المنفى.. كحياة مؤجّلة

المنفى.. كحياة مؤجّلة

بيت هاينريش بول (موقع المؤسسة)

كأنه كان عليّ أن أنتظر حتى آذار/مارس 2011 حيث بدأت القصة السورية برمتها، لتبدأ معها قصتي الشخصية. في هذا التاريخ الحاسم بدوت وكأنني اكتشفت أن كل شيء صنعته، وأسّسته، وفكّرت فيه، وكتبته، وعشته كان تاريخًا عدميًا أو يكاد. أن تكتشف بعد زمن استغرق أكثر من نصف حياتك أن شعبك وبلدك وأنت كنتم تعيشون في الزمن المسروق، المزيف، والإرغامي، وأن على كل شيء أن يبدأ من جديد، فذلك يعطي تلك اللحظة بعدها التاريخي الحاسم، حيث ما بعدها غير ما قبلها على نحو مطلق.

استحوذ نظام الأسد على الوجود السوري برمته، وأعاد ترتيبه ليكون هو السيد، ونكون نحن العبيد

إننا كسوريين نعرف جيداً النظام الفاشستي السوري. نعرفه مثلما يعرف المرء فضائحه، مثلما يعرف عاره، مثلما يعرف أمراضه. فهو موجود في كل مكان: في أحاديثنا مع إخوتنا، مع أطفالنا، مع أمهاتنا، مع حبيباتنا، مع زوجاتنا... موجود مثل هواء فاسد علينا أن نتنفسه أو نموت. إنه ملتصق بنا مثل بثور على الجلد، مثل الدمامل. نعرفه من آثار غياب أحد أفراد العائلة أو أحد الأصدقاء في سجونه، نعرفه من جثث القتلى تحت التعذيب، من جثث الأطفال الطرية الهادئة التي ماتت مختنقة بالكيماوي. نعرفه من دمائنا في الشوارع. نعرفه منذ أن صمت السوريون ذلك الصمت المدوي، وجعلوا للجدران آذانًا تسمع. نعرفه مثلما يعرف القتيل، في الحكايات القديمة، قاتله.

اقرأ/ي أيضًا: في ثقافة الناس

نعرفه من المخبرين الداشرين كالضباع في الشوارع والأمكنة، من تلصصهم على حياتنا العلنية والسرية، من نظراتهم الملتصقة على نوافذنا، من آذانهم المتطاولة في أفواهنا.

نعرفه من حياتنا المهددة والمهدورة. نعرفه من بيوتهم الفاخرة وبيوتنا في أحياء المخالفات، من سياراتهم الفارهة ومن أقدامنا المتورمة، من وجوههم المنتفخة من كثرة ما امتصوا دماءنا، ومن وجوهنا المجعدة والمتشققة.

استحوذ نظام الأسد على الوجود السوري برمته، وأعاد ترتيبه ليكون هو السيد، ونكون نحن العبيد. احتكر التاريخ وفسّره وأوّله، وأرغمنا، كسوريين، على القبول به واعتباره تاريخنا.

في آذار/مارس من العام 2011، قرّر السوري استعادة حياته ووجوده وتاريخه. السوري يعرف أن لا نظام سياسيًا بالمعنى المعاصر في سوريا، لا مؤسسات قانونية أو دستورية أو برلمانية يمكنه اللجوء إليها لتحصيل حقوقه المنهوبة، بل يوجد في سوريا عصابة، "مافيا" تتحكم بالناس ومصائرهم. في الوثائق الشفوية للمجتمع السوري أن الناس يسمون سوريا "مزرعة الأسد" وأنهم مجرد خدم يعملون فيها إرغاميًا، مقابل البقاء على قيد الحياة. فخرج السوريون، كما تفعل الشعوب العريقة، إلى الشوارع والساحات مطالبين بحقوق بسيطة، حقوق الحياة. لم يكونوا يملكون سوى حناجرهم، طالبوا بسوريا مدنية، ديمقراطية، تعددية، سوريا بلا استبداد.

السوري يعرف أن لا نظام سياسيًا بالمعنى المعاصر في سوريا، لا مؤسسات قانونية أو دستورية أو برلمانية يمكنه اللجوء إليها

تاريخ الثورة، وتاريخ دماء السوريين الذي لم يزل طريًا وطازجًا، يروي أن نظام العصابة هذا ومنذ اللحظة الأولى لخروج المتظاهرين في درعا (جنوب سوريا) -المدينة التي تعتبر مهد الثورة- واجههم بالرصاص الحي وقتل عددًا منهم، وجرح الكثيرين، ثم مات، لاحقًا، قسم من هؤلاء الجرحى.

اقرأ/ي أيضًا: حذف فلسطين

وعندما شعر النظام أن المظاهرات لن تتوقف، وأنها بدأت بالانتشار، كان أن أنزل دباباته إلى الشوارع والأحياء، ونشر جيشه داخل المدن والقرى، ونصب الصواريخ على منصاتها، وأطلق شبيحته وسلّحهم وأعطاهم الأوامر بالتشنيع على الناس لإرهابهم وإعادتهم إلى "بيت الطاعة"، وعبر وسائل إعلامه وإعلام داعميه راح ينشر إشاعات تقول إن المتظاهرين "إرهابيون" ليقدم نفسه على أنه "يحارب الإرهاب"!

وكي يثبت ادعاءه كان أن ركّز في بدايات قمعه المتوحش للثورة على إخراس وتغييب الأصوات الديمقراطية، المدنية. بمعنى: كان أن ركز، بلا هوادة، على تغييب الخطاب الوطني الديمقراطي المدني، فاعتقل الكثير من ناشطي الثورة حملة هذا الخطاب، وقتل الكثير منهم تحت التعذيب. ترافق ذلك بطبيعة الحال مع اعتقال وقتل المتظاهرين في الشوارع والساحات، وملاحقة ناشطي الإغاثة والناشطين المدنيين ومطاردتهم في كل مكان، الأمر الذي أدى إلى قيام الكثير من معارضي النظام، حتى غير الناشطين، بالتخفي ثم الهرب خارج الأراضي السورية.

في الشهر السادس من العام 2011، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر على انطلاق الثورة كان أن فصلني النظام من عملي كمدير تحرير إحدى الجرائد الثقافية نتيجة مواقفي المؤيدة للثورة. قال لي أحد المسؤولين في وزارة الثقافة حيث كنت أعمل، بحضور أحد رجال الأمن، إن عليّ أن "أخرس" وأن "ألتزم" البيت، وإلا فلن ينفعني كوني شاعرًا وكاتبًا ومدير تحرير جريدة ثقافية.

وصلتني معلومات من "فاعلي خير" أن ثمة تقارير أمنية كُتبت ضدي، لكن "فاعلي الخير" هؤلاء أحرقوها، الأمر الذي زوّد قلقي وارتيابي، وجعلني أتعامل بحذر مع تفاصيل حياتي اليومية والعامة مثل طفل كلما اقترب من النار ابتعد عنها!

في الشهور الأولى من العام 2013 وصلتني دعوة من مؤسسة "هاينريش بول" الألمانية، مشكورة، لأكون كاتبًا زائرًا في "بيت هاينريش بول" في إحدى ضواحي مدينة كولونيا الجميلة. في تلك الأثناء ترددت كثيرًا في مغادرة سوريا، إذ كيف أترك بلدي الثائر والذي يتعرض للإبادة. في الوقت نفسه كنت لا أفعل شيئًا في سوريا. كانت الثورة قد تسلحت على نحو إرغامي بعد ثمانية شهور من انطلاقتها، وكانت صواريخ النظام تسقط على الناس على بعد أمتار مني، وطائراته تحلق فوق بيتي، وحواجزه الفاشية تقطع أوصال المدن والأحياء والشوارع... ما يعني أنه حتى الأعمال الإغاثية والإنقاذية التي يحتاجها الناس المنكوبون صارت شبه مستحيلة!

كان ابني "آرام" (10 أعوام آنذاك) قد غادر مع أمه إلى ألمانيا أيضًا، إثر سقوط قذيفة صاروخية بالقرب من الحافلة التي كانت تقله إلى مدرسته في دمشق، وتحطم زجاجها على رؤوس الأطفال، والتي على إثرها قرّرنا، أمه وأنا، أنه لن يذهب إلى المدرسة بعد ذلك، وأننا يجب أن نحميه، فقررنا أنه يتوجب عليهما، ابني وأمه، أن يغادرا إلى ألمانيا، وحدث ذلك في العام 2012. حين أتت السيارة التي ستقل ابني إلى لبنان كان لم يزل يأكل، فخرج دون أن يكمل طعامه، وحين ركب في السيارة ركب إلى جانبه قلبي، بل كان "آرام" هو ذاته قلبي في السيارة، كنت أسمع نبضاته المتسارعة طيلة طريقه المحفوف بالمخاطر إلى لبنان، كنت أسمع بكاءه، وكنت أرى نظرته إلى الخلف، ويده ملوحة لي تودعني... تحولتُ إلى حطام إنسان.

كانت الثورة قد تسلحت على نحو إرغامي بعد ثمانية شهور من انطلاقتها، وكانت صواريخ النظام تسقط على الناس

صوته المرتجف وهو يكلمني من ألمانيا، أسئلته المتلاحقة عن أصدقائه، ألعابه، سلحفاته في البيت، دراجته الهوائية... وكلمته الملحمية: أريدك! كان حاسمًا في قراري بمغادرة سوريا إلى ألمانيا.

اقرأ/ي أيضًا: ثقافة المخابرات: من يدفع للعازف يخترِ اللحن

خلال الفترة العصيبة والمرهقة لاستخراج جواز سفر صالح للاستخدام تم اعتقال عدد من أصدقائي المقربين، الأمر الذي يعني، كاحتمال وارد، أنهم قد يضطرون، تحت التعذيب، لإفشاء بعض المعلومات ولذكر اسمي، وكان ذلك مصدر خوف بالنسبة لي، فلم أكن، بالتأكيد، أرغب في اعتقالي، خاصة أنني جرّبت الاعتقال لمرتين قبل الثورة، وجرّبت طرائق المخابرات السورية الفاشية في التعذيب، على الرغم من أن التعذيب الذي يقع على المعتقل خلال الثورة كان أضعافًا مضاعفة من التعذيب قبل الثورة. قبل الثورة كان الموت تحت التعذيب أمرًا واردًا لكنه قليل، أما خلال الثورة فكان أمرًا منظّمًا ويوميًا. وقد عجّل هذا القلق في مغادرتي، فالتخفي عن أنظار رجال الأمن والشبيحة والمخبرين لفترة طويلة كان صعبًا للغاية حينها، حيث رجال الأمن والشبيحة والمخبرون منتشرون كخنازير هائجة في أحياء من الفخار، وحيث الناس يراقبون بعضهم على مدار الساعة بكل تيقّظ وترقّب وحذر، وكلّ لأسبابه.

غادرت سوريا في الشهر العاشر من العام 2013. كان تلهفي للقاء "آرام" بعد سنة من الغياب أمرًا يشبه "إكسير الحياة" الذي تحدّث عنه الفلاسفة القدماء. يشبه ما يسميه المتصوفون المسلمون: "المشاهدة"، والتي هي مرحلة من مراحل التقرّب من الله يصل إليها المتصوف بعد عناء ومكابدة حيث يتقابل فيها الصوفي مع الله وجهًا لوجه ويشاهده. بدا أنني حيث كنت في طريقي إلى آرام، أنني في طريقي إلى "المشاهدة"! وهذا ما سهّل علي تبريري لنفسي أنني تركت بلدي في لحظة يتعرض فيها للإبادة. لكنه لم يكن كافيًا كفاية لتخفيف حرقة من نوع خاص: وهي أنني لم أتمكن من وداع أسرتي، وخاصة أمي السبعينية المريضة التي توفيت بعد وصولي إلى ألمانيا بأشهر (تموز/يوليو 2014). بكيتها في السر كمهزوم ويائس. كنت أتخيل قبرها على أنه قبر التاريخ. تخيلته مثل كاتدرائية باذخة من العصور الوسطى يدخلها الناس ليعيشوا رهبة الوجود. كان أمرًا مهمًا أنها عاشت حتى رأت حلمي يتحقق مرة واحدة، وهو أن السوريين ثاروا ضد نظام باطش، وأنها رأت عينيّ تضحكان من أعماقهما، كانت تقول: أحب أن أراك مورّدًا. كنت كذلك في الشهور الأولى للثورة على الرغم من أن مئة شخص، كحد وسطي، يموتون كل يوم "جمعة" برصاص النظام. وفي الوقت نفسه كنت أتحسر أنها عاشت حتى شاهدت بلدها وهو يتهدم أمام عينيها، وجيرانها وهم يُقتلون أمام عينيها. ولكم تمنيت لو أنها ماتت قبل ذلك!

في بيروت، مقابل منزل صديقي حيث كنت أقطن، يرتفع علم أصفر على أحد الأعمدة. إنه علم "حزب الله" اللبناني. في الأزمنة القديمة كانوا يرفعون على السفن علماً أصفر كإشارة إلى إصابة أحد أفراد طاقمها بوباء الكوليرا، وذلك حتى لا يُسمح للسفينة بالتوقف في الموانئ. نحن نتذكر رواية "الحب في زمن الكوليرا" لغابرييل غارثيا ماركيز وكيف أن العاشق الكبير في الرواية رفع علم الوباء الأصفر على سفينته كي يوهم الناس والموانئ بإصابته بالكوليرا، فلا تتوقف السفينة. أما في بيروت فعلم "حزب الله" الأصفر هو الإشارة الأكثر وضوحًا إلى أن لبنان مصاب، فعلًا، بالكوليرا، كوليرا "حزب الله". الأمر الذي حدّ من تحركاتي وتنقلاتي وكلامي وعلاقتي بالناس.

*

في الشهر العاشر من العام 2013 وصلت ألمانيا.

آه، لو أن سوريا أرض غير مكتشفة، لو كنت بلا بلد، لو كنت كائنًا من فضاء ما تنقلني الخرافة من أرض إلى أرض لاستطعت العيش في ألمانيا. لوكنت بلا أهل، بلا أم ولا أخوة... لكنني أتيت من بلد يهوي، أتيت هاربًا ومرغمًا، أتيت ملطخًا بدماء جيراني وأصدقائي، أتيت وأنفي مزكم بروائح البراميل المتفجرة، أتيت عبر أشلاء السوريين المتناثرة في الأمكنة جميعها. فكيف أعيش كما ينبغي للقادم إلى ألمانيا!

هزة عنيفة حدثت للذاكرة، واختلف ترتيب الذكريات. بعضها بهت كثيرًا، وبعضها الآخر ازداد توهجًا. بدا أن ذاكرتنا القديمة تهزأ من نفسها.

في بيروت، علم "حزب الله" الأصفر هو الإشارة الأكثر وضوحًا إلى أن لبنان مصاب، فعلًا، بالكوليرا

أنا الذي أعيش هنا أشبه من هو على فراش الموت، يمر شريط حياته أمام عينيه خلال لحظة، مع فارق أنه يمر عليّ هنا على مدار الساعة. الذاكرة الأكثر قوة وحضورًا، وبطشًا ربما، هي المتعلقة بالثورة، ربما قبل ذلك بقليل، منذ الثورة المصرية وحديثنا ولهفتنا وقلقنا من ألا تحدث عندنا ثورة، وبين إيمان غامض أنها ستحدث. تُجدد ذاكرتي على نحو متواصل تاريخ الناس منذ آذار/مارس 2011 وتحتفظ بصورة عن تلك الأمكنة التي اعتدت على تسميتها "أمكنة الثورة".

اقرأ/ي أيضًا: أثر اللاجئ

أنا مقسوم نصفين: نصف هنا ميت، ونصف هناك يريد الحياة.

كان لابد أن أضرب رأسي بالجدار لكي أقنعه أنه هنا وليس هناك. كان على الكتابة أن تنقذني الآن هنا، كما أنقذتني دائمًا هناك. وبالفعل، عكفت على الكتابة. وفّرت لي مؤسسة هاينريش بول كل الإمكانيات لأكتب. الرعاية البالغة والاهتمام العالي اللذين أبدتهما تجاهي جعلا من مشروع أن أكون "كاتبًا زائرًا" متحققًا بالفعل. وأنجزت كتابًا كنت قد عجزت عنه في سوريا بسبب حرب الإبادة التي يشنها نظام البراميل على الشعب السوري.

طيلة وجودي في تلك المؤسسة كنت أسكن في "بيت هاينريش بول". ذلك شرف لي وسعادة. صورته المعلقة على الجدار، أعلى المكتب حيث أجلس، كانت تحفّزني على مواجهة الحرب بالكتابة. جميع الكتّاب الذين قرأتهم وقرأت لهم قالوا ذلك. لكن السؤال الذي لم ينفك يثيرني هو: هل حقًا يمكن مواجهة الحرب بالكتابة؟ وهل أن الكتابة، حقًا، يمكن أن تساعد الناس في أزماتهم الكبرى؟ أم أن الناس يواجهون مآسيهم بقوة الحياة، ويتجاوزونها بقوة الحياة، ويطورون من إمكانياتهم ومن سلوكهم بقوة التجربة؟ أميل، وأنا الكاتب، أن لا أمنح الكتابة تلك المقدرة التي أسبغناها، نحن الكتّاب، عليها، وأمنح تلك المقدرة لتجارب الشعوب وقدراتهم الذاتية.

بعد أن أنجزت الكتاب كان هذا الوهم قد تجلى على صورة شديدة الوضوح والصفاقة، وقد وقف سؤال الجدوى بيني وبين نشره، فلم أنشره حتى تاريخه.

في إحدى المقابلات الصحفية معي لإحدى وسائل الإعلام الألمانية عرّفني الصحفي بأنني شاعر وكاتب سوري لاجئ! لاجئ؟ قلت له: أنا لست لاجئًا، لي أم في سوريا، وأخوة وأخوات وأصدقاء، لي بلد، لي بيت هناك، لي كتب كثيرة، كثيرة جدًا، ولي لغة هناك... وسأعود.

في مدينة "لوبيك" كنت وحيدًا، وحيدًا على نحو صفيق، ومن شدة وحدتي كنت أسمع صوت دمي في الأوردة

وعلى الرغم من كل تلك المكابدة إلا أنني لم أستطع تعريف اللجوء تعريفًا حقيقيًا إلا عندما غادرت بيت هاينريش بول إلى مدينة ألمانية أخرى وليس إلى سوريا. في ذلك البيت كنت صاحب بيت، ضيفًا مُرحبًا به، كاتبًا. إلى أن غادرته وبدأت حياة أخرى مختلفة في "لوبيك" المدينة الساحرة. وتحوّلت، خلال يوم واحد، من صاحب بيت، من كاتب، إلى لاجئ!

اقرأ/ي أيضًا: "اللجوء صناعة غربية".. حوار مع الروائي الفيتنامي فييت ناثه نغوين

في "لوبيك" كنت وحيدًا، وحيدًا على نحو صفيق، ومن شدة وحدتي كنت أسمع صوت دمي في الأوردة. كنت أمشي مثل أمّيِّ لا يعرف القراءة ولا الكتابة، أنا الذي قرأت "كل" الكتب.

في "لوبيك" وقفت أنا وألمانيا وجهًا لوجه كما لو أننا مصارعان على حلبة. وراحت تهزمني المرة تلو الأخرى، بدت قوية جدًا وأنا ضعيف، بدت متماسكة جدًا وأنا متفكك، بدت صلبة جدًا وأنا هشّ... إذ أن لغتها قوية جدًا وأنا بلا لغة.

بدا اللاجئ الذي فيّ يكبر على نحو متسارع حتى صار عملاقًا وابتلعني مثل وحش، ابتلعني حتى لم أعد أرى نفسي، ولم يعد يراني الآخرون. كنت لاجئًا فقط، مجرد لاجئ.

كنت أفسر الأشياء باللغة، كنت أفسر الحياة باللغة، وباللغة كنت أفسر الأفكار والمفاهيم والتاريخ والروح...

في كتاب لي عن الشعر السوري اعتبرت الشعر لغة تقول. انطلقت من اللغة لمعرفة الشعر وتعريفه. وفي كتاب آخر تتبعت أصوات الإنسان الأولى، لغته الأولى؛ اللغة التي أسست وجوده، وكانت عبارة هايدغر: "اللغة بيت الوجود" بمثابة التعويذة التي تمدني بقوة التفسير. أمضيت نصف حياتي بالتفكير حول اللغة وفيها.

جاء في العهد القديم أن قوة شمشون الجبار تكمن في شَعره، وعندما قصّوا شَعره قُتل. كنت أعتبر أن اللغة هي شَعر الكائن، قوّته ووجوده. الكائن بلا لغة كائن ميت. لطالما تباهيت بهذا الشَّعر الذي أملكه، هذه اللغة... في ألمانيا قُصّ شَعري. فبدوت مثل ميت.

بدا اللاجئ الذي فيّ يكبر على نحو متسارع حتى صار عملاقًا وابتلعني مثل وحش، ابتلعني حتى لم أعد أرى نفسي، ولم يعد يراني الآخرون

في إحدى المرات اختارتني سيدة ألمانية، بوصفي صحفيًا سوريًا، لأتحدث في فعالية ما عن اللاجئين: مشاكلهم، معاناتهم، إلى آخره... في اليوم الأخير قبل بدء الفعالية اجتمعنا مع السيدة لوضع اللمسات الأخيرة على النشاط. وكان قد حضر أحد الطلاب السوريين الذين يتحضرون لدراسة الطب في ألمانيا، وكان يعرف التحدث، قليلًا، بالألمانية. أعجبت السيدة بأنه خلال سنة من وجوده هنا يعرف الألمانية ولو قليلًا. وبدا أن مقياس المعرفة والاطلاع بالنسبة إليها هو التحدث، ولو قليلًا، باللغة الألمانية، فطلبت إليه أن يتحدث، هو لا أنا، عن اللاجئين! فسألها أحد الحاضرين: هل من سيتحدث عن اللاجئين سيتحدث بالألمانية؟ أجابت بكل ثقة: لا، بل بلغته الأم، ولدينا مترجم! وللمفارقة أن الحوار في هذه الأثناء كان يجري باللغة الإنكليزية!

اقرأ/ي أيضًا: وقف الهجرة أم وقف الحروب؟

بدوت مثل طائر بلا أجنحة، مثل شمشون بلا شَعر. بدا أن كل الكتب التي قرأتها، والتي كتبتها، والتي شاركت بتأليفها، والتي قدمتها وحررتها... لا معنى لها ولا قيمة. يقول أحد الكتاب العرب القدامى: "تكلّمْ، فإن المرء مخبوء في طيات لسانه". فكيف أتكلم، كيف أكشف عن نفسي، وأنا بلا لسان؟

أستعيد صورتي في سوريا جالسًا بين كتبي الكثيرة، أمام طاولة الكتابة، أتناول كتابًا ثم أعيده إلى مكانه في المكتبة، أتناول كتبًا أخرى وأضعها أمامي على الطاولة، كنت كمن يتحسس وجوده ويلمس جسده ليتأكد أنه هو نفسه. أقرأ بثقة، وأكتب بثقة. أحاور الكتب والكتّاب المرصوفين أمامي في المكتبة وعلى الطاولة وفي المطبخ وعلى الشرفة، حتى على الشرفة أضع الكتب والكتّاب. أحاورهم بصوت عال حتى ليظن الجيران أنني ممسوس. أنا فعلًا ممسوس بالكتب والكتابة والأفكار... جئت إلى هنا بلا كتبي وبلا كتّابي، لا دليل على وجودي، لا دليل لدي أنني أنا نفسي. لا كتب أتحسسها، ولا كتّاب على رفوف المكتبة أحاورهم. أنا هنا مجرد كائن يستعيد صورته هناك. أبدو مثل مشطور؛ نصف يصيح بأعلى صوته: أريد بيتي، أريد أهلي، أريد كتبي وكتّابي.. ونصف صامت أخرس لا يستطيع لا الصراخ ولا قبول الواقع الجديد وليس قادرًا على إنشاء واقع ملائم. أجلس على طاولة الكتابة بلا كتابة، غير مؤمن بالسّير التي أعرفها عن كتّاب منفيين أو مهاجرين ظلوا في أمكنة هجرتهم ومنافيهم فترة طويلة بلا كتابة، ثم عادوا إليها من جديد. أنا لا أصدقهم.

*

للكاتب السوري قضية؛ الشعب السوري الذي يفنى، فإما أن يعمل لقضيته أو يصمت للأبد. لا حلول وسطى لدي، لا أقتنع بذلك.

فكرة عزل الكاتب عن الشأن العام والشأن السياسي هي فكرة سياسية استبدادية روّج لها بعض المثقفين السوريين الذين كانوا يعيشون، حقًا، في أبراج عالية، لا هم يرون الناس ولا الناس يرونهم.

فكرة عزل الكاتب عن الشأن العام والشأن السياسي هي فكرة سياسية استبدادية روّج لها بعض المثقفين الذين كانوا يعيشون في أبراج عالية

عبر متابعتي للفعاليات والأنشطة الثقافية التي يشترك فيها و/ أو ينظمها سوريون في أوروبا، في ألمانيا حصريًا، كان الكثير منهم يتحدث عما يجري في سوريا وكأنه جرى ذات مرة في التاريخ، في بلد ما، حيث المواقف العامة التي لا تشير إلى فاعل بعينه، وكأن الحرب فعل مبني للمجهول، وكأن الناس في سوريا استيقظوا من نومهم ليجدوا أن حربًا ضارية تحدث في بلدهم، فبدا النظام، ضمن هذه المواقف المائعة، مجرد طرف من أطراف النزاع لا سببًا أوحد له.

اقرأ/ي أيضًا: رحلة الموت إلى أوروبا.. 150% زيادة في أعداد وفيات المهاجرين في عرض المتوسط

توماس مان خلال هجرته إلى أمريكا كان يتوجه إلى الشعب الألماني عبر الراديو، ويحذر من الآثار المدمرة للحكم النازي. ولم يقل إنه لا يتدخل في الشأن العام، ولم يعتبر أن الحرب فعل مبني للمجهول، بل اتهم الحكم النازي بلا مواربة وناضل ضده. كذلك فعل الكثيرون ممن نعتبرهم، نحن في سوريا، أمثلة يجب أن تحتذى: حنا آرندت، هاينريش بول، برتولد بريشت، فالتر بينيامين، وغيرهم الكثير.

*

أنا الآن، هنا، في ألمانيا أراقب بلدي ينهار، يتفكك، يُدمّر، وأرى السوريين يواصلون موتهم بجميع طرائق الموت وأشكاله، وتنأى المسافة يومًا إثر يوم بيني وبينه. أملي بانتهاء هذه الحرب خلال فترة قريبة يتضاءل، وأملي بعودة قريبة يتضاءل، وأملي بإمكانية حياة هادئة هنا يتضاءل. ولأنني لست من الذين يظنون بأن الكتابة يمكن أن تنهي الحرب، أو تخفف من معاناة الناس وآلامهم، أو تمنحهم أملًا بخلاص.. أشعر أنني بلا جدوى، بلا تأثير، بل بلا أثر! لكنني، مع هذا، وعلى الرغم منه، سأبقى منحازاً لقضيتي، للسوريين، أكتب لأجلهم، وأصرخ لأجلهم، وأبكي لأجلهم. لن أتوقف عن تسمية القاتل وفضحه بكل الطرق المتاحة والتي يمكن أن أكون قادرًا ذات يوم على إتاحتها. سأضع جميع أصابعي بعين العالم الذي ترك، وهو القادر على الفعل، دكتاتورًا مجرمًا يقتل شعبه على مدار تسع سنوات بشكل يوميّ، دون أن يوقفه عن ذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السوريون في غيابهم السابع

"طلبكم مرفوض".. هل انتهى ربيع اللاجئين في أوروبا؟