ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

الممر الذي أربك العالم.. هرمز بين ابتزاز الجغرافيا وحدود القانون

3 ابريل 2026
مضيق هرمز
ناقلات تعبر مضيق هرمز (AP)
عماد عنان عماد عنان

فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطابه الذي ألقاه إلى الأمة الأميركية، بعد أكثر من شهر على اندلاع الحرب، مفاجأة حين أوحى بأن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد تمثل أولوية أميركية مباشرة، مبررًا ذلك بأن الولايات المتحدة لا تعتمد، بحسب روايته، على إمدادات الطاقة العابرة من هذا الممر، ومُلقيًا عبء التحرك على الدول الأكثر استفادة منه، ولا سيما الحلفاء الأوروبيين والاقتصادات المعتمدة على نفط الخليج.

غير أن هذا الخطاب لم يبدد مركزية المضيق في المعادلة، بل أعاده إلى صدارة المشهد من زاوية مختلفة، عنوانها نقل الكلفة والمسؤولية إلى الآخرين بدل الاضطلاع بها أميركيًا.

وفي الواقع، بدا خطاب ترامب أسيرًا لتناقض واضح؛ فهو من جهة يقلل من الأهمية الاستراتيجية للمضيق بالنسبة لواشنطن، ومن جهة أخرى يواصل التعامل معه بوصفه عقدة رئيسية في مسار الحرب وتداعياتها الاقتصادية.

هذا التناقض، الذي يتعارض مع ما كان قد أثير لاحقًا بشأن رغبة ترامب في إدارة المضيق بالتنسيق مع المرشد الأعلى الإيراني، يفتح الباب أمام التشكيك في مدى جدية الطرح الأميركي، خصوصًا أن اضطراب الملاحة في هرمز كان أحد المحركات الأساسية لقفزة أسعار النفط، بما يحمله ذلك من ضغط مباشر على المستهلك الأميركي، وهو الجمهور الذي حرص الرئيس على مخاطبته وطمأنته خلال خطابه.

وفي الاجتماع الذي استضافته إسلام أباد في التاسع والعشرين من آذار/مارس الماضي، بمشاركة وزراء خارجية كل من تركيا ومصر وباكستان والسعودية، لبحث سبل إنهاء الحرب الأميركية-الإيرانية، برزت مجموعة من المقترحات الرامية إلى التعامل مع أزمة هرمز.

 يخضع مضيق هرمز لقواعد قانون المضائق الدولية المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهي قواعد تستند في جوهرها إلى ضمان حق السفن والطائرات في المرور العابر بصورة متواصلة وسريعة، بما يقيّد قدرة الدول المشاطئة على تعطيل هذا الحق أو إعادة صياغته 

وفي هذا السياق، تقدمت تركيا ومصر والسعودية بما يشبه تصورًا أوليًا لآلية جديدة لإدارة حركة العبور عبر المضيق، تقوم على إنشاء "كونسورتيوم" محتمل يتولى إدارة هذا الممر الحيوي، بمشاركة الدول الثلاث إلى جانب باكستان، مع طرح فكرة فرض رسوم على المرور، في مقاربة بدت أقرب إلى استلهام نموذج قناة السويس، وفق ما نقلته وكالة "رويترز".

يتزامن هذا المسار مع موافقة البرلمان الإيراني على مسودة أولية لمشروع قانون يسمح بفرض رسوم عبور على السفن المارة من المضيق، وهو ما أثار موجة واسعة من التساؤلات حول الأبعاد القانونية والإدارية واللوجستية لمثل هذا التصور، وما إذا كان من الممكن أصلًا تحويل هرمز إلى ممر ملاحي خاضع لرسوم عبور، على نحو يحاكي التجربة التنظيمية لقناة السويس.

اختلاف في الطبيعة الجغرافية واللوجستية

تتمثل العقبة الأولى التي يُرجح أن تواجه هذا السيناريو في الفارق الجوهري بين الطبيعة الجغرافية واللوجستية الحاكمة لمضيق هرمز وتلك التي تحكم قناة السويس، فالقناة ممر ملاحي صناعي أنشأه المصريون، ويقع بالكامل داخل الأراضي المصرية وتحت السيادة المباشرة للدولة المصرية، ما يجعل إدارته وتنظيم المرور فيه وفرض الرسوم عليه شأنًا سياديًا خالصًا، تمارسه القاهرة على نحو قانوني ومعلن، عبر جداول رسمية للرسوم، وآليات واضحة للزيادات والخصومات والتحصيل.

أما مضيق هرمز، فالوضع فيه مختلف بصورة جوهرية؛ إذ إنه ممر طبيعي لم تنشئه دولة بعينها، ويفصل بين مسطحات بحرية مفتوحة، ويُستخدم في إطار الملاحة الدولية بوصفه أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة والطاقة في العالم.

ومن ثم، فإنه لا يخضع لسيادة منفردة على النحو الذي تنفرد به مصر في قناة السويس، ولا يترتب على استخدامه، من حيث الأصل، نظام مماثل يتيح فرض رسوم عبور كما لو كان مرفقًا سياديًا خالصًا تابعًا لدولة واحدة.

ولهذا، فإن أي محاولة لمقاربة المضيق بمنطق قناة السويس تصطدم أولًا بحقيقة الاختلاف البنيوي بين ممر صناعي وطني يخضع لسيادة كاملة، ومضيق طبيعي دولي تحكمه قواعد الملاحة الدولية ولا يمكن التعامل معه بالمنطق الإداري نفسه.

قناة السويس واتفاقية القسطنطينية

تخضع قناة السويس المصرية لإطار قانوني دولي يستند إلى اتفاقية القسطنطينية الخاصة بتنظيم الملاحة فيها، والموقعة في تشرين الأول/أكتوبر 1888 بين عدد من القوى الدولية الكبرى آنذاك، من بينها بريطانيا وفرنسا وروسيا وإيطاليا والنمسا-المجر وإسبانيا وهولندا والدولة العثمانية، وقد أرست هذه الاتفاقية الأساس القانوني الناظم لحركة الملاحة في القناة، وحددت طبيعة وضعها بوصفها ممرًا ملاحيًا ذا أهمية دولية خاصة.

وبموجب هذا الإطار القانوني، تتولى الدولة المصرية إدارة القناة والإشراف على تنظيم المرور فيها، بما يشمل فرض رسوم العبور والخدمات المرتبطة بها وفقًا للضوابط والشروط المقررة في الاتفاقيات والأعراف البحرية ذات الصلة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن تظل القناة، بصفة دائمة، حرة ومفتوحة أمام السفن التجارية والحربية في زمن السلم كما في زمن الحرب، ومن دون تمييز بين الجنسيات.

وفي المقابل، يظل للدولة المصرية، في ظل هذا التنظيم القانوني، هامش سيادي يتيح لها اتخاذ ما تراه لازمًا من إجراءات ترتبط بالاعتبارات الأمنية والعسكرية في أوقات النزاع، بما في ذلك ما يتصل بحركة مرور سفن الدول المعادية أو ما يرتبط بعبور القوات والمعدات العسكرية، وهو ما يعكس خصوصية قناة السويس بوصفها ممرًا دوليًا منظمًا قانونيًا، لكنه يقع في الوقت نفسه تحت الإدارة والسيادة المصرية المباشرة.

هرمز وقانون البحار

في المقابل، يخضع مضيق هرمز لقواعد قانون المضائق الدولية المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهي قواعد تستند في جوهرها إلى ضمان حق السفن والطائرات في المرور العابر بصورة متواصلة وسريعة، بما يقيّد قدرة الدول المشاطئة على تعطيل هذا الحق أو إعادة صياغته استنادًا إلى اعتبارات سيادية منفردة.

ويقوم هذا الإطار القانوني على تمييز واضح بين المضائق البحرية والقنوات البحرية، فالمضائق الدولية تُعرَّف بوصفها ممرات بحرية طبيعية تُستخدم للملاحة الدولية، وتربط بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر منهما.

أما القناة البحرية، فهي طريق مائي مصطنع أُنشئ لتيسير الملاحة، ويقع في الغالب بكامل ضفتيه داخل إقليم دولة بعينها، بما يجعله جزءًا من إقليمها، ويمنحها بالتالي حق ممارسة مظاهر السيادة عليه، من إدارة وتنظيم وفرض رسوم عبور وتطبيق تشريعاتها الوطنية وممارسة سلطاتها التنفيذية والقضائية على السفن العابرة، ما دام ذلك لا يتعارض مع حرية الملاحة المقررة قانونًا.

وانطلاقًا من هذا التمييز، يُعد مضيق هرمز مضيقًا بحريًا طبيعيًا خاضعًا لأحكام اتفاقية قانون البحار، وبموجب هذه الأحكام، تتمتع جميع السفن والطائرات العابرة للمضائق الدولية بحق المرور العابر، أي حرية الملاحة والتحليق لغرض العبور المتواصل والسريع، وهو حق لا يجوز تعطيله أو تعليقه.

كما تحدد الاتفاقية التزامات الدول المشاطئة للمضيق، وفي حالة هرمز تحديدًا إيران وسلطنة عُمان، إذ لا يجوز لهما عرقلة المرور العابر أو فرض رسوم لمجرد استخدام الممر، كما تلتزمان بإخطار مستخدمي المضيق على نحو مناسب بأي أخطار تهدد الملاحة أو التحليق فيه أو فوقه متى كانت على علم بها.

وبذلك، وبحسب الاتفاقية الأممية فإن مضيق هرمز يظل، من الناحية القانونية، ممرًا دوليًا مفتوحًا تحكمه قواعد العبور الحر، لا مرفقًا سياديًا خالصًا يجوز إخضاعه لإدارة أحادية أو لرسوم عبور على غرار القنوات الاصطناعية.

هل هناك من رسوم أخرى يمكن فرضها؟

ورغم أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تحول، من حيث الأصل، دون فرض رسوم عبور على مضيق هرمز بالمعنى السيادي المباشر، فإن ذلك لا ينفي وجود مساحات قانونية يمكن من خلالها استحداث رسوم أخرى ذات طبيعة خدمية، ترتبط بما قد يُقدَّم للسفن العابرة من خدمات ملاحية أو تشغيلية، مثل الإرشاد البحري، أو التأمين، أو المرافقة الأمنية، أو تنظيم حركة المرور داخل الممر.

غير أن هذا النوع من الرسوم يظل مختلفًا جذريًا عن “رسوم المرور السيادي” المعمول بها في قناة السويس، بحكم الاختلاف الجوهري في الوضع القانوني لكل من الممرين.

وفي السياق ذاته، لا تحول الاتفاقية دون إنشاء ترتيبات أو آليات تشغيل مشتركة بين عدد من الدول بهدف تسهيل الملاحة وضمان انسياب العبور عبر المضيق.

ومن هذا المنطلق، لا يبدو مستبعدًا نظريًا أن تنشأ صيغة تنظيمية تضم الولايات المتحدة إلى جانب إيران وسلطنة عُمان، وربما بمشاركة أطراف أخرى، تتولى تنسيق حركة الناقلات وإدارة تدفقات العبور وتقديم التسهيلات التشغيلية اللازمة، من دون أن يعني ذلك، في جوهره، المساس بالأصل القانوني الحاكم للمضيق أو تحويله إلى ممر خاضع لسيادة منفردة أو لنظام رسوم عبور مماثل لذلك المعمول به في القنوات الاصطناعية.

التدويل الوظيفي

من الطبيعي أن تدفع الهزة العنيفة التي أصابت سوق الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد، جراء اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، المجتمع الدولي إلى إعادة التفكير في منظومة تأمين المضائق والممرات البحرية حول العالم، ولا سيما في المناطق الأكثر حساسية جيوسياسيًا، وفي مقدمتها الشرق الأوسط.

ويستهدف هذا التوجه، في جوهره، منع تكرار أزمات مماثلة من شأنها تهديد انسياب التجارة العالمية، وتعطيل تدفقات الطاقة، وفرض ضغوط خانقة على الاقتصاد الدولي بأسره، غير أن هذا المسار، رغم وجاهته العملية، قد يصطدم بجملة من التحديات والعقبات المرتبطة مباشرة بسيادة الدول المشاطئة لهذه المضائق، وهو ما يعيد إلى الواجهة، مرة أخرى، مفهوم التدويل الوظيفي” بوصفه أحد السيناريوهات المطروحة للنقاش.

ويقصد بهذا المفهوم إخضاع بعض المضائق والممرات المائية لأطر رقابية وإدارية تشاركية تقودها تحالفات أو ترتيبات دولية، من دون أن يترتب على ذلك انتقاص مباشر من السيادة القانونية للدول المطلة عليها.

فالفكرة هنا لا تقوم على نزع الملكية السيادية أو إلغاء الاختصاص الوطني، وإنما على إنشاء صيغ متعددة الأطراف تتولى إدارة الملفات المتصلة بسلامة الملاحة، والتأمين، والمراقبة، والدعم الفني واللوجستي، بما يضمن بقاء هذه الممرات الحيوية مفتوحة أمام حركة العبور الدولية، ويحد، في الوقت ذاته، من احتمالات تحولها إلى أدوات ضغط سياسي، أو ساحات ابتزاز، أو نقاط اختناق جيوسياسي تهدد استقرار النظام التجاري العالمي.

كلمات مفتاحية
التضليل السياسي عبر الذكاء الاصطناعي

كيف غيّر الذكاء الاصطناعي شكل التضليل السياسي؟

غيّر الذكاء الاصطناعي شكل التضليل السياسي عالميًا عبر إنتاج محتوى مزيف أكثر واقعية وتأثيرًا، ما جعل الحروب المعلوماتية والانتخابات أكثر عرضة للتلاعب

 وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني

عودة العلاقات المغربية السورية: هل تُحل أزمة العالقين والمعتقلين المغاربة؟

تفتح عودة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وسوريا الباب أمام تحريك ملف المعتقلين والعالقين المغاربة في سوريا ومخيمات الشمال

الجيش اللبناني

لماذا تستهدف إسرائيل الجيش اللبناني؟

يثير تكرار استهداف إسرائيل لعناصر الجيش اللبناني تساؤلات حول الرسائل السياسية والعسكرية الكامنة خلف هذه العمليات

منتخب إنجلترا
رياضة

كل ما تريد معرفته عن مجموعة إنجلترا في كأس العالم 2026

تشارك إنجلترا ضمن المجموعة الثانية عشرة، بجوار منتخبات كرواتيا وغانا وبنما، وتُعتبر هذه المجموعة تنافسية إلى حد كبير، خاصة مع وجود المنتخب الإنجليزي

كأس العالم 2026
رياضة

النتيجة صادمة: "عراف المونديال" يتوقع بطل كأس العالم 2026

اكتسب "عرّاف المونديال" مكانته بعد نجاحه في توقع أبطال ثلاث نسخ متتالية من المونديال، عندما أشار مسبقًا إلى تتويج إسبانيا بلقب 2010 وألمانيا بلقب 2014 وفرنسا بلقب 2018

لبنان
مجتمع

شهداء ونزوح ودمار.. الحرب تطفئ حماسة المونديال في لبنان

قبل أيام من انطلاقة كأس العالم، يبدو أن اللبنانيين فقدوا حماسهم المعروف تجاه المونديال، والذي كانوا ينتظرونه كل أربعة أعوام على أحر من الجمر

صورة تعبيرية
علوم

دراسة تكشف نقطة ضعف في أشهر أدوات الطب النفسي

غالبًا ما تُعامل المقابلات التشخيصية باعتبارها "المعيار الذهبي" في تشخيص الاضطرابات النفسية، لكن الدراسات تثبت نتائج متباينة بشأن موثوقيتها