"الممر".. عن الفيلم والجدل وما بينهما

من الفيلم

رغم عرضه في السينمات منذ عدة أشهر، ورغم عدم تحقيقه للنجاح الجماهيري المنشود، إلا أن العرض الأول لفيلم "الممر" على شاشات التلفزيون، تزامنًا مع ذكرى حرب أكتوبر، جعل منه حديث الساعة.

ليس فيلم "الممر" عن حرب أكتوبر ذاتها، لكنه محاولة لإعادة الحديث عن حرب الاستنزاف المسكوت عنها

ليس الفيلم عن حرب أكتوبر ذاتها، لكنه محاولة لإعادة الحديث عن حرب الاستنزاف المسكوت عنها. يروي قصة إحدى بطولات رجال الجيش المصري في عملية عرفت باسم الممر، تمكن خلالها المصريون رغم قلة العدد والعتاد من هزيمة كتائب الجيش الصهيوني.

اقرأ/ي أيضًا: 5 أفلام مصرية ممنوعة من العرض.. نماذج من تاريخ الرقابة

توقيت العرض المتزامن مع ذكرى حرب أكتوبر جعل مشاهدي التليفزيون ممن لم يسمعوا عن الفيلم قبل عرضه يظنون أن الفيلم يتحدث عن الحرب ذاتها، ومع اكتشاف عدم تناول الفيلم لمعركة أكتوبر لم تتغير نسب المشاهدة. نجح الفيلم في جذب الجمهور المصري بصورة غير مسبوقة أعادت إلى الأذهان سنوات عرض مسلسلات "ليالي الحلمية" و"أرابيسك".. وغيرها من الأعمال الفنية التي كانت الشوارع تخلو من المارة في وقت عرضها.

سيناريو لا يتكلم

يأتي الفيلم من سيناريو وإخراج شريف عرفة وهو ما يضع الكثير من علامات الاستفهام، عرفة واحد من أبرز وأهم المخرجين المصريين، قدّم الكثير من الأعمال السينمائية الهامة مثل "طيور الظلام" و"اللعب مع الكبار" وغيرها من التي ظلت حاضرة في ذاكرة الجمهور إلى يومنا هذا، لكنه لم يكن يومًا كاتب سيناريو بالمعنى المتعارف عليه.

شارك عرفة في كتابة سيناريو وحوار بعض الأفلام التي أخرجها، وكان صاحب قصة البعض الآخر، لكن هذا لا يصنع منه كاتب سيناريو ولا يؤهله لكتابة فيلم، خصوصًا عندما نكون أمام فيلم حربي تتطلب كتابته مهارات خاصة ربما لا يقدر عليها بعض محترفي كتابة السيناريو. اشترك الشاعر أمير طعيمة في كتابة الفيلم ببصمات مبهمة وغير واضحة لم تغير من الأمر في شيء.

تبدأ مشاهد الفيلم بهزيمة الخامس من حزيران/يونيو 1967، تأتي بصورة سطحية للغاية عن الهزيمة ثم تقفز إلى حرب الاستنزاف في أواخر الستينيات مع نهاية فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، الذي ركز الفيلم على فترته، دون الالتفات لمحمد أنور السادات إطلاقًا.

بدا واضحًا أن شريف عرفة يريد صناعة فيلم جماهيري، استخدم بعض نجوم الشباك، أتى من الحرب بما يخدم جماهيريته، يتضح ذلك تمامًا في مشهد السنترال، حين قام الضابط نور (أحمد عز) بتحطيم بعض محتوياته بعدما سخر منه المواطنون واتهموه والجيش بكونهم السبب في الهزيمة.

لينتهي المشهد بصلح بين الجميع لتسيطر مشاعر الوطنية على الكادر، بينما يتحدث ضابط الشرطة (شريف منير) عن قدرة الشعب المصري على تحويل مآسيه إلى نكات.

معارك لا تتطور

أتت مشاهد المعارك بصورة متطورة عما سبقها في أفلام الحروب المصرية، وهو أمر طبيعي نظرًا للتطور الهائل في الإمكانيات، إلا أنها لم ترقَ بأي حال إلى مستوى العالمية.

بعض مشاهد المشارك جاءت مقتبسة بالورقة والقلم من الفيلم الأشهر "Saving Private Ryan" رغم قلة الجودة إلا أن اللوم على صناع الفيلم قد لا يكون عادلًا، إذ إن السينما العالمية بأكملها لم تستطع الخروج من عباءة الفيلم الشهير، رغم بعض المحاولات الجادة مثل "Dunkirk".

لمحات إنسانية وأداء مميز

يدرك عرفة وصناع الفيلم طبيعة الشعب المصري العاطفية جيدًا، وهو ما جعل الفيلم يمتلئ باللمحات الإنسانية والمواقف بين الضباط والجنود، بين الجنود بعضهم البعض، بين الضباط والشعب، وبين الجنود والضباط وأسرهم.

الأداء المميز لمحمد فراج أضاف إلى الفيلم بعدًا هامًا، فراج واحد من الممثلين الذين تحب رؤيتهم على الشاشة، مهما كان دوره صغيرًا فإنه قادر على إسعادك، ففي "الممر" أتقن اللهجة الصعيدية وكأنه قادم للتو من سوهاج، نقل حالة الجندي المصري البسيط بشفافية تامة، للدرجة التي تشعرك أنه اشترك في الحرب فعلًا.

يدرك شريف عرفة طبيعة الشعب المصري العاطفية جيدًا، وهو ما جعل فيلم "الممر" يمتلئ باللمحات الإنسانية والمواقف بين الضباط والجنود

كذلك الدور المميز الذي قامت به أسماء أبو اليزيد، رغم سذاجة قصة الحب التي جمعتها بفراج إلا أن بساطتهما نالت إعجاب الجميع، إياد نصار قدّم شخصية الضابط الصهيوني بأداء مميز للغاية، تقمصه المحكم للشخصية جعل الصراع محتدمًا، وهو ما أضفى مذاقًا تشويقيًا للفيلم.

اقرأ/ي أيضًا: سينما مصر.. سينما يوليو: مسار وتجارب

في المجمل، "الممر" تجربة سينمائية مصرية وإنسانية مميزة، ينقصها حسن الكتابة وبعض البحث والمعلومات، حاول صناع الفيلم الخروج من عباءة الأفلام الحربية المصرية الساذجة، لم ينجحوا في ذلك تمامًا، لكنها خطوة على أول الطريق، خصوصًا أن حرب أكتوبر ما زالت تحتفظ بالكثير من الحكايات التي لم تروَ بعد.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "الإنسان يعيش مرة واحدة" من روائع سينما الثمانينات الخالدة

بين سينما مصر و"ثورة" ضباطها (1-2)