ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

المليشيات في السودان.. الثور في "مستودع الخزف"

2 ديسمبر 2025
قوات "درع السودان"
قوات "درع السودان" تحتفل بدخولها إلى مدينة ود مدني (وسائل التواصل)
أمير بابكر عبد الله أمير بابكر عبد الله

شهدت عدة ولايات سودانية خلال الأسبوع الماضي أحداثًا لافتة مرتبطة بالمشهد العام للحرب الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف، وهي أحداث تعكس تنامي ظاهرة المليشيات المسلحة في سياق حالة الاستنفار العام التي أعلنتها السلطات لمواجهة قوات الدعم السريع.

وربما يبدو هذا المشهد هو الجزء الظاهر من الصورة بالنسبة للمتابع لتطورات ما بعد اندلاع الحرب في 15 نيسان/أبريل 2023. غير أن التمعّن في كامل الصورة يكشف أن قضية المليشيات العسكرية ضاربة الجذور في مسار الحكم الوطني، ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتطورات السياسية منذ أن اتخذت السلطات، السياسية والعسكرية، خيار مواجهة أدوات الرفض عبر التمرد المسلح بدلًا من معالجة أسبابه.

وظلّ هذا هو حال الدولة السودانية؛ "مستودع خزف" هشّ منذ الاستقلال في كانون الثاني/يناير 1956، والذي جاء فوق قاعدة من التمرد العسكري السابق لإعلانه بنحو عام. فلم يكن التمرد الأول بلا أسباب سياسية وتنموية، ولم تكن حلقات الحرب المستمرة بين السلطة—مستخدمة أجهزة الدولة—والمعارضين لسياساتها أو المطالبين بحقوقهم، منفصلة عن تلك الأسباب.

ومع تواصل غياب الدولة وتماهي مؤسساتها مع السلطة الحاكمة، أيًّا كانت، ومع تعمّد إجهاض أي محاولة لبناء مشروع وطني متوافق عليه، جاءت النتيجة: هذا القدر من السيولة والهشاشة الذي دفع السلطات وأجهزتها العسكرية والأمنية إلى تبنّي سياسة "محاربة المليشيات بالمليشيات"، أي خلق الثور الذي ستضطر إلى إدخاله في "مستودع الخزف".

على مدى أكثر من عامين ونصف، تعكس هذه الأحداث تنامي ظاهرة المليشيات المسلحة في ظل حالة الاستنفار التي أعلنتها السلطات لمواجهة قوات الدعم السريع

حادثتا الشمالية ومدني

التحذيرات المتواصلة التي أطلقها مختصون عسكريون وسياسيون ومراقبون، بشأن ضرورة أن يكون السلاح واستخدامه تحت سيطرة الدولة ومؤسستها العسكرية، وأن تكون أدوات العنف مُتحكمًا بها، كانت تحذر من النتائج الكارثية التي قد تنجم عن تجاهل هذا المبدأ. وها هو المستقبل يتحقق الآن، ويصبح واقعًا يعيش الناس تداعياته المباشرة من موت ونزوح وجوع ومرض، بعد اندلاع الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وما تمثله قوات الدعم السريع إلا مليشيا أسسها النظام السابق وشرع لها قانونًا لمحاربة الحركات المسلحة في دارفور وقمع أي تحركات معارضة، سواء عسكرية أو مدنية.

يقول العميد المتقاعد أمين ميسرة محمد لـ"ألترا صوت" إن "الجيش القومي المحترف لا يلجأ إلى المليشيات والجيوش الموازية، وإنما يعتمد على التجنيد وقوات الاحتياطي، والتي تُنظّمها قوانين الدولة". وأضاف أن "الجيوش تلجأ إلى المليشيات لتفادي المحاسبة على الانتهاكات التي تتخذ أحيانًا كسياسات لإخضاع الخصوم. لذلك، فهي لا تخضع قادة وأفراد المليشيات لمعايير الكفاءة أو الأخلاق، وربما تفضل من لهم سوابق إجرامية".

وأشار إلى أن هذه المليشيات لا تخضع لأي قانون أو عرف أو تقاليد، ولا يستطيع القائد السيطرة على أفرادها، ولا يمنعهم أي مانع من ارتكاب أي جريمة أو مخالفة للقانون.

رغم ذلك، لم تغير السلطات وجيشها استراتيجيتها العسكرية في محاربة المليشيات بالمليشيات. ونتيجة لذلك، برزت إلى السطح ما يُعرف بـ"مليشيا أولاد قمري" في الولاية الشمالية. وفي إطار حربها مع مليشيا كانت تستقوي بها في مرحلة ما، احتضنتها القوات المسلحة رغم خلفياتها وتاريخها المرتبط بمخالفات قانونية وعلاقاتها المشبوهة بالتهريب عبر الحدود وتجارة الممنوعات، وعملها على حماية شخصيات نافذة في هذه الأوساط، وأطلقت عليها اسمًا عسكريًا جذابًا: "كتيبة الاستطلاع".

وكانت النتيجة أن تمردت هذه المليشيا مؤخرًا على القوات المسلحة، ويبدو ظاهره تمردًا من النوع الخفيف، لكنه يحمل دلالات مباشرة مرتبطة بالتحذيرات التي ظل الجميع يطلقها منذ سنوات.

أما ما حدث في مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، والتي كانت ساحتها الفرقة العسكرية الأولى مشاه، فقد كان الطرف الآخر فيها قوة "درع السودان". وهي مليشيا عسكرية كانت حليفة لقوات الدعم السريع في مرحلة ما، ولها الفضل في سيطرة الأخيرة نهاية عام 2023 على ولاية الجزيرة، وكان لها دور كبير في الانتهاكات والنهب والاغتصاب الذي شهدته الولاية في تلك الفترة.
لاحقًا، تمردت المليشيا على الدعم السريع وانحازت إلى القوات المسلحة، وستظل مصدر قلق للمواطنين وللسلطات، نظرًا لأنها تمتلك قوة عسكرية وسلاحًا تحت إشراف الجيش وجهاز استخباراته.

بنية أمنية آخذة في التشظي

النقطة الأهم هي أن حرب 15 نيسان/أبريل اندلعت بسبب وجود قوات الدعم السريع بشكل موازي للجيش، إلى جانب أسباب أخرى أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، أصر الجيش على استقطاب الميليشيات لصالحه، وتهيئة البيئة المناسبة لتكاثرها لتصل إلى عشرات الميليشيات الموالية له، كما يشير الكاتب الصحفي محمد عبد العزيز.

وأضاف عبد العزيز لـ"ألترا صوت": إن "الاشتباكات الأخيرة في الشمالية والجزيرة بين الجيش وميليشيات موالية له، ما هي إلا تذكير بأن سيطرة الجيش على هذه المجموعات ليست كاملة". وأضاف أن "قرار قائد الجيش البرهان يقضي بإخضاع كل المجموعات المسلحة للقوات المسلحة وإخلاء العاصمة الخرطوم من هذه المجموعات، إلا أن هذه الأخيرة غالبًا ما تصرح بأنها غير معنية بالقرار".

وبحسب تقارير صحيفة، فقد نشأت ميليشيات جديدة وتوسعت خريطة السلاح على نحو غير مسبوق، حتى قدّر البعض عددها بأكثر من 110 ميليشيات، تتباهى بأسلحتها المتنوعة وتحاول فرض نفوذها. ويتوزع ولاء هذه الميليشيات خلال الحرب الحالية بين مساندة الجيش أو قوات الدعم السريع، في حين يستغل بعضها الأوضاع الناجمة عن الحرب لتحقيق مصالح زعمائه أو مناطقه.

والأخطر في هذا الأمر أن هذه الميليشيات تتوزع بين تكتلات جغرافية وآيديولوجية وقبلية، وتسعى لبناء واقع عسكري قد يستمر لسنوات طويلة ويؤسس لحروب جديدة بعد انتهاء الحرب الحالية.

ويؤكد عبد العزيز في حديثه لـ"ألترا صوت": أن "هذه الأحداث لا يمكن قراءتها كوقائع منفصلة، بل تشكل حلقة جديدة في بنية أمنية آخذة في التشظي، حيث تتكاثر المجموعات المسلحة وتتوسع خارج أي إطار ضبط أو مساءلة". ويشير إلى أن هذا التحول الخطير أدى إلى نشوء "سلطات موازية" داخل الجغرافيا السودانية، تفرض نفوذها على المجتمعات المحلية وتستند إلى علاقات تمويل وحماية تمتد من البنية القبلية إلى شبكات اقتصادية وسياسية تتجاوز الدولة نفسها. ويحذر من أن هذا المناخ يدفع السودان نحو مسار تتراجع فيه قدرة المؤسسات الرسمية على فرض القانون، ويزداد فيه حضور الفاعلين المسلحين الذين يتبدلون بين التحالف والصدام وفق حساباتهم الخاصة.

ويضيف العميد المتقاعد ميسرة أن انخراط هذه الميليشيات في الحرب لا بد له من بنية لوجستية، وإلا فلن يستجيب أفرادها للقتال، فهم مقاتلون بلا عقيدة عسكرية ولا يخضعون للنظم العسكرية المعروفة، ويلجأون للنهب والسرقة للحصول على امتيازات انخراطهم في القتال، مصحوبة بانتهاكات متعددة. ويستشهد ميسرة بالأحداث الأخيرة في الولاية الشمالية والجزيرة كنموذج لتبني الجيش لمليشيات مبنية على أساس قبلي ومن مغامرين يسعون وراء المال، مع الإشارة إلى أن معظمهم من أصحاب السوابق الإجرامية.

انخراط هذه الميليشيات في الحرب لا بد له من بنية لوجستية، وإلا فلن يستجيب أفرادها للقتال، فهم مقاتلون بلا عقيدة عسكرية ولا يخضعون للنظم العسكرية المعروفة، ويلجأون للنهب والسرقة للحصول على امتيازات انخراطهم في القتال

خطورة المشهد

تكمن خطورة المشهد في انتقال الصراع من مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى مرحلة يتكاثر فيها اللاعبون المحليون المسلحون، ما يعيد تشكيل موازين القوى بصورة مفتتة ويجعل أي تسوية سياسية شاملة أكثر صعوبة وتعقيدًا. فكل مجموعة مسلحة جديدة تضيف طبقة إضافية من التعقيد وتفتح الباب أمام ديناميات حرب محلية جديدة، بعضها مرتبط بالهوية، وبعضها بالمصالح الاقتصادية، وبعضها الآخر بالتحالفات الظرفية، ويتوقع أن يتصاعد هذا الوضع وفق تجارب مماثلة عالميًا.

ويقول عبد العزيز إن تنامي التجنيد في بعض المناطق يشير إلى درجة خطيرة من عسكرة المجتمع، وهو مؤشر على استمرار دورة العنف حتى بعد توقف العمليات الكبرى. كما يضيف أن الميليشيات التي تتوسع تعبويًا وتسيطر على مجتمعات محلية تتحول سريعًا إلى كيانات يصعب تفكيكها، وقد تصبح نواة لسلطات مناطقية بحكم الواقع.

وبقاء هذا الوضع دون معالجة جذرية سيقود السودان إلى مستقبل تتآكل فيه الدولة ويزداد فيه نفوذ القوى المسلحة غير النظامية، ما يهدد بتكريس واقع التفكك وغياب مركز موحد للقرار. والمسار الوحيد للخروج من هذا المنعطف يتمثل في بناء عملية متدرجة وشفافة لنزع السلاح، وإعادة هيكلة القطاع الأمني تحت مظلة جيش مهني واحد، بالتوازي مع سلطة مدنية قادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات. بدون ذلك، سيظل السودان محكومًا بجغرافيا السلاح ودوامة العنف، لا بجغرافيا الدولة، أو كما يُقال، كمن يترك الثور في "مستودع الخزف".

كلمات مفتاحية
ألغام بحرية

ما أنواع الألغام التي تمتلكها إيران وكيف يمكن مكافحتها؟

يرى عدد من خبراء حرب الألغام أن إيران قد تكون أقدمت بالفعل على نشر عدد محدود من الألغام في قاع البحر، يمكن تفعيلها في أي وقت لتهديد حركة السفن

مضيق هرمز

تحالف بحري في مضيق هرمز.. هل تحاول واشنطن تدويل المواجهة مع طهران؟

تسعى إدارة ترامب لتشكيل تحالف بحري في مضيق هرمز لحماية الملاحة، وسط تصاعد المواجهة مع إيران واستمرار تهديدات طهران للسفن.

ردود فعل "باردة" على دعوة ترامب لتوفير مرافقة عسكرية لناقلات النفط في مضيق هرمز

ردود فعل "باردة" على دعوة ترامب لتوفير مرافقة عسكرية لناقلات النفط في مضيق هرمز

أعلنت دول من بينها المملكة المتحدة واليابان والصين وكوريا الجنوبية أنها لا تزال تدرس خياراتها ولكن دون تقديم أي التزامات بعد أن حثها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز لتأمين طريق الشحن الحيوي.

ألغام بحرية
سياق متصل

ما أنواع الألغام التي تمتلكها إيران وكيف يمكن مكافحتها؟

يرى عدد من خبراء حرب الألغام أن إيران قد تكون أقدمت بالفعل على نشر عدد محدود من الألغام في قاع البحر، يمكن تفعيلها في أي وقت لتهديد حركة السفن

مضيق هرمز
سياق متصل

تحالف بحري في مضيق هرمز.. هل تحاول واشنطن تدويل المواجهة مع طهران؟

تسعى إدارة ترامب لتشكيل تحالف بحري في مضيق هرمز لحماية الملاحة، وسط تصاعد المواجهة مع إيران واستمرار تهديدات طهران للسفن.

صورة تعبيرية
أعمال

الاقتصاد العالمي بين النفط والتضخم.. تداعيات حرب إيران تتسع

تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية واسعة للحرب الدائرة مع إيران، وسط اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية

صورة تعبيرية
أعمال

انتعاش قصير وتباطؤ مفاجئ.. كيف أربكت حرب إيران سوق الغاز في أوروبا؟

يتسارع التحول الطاقي في أوروبا مع توسع استخدام الطاقة المتجددة، ومع ذلك، من المرجح أن يظل الغاز عنصرًا رئيسيًا في مزيج الطاقة الأوروبي خلال السنوات المقبلة