المتناثرة كفتات الخبز المتساقط من مناقير طيور سابحة في غياهب العدم. أطياف من الجثث المترهّلة التي تحاول اجتياز حاجز الظّلمة، تستغيث بأصوات من حديد بارد يغلّف أرجاء غرفهم التي تغشاها رائحتك.. رائحتك أنت أيّها الموت.. رائحة عفنة تنسلّ الى القلب والى الشرايين الدقيقة فتعشّش فيها كما يعشّش البؤس في مقلتي الأمّ الثكلى.

كنت، أيّها الموت، سفاحًا لا يرتوي من الدّم، تقتات على الأرواح وشهقات الآلام والغمّ.. كاللّيل تغطي نور الحياة وتعبث بضحاياك أينما كانوا. كنت، أيّها السفاح، تخفي وجهك اللّزج بكفيك الداميتين بأوجاع الوجود كوردة تضمّ أوراقها وتحاول حماية عبقها من أشعّة الشمس الحارقة.

ترحّب بنفسك في كلّ وليمة، تقيم الاحتفالات وتبيت ليلتك هانئا.. تأكلهم بأسرّتهم وأدويتهم ودموعهم وأمنيات أحبّتهم وتنظّف أسنانك بالعظًم.. وحده العظم يستعصي ويقاوم أمام أنيابك التي صقلها الزّمن فتعجز عن كسرها ترتد على أعقابك تاركًا المهمّة للدود القذر.

رأيتك، أيّها الموت، متدثّرًا بسواد الليل وواضعًا النجوم في علبة صفيح بالية أكلها الصّدأ.. تقهقه ليبرز فمك كالنّفق المظلم، تسخر من تاريخ الأموات السعيد، من الأمنيات التي سكنت أحشائهم لعقود وتحوّلت في لمح البصر الى مجرّد هباء يقاوم الجاذبيّة ويسبح في فلك اللامبالاة..

كنت تختبئ في قلوب العذارى، تحفر حفرًا عميقة وموحشة لتدفن فيها آخر نظرات الحب المتبادل بين العشاق.

(من رآك غيري أيّها الموت؟

يا جرحًا في صدر هذا الكون المترهّل)

*

 

كُنْتَ فوق هضبة مطلّة على مقبرة، تبكي بصوت يدمي القلوب، تذرف دموعًا على مسيرتك التي فقدت المعنى.. وبصرخة تمزّق الصمت كأمّ تهدي الحياة عند الولادة، تضرب الأرض فتنشق لتتحوّل الى كرة طريّة في يد صبيّ لم يتجاوز السادسة..

ما الذي ستفعله عندما تنقطع الحياة من الوجود؟

كيف ستقضي نهارك؟

ماذا ستأكل؟

من أين ستستمدّ قدرتك على طيّ النهار تحت ذراعك وقطف النجوم وحبسها داخل علبتك؟

 

(أيّها الموت، ستكون حتما ربًّا عاطلًا عن العمل)

 

ستعاشر القبور..

قبورنا وقبور أحبّتنا، قبور الطيور والفيلة والدببة والديناصورات المنقرضة..

لا بأس، نحن أيضًا سننقرض مثلها. ستبقى وحيدًا، أيّها الموت، متربّعًا على عرش الضّجر، يلهو بك كدمية بلا روح ثمّ يلقيك كخرقة بالية.. ستنادي، أيّها الموت، على الأغصان وتناجي جذور الأشجار الضاربة في القدم، تقتلعها من جحورها الترابيّة دون ان تظفر بجواب..

كيف لجذور انغمست في القاع، خوفًا من بطشك وخشوعًا من جبروتك، أن تتمرّدَ وترفض إجابتك؟

لقد غادَرَت الحياة نهائيًا ولم تعد سوى جثّة هامدة ستندثر وتتلاشى في تربتها التي عاشرتها سنوات طويلة..

أيّها الموت، سينطفئ العالم وستبقى كمنزل في جبل لُعِنَ من الآلهة وهجرته الطيور وخذله شموخه. ستعزف لحنًا حزينًا كنواقيس الكنائس القديمة التي أكلها الصدأ.. ستصعد الى أعلى مئذنة وتنادي للصلاة، صلاة الغائب الذي ذهب ولن يعود أبداً وستفهم بعد مدّة أنّ عليك تسجيله في دفترك.. في خانة الوفايات.

ستكتب: عالم من البشر الذين تكاثروا كحبات تراب واندثروا في لمح البصر على إثر عاصفة لم ينج منها أحد..

(بلى.. نجوت أنت أيّها الموت

نجوت وحيدًا وخرجت من غارك كيونس من قلب الحوت

قلّبت أرجاء العالم ولم تعثر على أثر لأحد يتنفّس

كنت دقيق الملاحظة ولكنّ هلعك جعلك تنسى الجرح..

الجرح الذي ينزف في صدر العالم..

هو في الحقيقة جرحك أنت..

أنت، أيّها الموت، لا حاجة لقواك الخارقة بعد الآن، لست مطالبًا باختراق وبلوغ البروج المشيّدة..

لا أحد يفرّ منك

ذهب الجميع وتركوك تصارع جرحًا ينزف..

ستبكي بحرقة

ستجمع ما تبقى لك من بأس

تحمل نفسك وتضعها بجانبك

وتشرع في الحفر..

ستحفر أعمق القبور وأشدّها وحشة

قبرك أنت، أيّها الموت..

ستجثو على ركبتيك حافيًا، عاريًا بدون ردائك الليليّ

تسقي الأرض بدموعك المنهمرة

تهرب من مشنقة الوحدة المتدلية فوق رأسك

وتغوص في التربة بجانب تلك الجذور المتمرّدة

سترفع عينيك آخر مرّة

لترى جرح العالم الذي ما زال ينزف..

 

اقرأ/ي أيضًا:

البكاء في مواجهة الموت

من دفتر يوميات الموتى