المهاجرون ضحايا الانتهاكات في ليبيا: "الإفراج عن انجيم خيانة لمعاناتنا"
28 يناير 2025
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا على المستوى الدولي، أفرجت السلطات الإيطالية عن الضابط الليبي أسامة انجيم، أحد المشتبه بهم الرئيسيين في ارتكاب جرائم حرب في ليبيا.
وأوضحت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن هذا القرار أثار موجة من الغضب بين الناجين من الانتهاكات التي يُعتقد أن انجيم كان مسؤولًا عنها.
غضب الناجين: "كنا نأمل في العدالة"
وصفت منظمات حقوقية دولية الخطوة بأنها ضربة قاسية لتحقيق العدالة. وبحسب ما ورد في تقرير "الغارديان"، فإن الإفراج عن الضابط الليبي، الذي كان محتجزًا في إيطاليا، مثّل خيبة أمل كبيرة للضحايا الذين كانوا يعوّلون على محاسبته.
تجدر الإشارة إلى أن انجيم كان مسؤولًا عن مرافق السجون في طرابلس، بما في ذلك سجن معيتيقة، منذ شباط/فبراير 2015. ويواجه اتهامات بقيادة ميليشيات مسلحة تورطت في انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان في ليبيا، بما في ذلك التعذيب، القتل، والاستغلال الجنسي للمهاجرين المحتجزين في مراكز الاعتقال
أحد هؤلاء الناجين، وهو لاجئ جنوب سوداني يبلغ من العمر 27 عامًا، قال للصحيفة البريطانية: "اعتقدنا أن إيطاليا ستكون مكانًا يتحقق فيه العدل، ولكن الإفراج عنه يعني أننا قد لا نرى العدالة أبدًا".
يعيش هذا اللاجئ حاليًا في إيطاليا بعد أن هرب من ليبيا قادمًا من جنوب السودان. الشاب هو مؤسس مشارك في منظمة غير حكومية تُسمى "لاجئون في ليبيا"، والتي تعاونت مع المحكمة الجنائية الدولية والمؤسسات الدولية الأخرى لتقديم أدلة حول انتهاكات انجيم.
محكمة إيطالية أمرت بإطلاق سراح الضابط الليبي أسامة انجيم، المعروف بلقب "المصري"، بعد اعتقاله في مدينة تورينو الإيطالية بناءً على مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) January 22, 2025
اقرأ أكثر: https://t.co/FNwyZABB2u pic.twitter.com/LOQwYmTjWG
يقول الشاب اللاجئ: " انجيم كان في إيطاليا، بالقرب مني … من يعلم إن كان يبحث عني وعن جميع من شهدوا جرائمه المزعومة؟ نحن نعيش في خوف دائم، ولكن كيف يمكننا أن نشعر بالأمان في بلد كان يُفترض أن يوفر لنا الحماية ولكنه بدلًا من ذلك يحمي مُعذبًا مزعومًا؟ أنا أجد صعوبة في استيعاب ما حدث. كل ما تبقى لنا هو أصواتنا، وحتى هذه يتم مهاجمتها من قبل أولئك الذين يريدون إنكار معاناتنا".
الدور الإيطالي
انتقد الشاب اللاجئ الدور الذي تلعبه إيطاليا في التعامل مع المهاجرين، حيث أشار إلى أن الاتفاقية التي أبرمتها إيطاليا مع خفر السواحل الليبي منذ عام 2017، والتي تهدف إلى اعتراض المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط وإعادتهم إلى ليبيا، تعرض اللاجئين للخطر.
يلفت إلى أن "هذه الاتفاقية هي بمثابة حكم بالإعدام. أعداد لا حصر لها من الأشخاص قُتلوا بسبب هذه السياسة، سواء بإعادتهم من البحر الأبيض المتوسط، أو بإلقائهم في مراكز احتجاز، أو حتى في الصحراء". وأضاف: "ما عشته أنا وغيري ليس فقط بسبب الليبيين. إيطاليا متواطئة ويدها ملطخة بالدماء".
📌 أعاد تداول مقطع فيديو يعرض تعذيب فتاة إثيوبية في #ليبيا تسليط الضوء على الانتهاكات المروعة التي ترتكبها عصابات الاتجار بالبشر.
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) January 11, 2025
📌 تحتجز هذه العصابات المهاجرين الذين يسعون للوصول إلى #أوروبا، وتبتز عائلاتهم بطلب فدية لإطلاق سراحهم. pic.twitter.com/R2XRbc9DoT
الانتهاكات في السجون الليبية
يروي الشاب تجربته في سجن الجديدة عام 2019 قبل أن يتم نقله إلى سجن معيتيقة، حيث تعرض لانتهاكات مروعة. وأشار إلى أن انجيم كان متورطًا بشكل مباشر في تعذيبه، حيث كان يجبره على القيام بأعمال شاقة مثل العمل في بناء سجن جديد ونقل أسلحة ثقيلة. كاشفًا عن أن الضابط الليبي كان يجلده بأنبوب مياه أو يأمر الحراس المسلحين بأسلحة كلاشينكوف بجلده أو ضربه عندما يرتكب أي خطأ بسبب الإرهاق أو الجوع.
وأضاف: "كان انجيم يهاجم أي مهاجر يصادفه. إذا كنت تأخذ استراحة أو إذا سقط حجر على قدميك، فإنه يسرع إليك ليجلدك".
الهروب إلى الحرية
تمكن المتحدث من الهروب من السجن عام 2020، حيث تسلق جدارًا يبلغ ارتفاعه خمسة أمتار تحت جنح الظلام. اختبأ في ليبيا لبعض الوقت قبل أن يتمكن من العبور إلى إيطاليا بالقارب في حزيران/يونيو 2022. وأكد أن طلبات لجوئه المتعددة أثناء وجوده في ليبيا رُفضت، لكنه حصل على اللجوء في إيطاليا بعد وصوله.
تجدر الإشارة إلى أن انجيم كان مسؤولًا عن مرافق السجون في طرابلس، بما في ذلك سجن معيتيقة منذ شباط/فبراير 2015، ويواجه اتهامات بقيادة ميليشيات مسلحة تورطت في انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان في ليبيا، بما في ذلك التعذيب، القتل، والاستغلال الجنسي للمهاجرين المحتجزين في مراكز الاعتقال. ويُعتقد أن الميليشيات التي قادها عملت بشكل مباشر في مراكز احتجاز تُشرف عليها شبكات تهريب البشر.
محاكمة صعبة وقرار مثير للجدل
وفقًا لتقرير الصحيفة البريطانية، فإن محكمة إيطالية قضت بالإفراج عن انجيم بحجة عدم كفاية الأدلة المقدمة لإدانته وفقاً للمعايير القانونية. القرار جاء على الرغم من مذكرة التوقيف الدولية الصادرة بحقه في عام 2023 عن المحكمة الجنائية الدولية، والتي تتهمه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
لكن الصحيفة أشارت إلى أن هذا القرار يُظهر التحديات التي تواجه المحاكم الوطنية في التعامل مع القضايا المعقدة المتعلقة بجرائم الحرب، خاصة تلك التي تتطلب تعاونًا دوليًا شاملًا وإثباتات دقيقة تتماشى مع قوانين كل دولة.
وتبقى قضية انجيم وتساهل السلطات الإيطالية معها مثالًا صارخًا على تحديات تحقيق العدالة الدولية، وسط انتقادات حادة من الضحايا والمنظمات الحقوقية لإيطاليا على خلفية إطلاق سراحه.
انتقادات حقوقية ودولية
أثار القرار استنكارًا واسعًا من قبل المنظمات الحقوقية الدولية. وذكرت "الغارديان" أن منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصفت الخطوة بأنها "فشل ذريع في تحقيق العدالة للضحايا". كما طالبت منظمة العفو الدولية إيطاليا بمراجعة قرار المحكمة، مؤكدة أن مثل هذه الخطوات تُرسل رسائل خاطئة إلى مرتكبي الجرائم في ليبيا.
نشطاء ليبيون تداولوا على مواقع التواصل الاجتماعي صورًا ومقاطع مصورة لسيارة "البيدجا" وهو داخلها مقتولًا وعليها آثار الرصاص.https://t.co/jzestP2K8T
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) September 2, 2024
وقال بيان منظمة العفو الدولية: "لا يمكن السماح لأي شخص متهم بجرائم ضد الإنسانية بالإفلات من المحاسبة بهذه السهولة". وأضافت الصحيفة أن الإفراج عن الضابط الليبي يثير مخاوف بشأن التزام الدول الأوروبية بملاحقة المشتبه بهم في قضايا جرائم الحرب.
أبعاد أوسع للقضية
كما أشارت "الغارديان" إلى أن قضية انجيم تُلقي الضوء على الفجوات الكبيرة في النظام القضائي الدولي عندما يتعلق الأمر بمحاكمة المتورطين في جرائم ضد الإنسانية. فبينما تعتمد المحاكم الوطنية على قوانينها الداخلية، تُظهر مثل هذه القضايا الحاجة الملحة لتعزيز التعاون بين المحاكم الوطنية والدولية لضمان المحاسبة.
وتجدر الإشارة إلى أن ليبيا شهدت منذ عام 2011 انهياراً في سيادة القانون، مما أدى إلى انتشار الميليشيات المسلحة وانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، خاصةً في مراكز احتجاز المهاجرين.
هل العدالة ممكنة؟
بحسب تقرير "الغارديان"، فإن قرار الإفراج عن الضابط الليبي أسامة انجيم يُعد نقطة سوداء في سجل العدالة الدولية، ويثير أسئلة حول مدى جدية الدول في ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية. وبينما يستمر الضحايا في المطالبة بالمحاسبة، تواجه إيطاليا ضغوطًا متزايدة من المجتمع الدولي لإعادة النظر في قرارها، وضمان تقديم انجيم للمحاكمة على الجرائم التي يُتهم بارتكابها.