06-يونيو-2023
لوحة لـ محمد بن لامين/ ليبيا

لوحة لـ محمد بن لامين/ ليبيا

الساعة الثالثة إلا ربع صباحًا، في مدينة تشبه الكثير من المدن التي من حولنا. التاريخ الحادي عشر من شهر مارس من أي سنة يختارها القارئ.

جلس على عتبات إحدى الإدارات وسحب الهاتف من جيبه، اتصل بأحدهم:

- ألو، أريد أن أراك حالًا، أحتاجك.

أجابه صوت ناعس

- الآن؟

- نعم الآن، أنا قبالة بيتك.

ثم أغلق الاتصال دون أن ينتظر الإجابة. انقلبت إلى الجهة اليمنى وكأنها كانت في حلم. الهاتف يرن من جديد.

ـ مازلت أنتظر، رقمي هو 425

ـ عن أي رقم تتحدث؟

ـ لقد سمعت المسجل الآلي يقول رقم 424 يتقدم إلى الشباك رقم واحد، إذًا رقمي سيكون 425.

أدركت ساعتها أنه لن يتزحزح من مكانه إلا عندما تنزل لرؤيته. ارتدت بسرعة ثيابها وغادرت البيت محاولة عدم إصدار أي جلبة.

عندما خرجت من باب العمارة رأته جالسًا على عتبة الإدارة ممسكًا هاتفه بين يديه، نهض عندما رآها تقطع الطريق نحوه.

- هل أنت مجنون! هل تعرف كم الساعة الآن؟

- لا أدري ولا أريد أن أعرف، كل ما أريده الأن هو احتضانك وأن أنام بين ذراعيك.

أدركت من نظرته الجاحظة وتعرق يديه أنه لم يثقل في الشرب، بل إنه قد أخذ مخدرًا هذه المرة. سبقها في الصعود إلى الشقة في الطابق الثالث، عند دخولهما غرفته احتضنها وأخفى رأسه بين ثدييها كطفل صغير. بقيا على هذا الوضع قرابة الربع ساعة ثم استلقيا على الفراش. قبلها طويلًا ثم أبعد وجهه سائلًا هل تدخنين معي؟

هزت رأسها موافقة لا لأنها تريد التدخين، بل من أجل متعة اقتسام السيجارة ولتخفيف الأثر الذي سيتركه مخدر الحشيش عليه.

سحب نفسًا طويلًا ومرر لها السيجارة. أخذتها وطلبت منه أن يُسمعها آخر مقطوعة ألفها قبل عرض الغد.

عمل على هذا العرض مطولًا، اعتكف في بيته فكان قليلًا ما يغادره. الليلة وبعد إلحاح طويل من صديقه ذهب للقائه في أحد البارات. كان رأسه يعج بموسيقى صاخبة طوال السهرة، كانت موسيقاه هو التي ما زالت تدور في رأسه.

انقطع عن العالم الذي حوله فلم يعد يرى من الوجوه غير أشباح تتحرك بعيون تصغر وتكبر على حسب الموسيقى التي تطرق رأسه.

لم يكن مفعول الحبة الأولى قويًّا بما يكفي، فأخذ حبة ثانية رغم محاولات المنع التي قام بها صديقه، لكنها آلت كلها للفشل، فقد كان رأسه صلبًا كحجر الصوان، لا يمكن أن يعدل عن رأيه ويغيره حتى وإن كان فيه هلاكه.

ملّ المكان ومن يتراقصون حوله، فلم يجد من حل إلا أن يغادر البار متجهًا إلى البيت، إلا أن ساقيه حملتاه إلى بيتها هي.

وضع السماعات على رأسها وطلب أن تضغط بقوة على أذنيها ومع أول النوتات الموسيقية الهادئة بدأت في هز رأسها ببطء شديد، ثم ازداد نسق الموسيقى قوة وحدة، شيئًا فشيئًا، إلى درجة أنها لم تعد تحتمل ذلك، لكنه سارع بتثبيت السماعات على أذنيها بشدة، حاولت إفلات رأسها لكنها لم تستطع فالضغط كان قويًّا جدًا، ترجته أن يُفلت رأسها لكنه لم يفعل فهو لا يسمعها فقط ينظر إليها بعينين جاحظتين حمراوين إلى أن رأى الدموع تنهمر من عينيها ساعتها فقط أدرك أنه قد تعدى الخط الأحمر.

وضعت السماعة جانبًا وهي ترتعش والدموع لا تزال تغطي وجهها، اقترب منها واحتضنها بشدة متأسفًا لما فعل مبررًا أنه لم يقصد إيلامها لكن شيئًا خفيًا دفعة لذلك.

وكان وجهك والتعابير التي رأيتها عليه دفعتني إلى تثبيت السماعة أكثر، أردت أن تحسي بالموسيقى إلى درجة الالتحام بها، أن تنغرس في خلايا رأسك أن تلتحم النوتات الموسيقية بالأوكسيجين الذي يسري في جسدك، أردت بشدة أن تتوحدي معها فهي تشبهك جدًا، تشبهك حد التماهي.

لم يفلت رأسها وهو يحدثها إلى أن جفت الدموع من على خدها وخف الألم الذي كأن يطرق رأسها. بقي ينظر في عينيها وكأنه يسألها عن رأيها.

ـ هناك شيء غريب، لا بل مؤلم وكأنك بصدد جلد نفسك وأنت تسمع هذه المقطوعة. جميلة حد الوجع، إنها مثل ذلك المغص الذي ينتابك فجأة عند الشعور بالفرح أو الألم الشديد فترغب في التقيؤِ وتدمع عيناك من شدة الاضطراب الذي تحسه في معدتك. قلت لي إنها تشبهني، أخبرني كيف؟

ـ نعم هي مثلك تمامًا، هادئة في البداية وحنونة، تجعلك تبتسمين عند سماع المقطع الافتتاحي لكنها تتغير بشكل تصاعدي فتصبح أكثر سرعة، وكأنك أنت عندما تتحمسين في الحديث وتعارضين ملوحة بيديك محركة رأسك وكتفيك، حتى حاجباك يتحركان. وعندما تغضبين تصبحين كبركان هائج، هنا يحتد نسق الموسيقى فيصبح صاخبًا جدًا، وكأنك تسمعين ضرب المطارق على الحديد وترين الشرار يتطاير في الفضاء. وقد جعلت من ذلك التسجيل الذي أخذته لك وأنت تمشين مرتدية ذلك الحذاء الأحمر ذي الكعب العالي القاعدة التي أضفت عليها آلات ثانية ودمجتها معها لتصبح خطواتك هي التي تتحكم في نسق المقطوعة. هل تعلمين أنه لا ينقصها إلا رائحة عطرك حتى تكتمل. لو كأن بإمكاني تحويل الرائحة لمقاطع موسيقية لفعلت.

ـ غريب أمرك أيها المواطن رقم 425، تقوم بإخراجي من بيتي الثالثة فجرًا لتسمعني مقطوعة تزعم أنها تشبهني.

قالت بسخرية وهي تنقض عليه لتعضه من ذراعه، ثم تمطره بوابل من القبل في كل مكان، من وجهه و جسده.

الثاني عشر من شهر مارس، يوم لا يشبه كل الأيام لم تتوقع أنه سيكون يومًا حافلًا. انسلت من تحت الغطاء وارتدت ملابسها بسرعة دون أن تحدث جلبة. غادرت شقته منطلقة نحو محطة الحافلات محاولة عدم التأخر عن عملها، مر يومها بشكل عادي، معاملات إدارية وما يتبعها من روتين مقرف. رن هاتفها وهي في أول الشارع الذي يؤدي إلى بيتها، توقعت أن يكون هو المتصل، لم تدم المكالمة إلا بضع ثوان وأغلقت هاتفها.

أسرعت الخطى نحو المنزل، رمت حقيبة اليد على السرير وغيرت ملابسها بسرعة. قميص شفاف أسود تحته حمالة صدر سوداء، تنورة جلدية وحذاء جلدي أسود حتى الكعبين. وضعت قلمًا أسود في عينيها جعلته كثيفًا جدًا ليبرز أكثر سواد عينيها وأحمر شفاه فاقع.

انطلقت في سيارة أجرة إلى النادي الذي ستقام فيه الحفلة. كان المكان قليل الازدحام، بحثت عنه بعينها فوجدته في آخر الرواق المؤدي إلى كواليس المسرح، أسرعت إليه والابتسامة تعلو وجهها، مُحاولة إخفاء الارتباك الذي اعتراها فجأة.

بدا عليه القلق الشديد خاصة أنه هو من سيختتم الحفلة، ووصلته تمتد لساعتين متواصلين.

- خفت أن تتأخري، لا تبتعدي عني. وأمسك يدها بقوة.

أحست بارتعاشة خفيفة في يديه وارتعاش حاول إخفاءه بالضغط على يدها، علمت من حالته تلك أنه قد أخذ مخدرًا ما. مرت الساعات مسرعة إلى أن أتى دوره، اعتلى المنصة فهتف الجمهور كله باسمه.

بدأت الموسيقى هادئة ثم تصاعد النسق، كانت تعلم إلى أي يحد يمكن أن يصل به التصعيد غير أنها لم تتوقع منه أن يغير في بعض الحركات، والتي زادت من جمال نهايات بعض المقاطع. شارف الحفل على نهايته فلم يتبق منه إلا نصف ساعة فقط، بلغت الموسيقى أقصى حدود الجنون والرقص، كذلك لم يعد يرى من الحلبة إلا كتلة سوداء ترتفع وتنخفض في نسق متناغم وكأنها جسد واحد.

لم تستطع الرقص على موسيقاه كالعادة بل ظلت واقفة وراءه تراقب كل تحركاته، كان جسمه يتحرك مع الموسيقى وكأنها تخرج من داخله، من روحه تتوحد مع أنفاسه. فجأة ساد الصمت المكان وانطفأت الأضواء.

المواطن رقم 425، هكذا كُتب على الشاهد. وضعتْ زهورًا سوداء على القبر، قرأت الفاتحة ثم أخذت من حقيبتها مسجلًا صغيرًا وضعته عند رأسه بجانب الشاهد أين صدحت منه إحدى أحب المقطوعات على قلبه. غادرت المقبرة تاركة وراءها قبرًا دون اسم تنبعث منه موسيقى صاخبة.