"المنظّمة السوداء" في تونس

من مشروع zoo لفن الغرافيتي في تونس

بالنظر إلى التطورات الأخيرة الجارية في تونس، قد يظنّ أولئك المتابعون لسلسلة الأنمي المشهورة "المحقق كونان" أنهم بصدد مشاهدة حلقة جديدة من هذه السلسلة، ولكن في نسخة واقعية أكثر إثارة. الجريمة حاصلة، الضحايا معلومون، والجميع مشتبه بهم.

إن "المنظّمة السوداء" في تونس معلومة بشبكتها ومصالحها وغاياتها

الجريمة هي سلسلة اغتيالات أطاحت بحكومتيْن، وعدد من الأشخاص يلعبون دور المحقّق والباحث عن الحقيقة ويدّعون أنهم يعلمون المُجرم، لكن يخيّر جميعهم تأخير موعد الكشف عن المذنبين. هذا المسلسل المتواصل في تونس قد يُلهم غوشو أوياما، مؤلف سلسلة كونان، إلى كتابة حلقات جديدة وربما جزء خاصّ حول العصابة التونسية.

اقرأ/ي أيضًا: في تونس..أي مصير لحكومة الصيد؟

منذ الحلقة الأولى لسلسلة كونان، وفي مختلف أجزائه، لم يتم الكشف عن قضيّة واحدة وهي قضية "المنظّمة السوداء" التي سمّمت "سينشي" وحوّلته لكونان، والتي لا يُعرف عنها إلا أنّ أعضاءها يلبسون الأسود. ويبدو أن العصابة التونسية على شاكلتها، فلم يتم الكشف عنها بعد وإن بدت مؤشرات متواترة في الأيام الأخيرة على قرب تبيّن الحقيقة.

فقد أعلن الإعلامي ومدير قناة التاسعة الخاصة في تونس، معز بن غربية، منذ أيام في تسجيل من سويسرا، أن لديه جميع المعطيات عن الجهة التي تقف وراء مسلسل الاغتيالات في تونس بل وكشف أن وفاة أكثر من شخصية حقوقية، والتي اُعلن أنها وفاة طبيعية لم تكن حقيقة إلا عملية اغتيال. وأضاف بن غربية أنه تعرّض لمحاولة اغتيال من هذه الجهة خشية أن يكشف ما يعلمه للعموم. وأخذت هذه الإثارة في التصاعد مع محاولة الاغتيال التي تعرّض إليها النائب ورجل الأعمال رضا شرف الدين، إثر نشر هذا التسجيل. بل وتكثّفت الإثارة مع وجود صفحة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك سبق وأن نشرت معلومات ذات علاقة بالعمليات الإرهابية، وثبتت صحتها في وقت لاحق.

إن "المنظّمة السوداء" في تونس معلومة بشبكتها ومصالحها وغاياتها. رجالها يتزاحمون ويتصادمون أحيانًا في صراع بسط النفوذ، ولكن حينما يتعلّق الأمر بما يمكن أن يهدّد مصلحة جميع أفراد المنظّمة، يصطفّون صفًا واحدًا بعنوان حماية العصابة أولًا. ولذلك، ليس من الصّدفة أن رؤوس الأموال ورجال الأعمال المتورّطين في الفساد في النظام السابق دعموا قائد السّبسي في الرئاسيات.

ولذلك وبعد أن تبيّن بالنهاية أن "المال ينتصر"، في مقابل شعار المرزوقي "تونس تنتصر"، لم يجد السبسي طريقة لمكافأة ممولّيه واسترجاع مصاريف حملته الانتخابية إلا بتقديم مشروع عنوانه "مصالحة اقتصادية" ومضمونه تبييض الفساد وشرعنته ولكن يبدو أن هذه المكافأة غير كافية أمام الصراع والتناحر بين رجال العصابة.

تعتقد العصابة التونسية أنه حان وقت التصفية حينما لم يعد من الممكن تسوية الخلافات في إطار قوانين العصابة

إثر هذا الزلزال الذي عصف بالمشهد التونسي، يبدو إن أوراق اللعبة بدأت بالانكشاف وبدا ما كان خفيًا بالبروز في الواجهة. فقد أعلن وزير في الحكومة من الحزب الحاكم استقالته متهمًا الحكومة بعدم جديّتها في مكافحة الفساد. وبدأت قيادات الحزب الحاكم بتراشق التّهم فيما بينها، اتهم أحد هذه القيادات رجل أعمال داعم للحزب الحاكم نداء تونس بأنه يقف وراء شبكة فساد ملمّحًا إلى تورّطه مع المجموعات الإرهابية. ثم يردّ رجل الأعمال هذا ليتهّم أمين عام الحزب بالفساد. يبدو إذاً أن العصابة التونسية كالمافيا الإيطالية، تعتقد أن حان وقت التصفية حينما لم يعد من الممكن تسوية الخلافات في إطار قوانين العصابة.

في كل جريمة جنائية، يوجد مدبّر ومنفّذ ومستفيد، وعادة ما يكون شخصًا واحدًا، غير أنه في الجريمة الإرهابية، عادة ما يكون المنفّذ هو الحلقة الأضعف في الجريمة مقابل المدبّر المستفيد الذي قد يكون دولة، مجموعة نافذة في الطبقة السياسية، مراكز نفوذ في ميدان المال والأعمال، أو جميعهم وحينها يكون تفكيك عناصر الجريمة أكثر صعوبة، ولكنه أكثر كشفًا لبشاعة حقيقة قد لا يُراد إلا دفنها دائمًا. بل وقد لا يبدو كشفها مفيدًا الآن، هكذا يقول البعض من مدّعي معرفة الحقيقة.

التونسيون الآن ينتظرون لحظة الحسم كما تُصوّر في كونان، حينما ينغلق الباب الخشبي الكبير وينفتح، ثم يقوم كونان بتخدير المحقق الفاشل توغو مروي ليكشف خيط الجريمة وصولاً لكشف المجرم القاتل. هذه المرّة، لا نعلم إن كنّا سنحتاج ليخدّر كونان موري ويقدم الحقيقة، وهل ستنكشف حقيقة العصابة السوداء بشكل كامل أم أن المشهد سوف لن يتعدّى كشف جزء بسيط من الحقيقة، لتبقى الأنفس محبوسة لحلقات قادمة وربما لأجزاء قادمة، وحتى ذلك الوقت، نحن ننتظر.

شاهد/ي: تونس.. حراك بطعم الانقسام