المواجهة بين أفغانستان وباكستان.. هل تتطور نحو صراع أوسع؟
12 أكتوبر 2025
أعلن الجيش الباكستاني، ظهر اليوم الأحد، عن مقتل 23 من جنوده جراء الاشتباكات التي اندلعت على الحدود، ليلة البارحة، مع القوات الأفغانية.
وجاءت الاشتباكات على خلفية اتهام كابل لإسلام آباد بتنفيذ ضربات جوية استهدفت عمق الأراضي الأفغانية، وهو ما تطلّب "ردًّا حاسمًا" بحسب وزارة الدفاع الأفغانية.
وبالرغم من إعلان كابل انتهاء "العملية العسكرية المحدودة"، وتدخّلِ مجموعة من الوسطاء لاحتواء التوترات بين البلدين، إلا أنّ الأزمة بينهما مرشحة للتفاقم وصولًا إلى الحرب بسبب اتهام الباكستانيين للأفغان بمواصلة تغذية ودعم حركة طالبان الباكستانية.
عملية خاصة محدودة
تحت هذا الوصف قدّمت كابل روايتها للأحداث، مؤكدة أنّ العملية التي نُفّذت على طول "خط ديورند" أصابت أهدافها بدقة. وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الأفغاني عناية الله خوارزمي أنّ العملية جاءت "ردًا على الانتهاكات المتكررة والضربات الجوية التي استهدفت الأراضي الأفغانية بمبادرة من الجيش الباكستاني". مشيرًا إلى أنّ "القوات المسلحة الأفغانية مستعدة للتفاعل والتحرك بحزم".
وذات الرسائل أعاد وزير الخارجية الأفغاني التأكيد عليها، اليوم الأحد، معلنًا عودة الأوضاع إلى طبيعتها في المناطق الحدودية، معربًا عن أمله في أن تكون إسلام أباد استوعت الدرس وباتت على يقين بأن "لدى أفغانستان طرقًا أخرى للتعامل مع الوضع إذا لم يرغب الطرف الآخر في الحوار"، داعيًا باكستان إلى "السيطرة على مشكلة الحركات المسلحة داخل حدودها"، وذلك في إشارة إلى أن أفغانستان لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي عمل عسكري مسلح تقوم بها باكستان على الأراضي الأفغانية.
وتركّزت الاشتباكات التي اندلعت يوم أمس في 4 ولايات تقع جميعها على خط ديونرد الذي يفصل بين باكستان وأفغانستان، وهذه الولايات هي "كونار وننغرهار وبكتيا وخوست وهلمند".
وارتفعت وتيرة العمليات القتالية مع الساعات الأولى لبدء المواجهة من استخدام الأسلحة الخفيفة إلى استعمال المدفعية الثقيلة، بحسب ما نقلت وكالة فرانس برس عن مصادر محلية.
شهدت المناطق الحدودية بين باكستان وأفغانستان، يوم أمس، اشتباكات عنيفة تركزت في خمس ولايات أفغانية تقع على امتداد خط ديورند، هي: كونار، ننغرهار، بكتيا، خوست، وهلمند
أما باكستان فقد أكّدت على لسان وزير خارجيتها محمد إسحاق دار أن إطلاق القوات الأفغانية النار كان "غير مبرر"، مضيفًا أنه يتوقع أن تتخذ حكومة بلاده تدابير ضد من وصفهم بـ"الإرهابيين" الساعين لعرقلة العلاقات الباكستانية الأفغانية.
وكان الجيش الباكستاني قد بث قبل وقف إطلاق النار مقاطع تظهر تعامله مع أهداف داخل أفغانستان وبالتحديد على الحدود جنوب وزيرستان زاعمًا أنها تعود لإرهابيين ينقلون الأسلحة ويخططون لتنفيذ عمليات هجومية داخل الأراضي الباكستانية، مشيرًا بأصابع الاتهام إلى طالبان باكستان التي تحصل على دعم من نظيرتها في أفغانستان.
لكن التصعيد الباكستاني، حسب كابل بدأ قبل ذلك بأربعة أيام، حيث تتهم القوات الأفغانية نظيرتها الباكستانية بالوقوف وراء التفجيرين اللذين استهدفا كابل الخميس الماضي بالإضافة لتفجير آخر في جنوب شرق البلاد، واعتبرت الحكومة الأفغانية، في بيان صادر عنها، الجمعة الماضي، أنّ باكستان "انتهكت سيادتها"، ولم تعلن باكستان تبنّيها رسميًا للهجمات لكنها أكدت على حقها في الدفاع عن نفسها ضدّ من تصفهم بـ"الإرهابيين والمتمردين" الذين يهددون أمنها، ودعت الحكومة الباكستانية نظيرتها الأفغانية إلى "التوقف عن إيواء عناصر من حركة طالبان الباكستانية".
يشار إلى أنّ حركة طالبان باكستان كثفت مؤخرًا من هجماتها في المناطق المحاذية لأفغانستان، وتتحدث مصادر الجيش الباكستاني عن سقوط المئات من الجنود بسبب هجمات حركة طالبان باكستان في العام 2021. ووصل عدد القتلى الباكستانيين خلال عام 2024 لوحده 1600 قتيل معظمهم من الجنود.
وتربط إسلام آباد بين عودة طالبان أفغانستان للحكم وبين عودة نشاط فرع الحركة الباكستاني. لكن كابل تنفي في المقابل الاتهامات الباكستانية وتشدد على ضرورة أن لا تنقل إسلام آباد المعركة مع التنظيمات إلى الأراضي الأفغانية. وتزيد أفغانستان على ذلك باتهام باكستان بمد يد المساعدة لتنظيم الدولة الإسلامية المكنّى "داعش" الذي يمثل تحديًا أمنيًا لطالبان في أفغانستان بعد مغادرة القوات الأميركية.
احتمالات التصعيد رغم الوساطات
رغم الإعلان عن وقف مؤقت لإطلاق النار، تتجه التوترات بين باكستان وأفغانستان نحو مزيد من التصعيد. فقد أعلن وزير الدفاع الباكستاني، خواجة محمد آصف، عن فشل الجهود الرامية لإقناع كابل بالتوقف عن دعم حركة طالبان باكستان، مؤكدًا أن إسلام آباد "لن تتسامح مع من يسهّلون إدخال الأسلحة إلى باكستان أو دعم الحركات الإرهابية سواءً داخل الأراضي الباكستانية أو الأفغانية". ويُعد هذا التصريح بمثابة إشارة واضحة إلى استعداد باكستان لتنفيذ عمليات عسكرية خارج حدودها، وهو ما ينذر بإمكانية انتقال التوتر إلى مرحلة المواجهة المفتوحة.
في المقابل، أفادت وكالة "رويترز" بأن قطر والسعودية تدخلتا للوساطة بعد تبادل إطلاق النار بين الجانبين، في محاولة لاحتواء التصعيد. كما أصدرت كل من الدوحة والرياض وطهران بيانات منفصلة دعت فيها إلى "ضبط النفس"، و"تغليب لغة الحوار"، و"إنهاء الاشتباكات"، لتجنيب المنطقة مزيدًا من التوتر وعدم الاستقرار.