الملفات الأمنية الخارجية الجديدة لدمشق.. من الفوضى الموروثة إلى السيادة المتفاوض عليها
19 يناير 2026
دخلت دمشق مرحلة ما بعد نظام الأسد وهي تواجه سؤالًا جوهريًا يتمحور حول كيفية إعادة بناء الأمن القومي في دولة خرجت من مسارات التفكك، وتحوّل حدودها ومواطنيها وملفاتها السيادية إلى ساحات مفتوحة للتفاوض الإقليمي والدولي؛ إذ إن الأجندة الأمنية الخارجية لم تعد هامشًا للسياسة، بل صارت قلب عملية إعادة تكوين الدولة، حيث يُقاس مدى استعادة السيادة بقدرة السلطة الجديدة على ضبط الامتداد الخارجي للفوضى الداخلية، وكبح تحويل الجوار إلى منصات ضغط، ومنع إعادة تدوير الصراع بأدوات مختلفة، في سياق مثقل بما يمكن تسميته "الديون الأمنية للسيادة المؤجلة" التي راكمتها سنوات الانهيار والتدويل، وتفرض على الدولة الجديدة سدادها أمنيًا وسياسيًا قبل تثبيت أي استقرار مستدام.
في هذا السياق، تتحول الملفات الأمنية الخارجية إلى اختبارات مباشرة لسلامة الأمن القومي السوري؛ فملف الموقوفين السوريين في لبنان، ووجود فلول النظام السابق خارج الحدود، والسوريون المحكومون في سجون أجنبية، وأموال الجريمة الإنسانية ليست قضايا اجتماعية وإنسانية منفصلة، بل عناصر في معادلة واحدة حول من يحتكر تمثيل المواطن، ومن يملك حق التفاوض باسمه، ومن يفرض قواعد التعامل مع سوريا بوصفها دولة ذات سيادة لا ساحة نفوذ. وعليه، فإن كل إخفاق في هذه الملفات يترك ثغرة أمنية قابلة للاستثمار، وكل تقدّم فيها يراكم قدرة الدولة على إعادة تثبيت مركزها السيادي.
يتجاوز هذا التحدي الإطار الثنائي للعلاقات الخارجية ليطال بنية الأمن الداخلي نفسها؛ فمثلًا تختبر الحدود الجنوبية مع الأردن قدرة دمشق على تفكيك اقتصاد أمني والإطاحة باقتصاد الظل العابر للحدود الذي نشأ في كنف آل الاسد، ويضع ملف قوات سوريا الديمقراطية الأمن القومي أمام معادلة حساسة بين وحدة الأراضي، واحتكار السلاح، ومخاطر فرض الوحدة بالقوة. أما ملف موقوفي ومخيّمات تنظيم الدولة، فيشكّل نقطة التقاء مباشرة بين إدارة الأمن والاعتراف الدولي، حيث تُقاس شرعية السلطة الجديدة بمدى قدرتها على تحويل الخطر الأمني إلى مسار قانوني قابل للمساءلة.
ضمن هذا الإطار، تُفهم آليات التواصل الإقليمي والدولي المستحدثة بوصفها أدوات أمن قومي لضبط التصعيد وحماية المدنيين ومنع حروب بالوكالة تستنزف الدولة في لحظة إعادة البناء. وينطلق هذا المقال من تفكيك الأجندة الأمنية الخارجية لدمشق باعتبارها ساحة صراع على تعريف الأمن القومي نفسه؛ أي بين سيادة مؤسسية قابلة للتثبيت، وأمن مُعلَّق على ملفات مفتوحة تُبقي الدولة في استنفار دائم.
تتحول الملفات الأمنية الخارجية إلى اختبارات مباشرة لسلامة الأمن القومي السوري؛ فملف الموقوفين السوريين في لبنان، ووجود فلول النظام السابق خارج الحدود، والسوريون المحكومون في سجون أجنبية، وأموال الجريمة الإنسانية ليست قضايا اجتماعية وإنسانية منفصلة، بل عناصر في معادلة واحدة حول من يحتكر تمثيل المواطن، ومن يملك حق التفاوض باسمه
ملف الفلول والموقوفين في لبنان
بالنسبة للسلطة الجديدة في دمشق، لا يُعدّ ملف الموقوفين السوريين في لبنان مسألة إنسانية أو قنصلية فقط، بل اختبارًا لإمكان إعادة بناء العلاقة ما بعد الأسد على قواعد دولة مقابل دولة، بدل منظومة الميليشيات والوسطاء غير الرسميين والابتزاز الأمني التي حكمت المرحلة السابقة. دارت النقاشات اللبنانية السورية مرارًا حول آلية نقل وتعاون قضائي، إلا أن المحادثات تعثّرت في الوصول إلى إطار متوافق عليه، بما يعكس تشرذم الساحة الداخلية اللبنانية وإصرار دمشق على مقاربة حِزمية لا حلولًا مجتزأة. تشير تقارير لبنانية إلى أن دمشق تسعى إلى الإفراج أو النقل لنحو 2600 سوري محتجزين في السجون اللبنانية (محكومين أو موقوفين بانتظار المحاكمة)؛ وهذا الرقم يحوّل القضية من حالات فردية إلى إشكالية حوكمة جماعية لبيروت، حيث تصبح السجون والقضاء وأجهزة الأمن الداخلي ساحات تفاوض إقليمي.
هنا تحاول دمشق رفع الحالة من مسألة قضائية داخلية لبنانية إلى ملف سيادي ثنائي يشمل التحقق من الهويات، ومراجعة القضايا، وترتيبات النقل، والتعويضات المالية، والأموال المصادرة، والأهم الفصل بين الجرائم الجنائية والتوقيفات المُسيّسة. هذا الفصل تحديدًا أخفق لبنان تاريخيًا في إنجازه في الملفات المرتبطة بسوريا، بسبب توزّع السلطة بين مؤسسات رسمية ولاعبين من خارج الدولة.
أخيرًا، تحول ملف بقايا وفلول نظام الأسد العاملة من لبنان (والبالغ عددهم حوالي 2000) سريعًا إلى الحافة الصلبة للتنسيق الأمني اللبناني السوري؛ إذ أنه بعد سقوط النظام، بات لبنان يُنظر إليه ليس جارًا يعاني مشكلة موقوفين فحسب، بل خطر قاعدة خلفية تدير تمويل وتجنيد ولوجستيات وملاذات آمنة. الهدف الذي تسعى إليه دمشق يتجاوز التسليمات القضائية؛ إذ تحاول كسر سلسلة الإمداد ما بعد الانهيار (المال والمنظمون والخلايا المسلحة والتحريض الرمزي والعنف المدار عبر الحدود)، ومنع هذه البقايا من تسويق نفسها سلطة بديلة قيد الانتظار؛ لا سيما بعد تسريبات سهيل الحسن وغياث دلّا بصفتهما ضابطين سابقين يسعيان لترتيبات امنية جديدة لتخريب العهد الجديد. الصراع الخفي هنا هو على احتكار سردية الدولة؛ حيث إنه إذا تمكّنت الفلول من العمل عبر الحدود، ستبقى مؤسسات الأمن الجديدة مؤقتة، دائمًا في موقع ردّ الفعل لا الترسّخ.
أحكام المؤبد في أرمينيا
انتقل الملف الثالث المتعلق بالسوريين المحكومين بالمؤبد في أرمينيا، فجأة من الهامش إلى الواجهة؛ وهذا ملف مهم له إشارة أن السوريين المسجونين في الخارج لم يعودوا قضايا إرثية تُترك للعائلات والوساطات غير الرسمية والمافيات، بل جزءًا من إعادة بناء الدولة عبر الإعادة القانونية. صدر حكم السجن المؤبد بحق سوريين في أيار/مايو 2021 عن محكمة ذات اختصاص عام في محافظة سيونيك، بعد أَسرِهما خلال حرب الأيام الأربعة والأربعين التي اندلعت عام 2020 بين أرمينيا وأذربيجان على خلفية النزاع حول إقليم كاراباخ، وهي حرب شهدت آنذاك تبادلًا واسعًا للاتهامات بشأن مشاركة مقاتلين سوريين في القتال. وقد وُجّهت إلى المحكومَين تهم تتعلق بـالإرهاب الدولي وارتكاب جرائم خلال نزاع مسلّح وتهريب أسلحة، في سياق قضائي ارتبط مباشرةً بتداعيات ذلك الصراع الإقليمي وتعقيداته السياسية والأمنية.
أمن الحدود والمقاتلين الأجانب
يتقدّم ملف أمن الحدود والمقاتلين الأجانب بوصفه العقدة الأكثر تعقيدًا في معادلة الأمن القومي السوري، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة ومع إرث الحرب المفتوح.. على الحدود الجنوبية، تختبر الدولة الجديدة قدرتها على استعادة الدولتية بمعناها الصلب المتمثل بمنع فعّال للمهربين، وتنسيق استخباري، وسيطرة حقيقية على المعابر الشرعية وتطويق الممرات غير الشرعية، في مواجهة مقاربة أردنية تنظر إلى التهريب، ولا سيما المخدرات، بوصفه تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني.
يتقاطع الأمن مع الشرعية الدولية بصورة مباشرة، إذ تصبح قدرة دمشق على إدارة هذا الملف عبر مسارات سيادة القانون، توثيقًا، ونقلًا خاضعًا للرقابة، ومحاكمات واضحة، عاملًا حاسمًا في تقديم نفسها شريكًا موثوقًا في مكافحة الإرهاب؛ لا مجرد وريث قسري لإرث أمني ثقيل
غير أن التحدي هنا لا يقتصر على تفكيك شبكات التهريب، بل يمتد إلى تفكيك اقتصاد أمني موروث من عهد الأسد، تشابكت فيه تجارة المخدرات مع منظومات حماية ورعاية أمنية، ما يضع دمشق أمام اختبار حاسم؛ فيه إما تحويل هذه الظاهرة إلى جريمة عادية قابلة للإدارة، أو تركها كصناعة شبه سياسية قادرة على إعادة إنتاج عدم الاستقرار. ويأتي هذا كله في ظل لجوء الأردن إلى استخدام القوة الصلبة خارج حدوده، حيث نفّذ سلاح الجو الملكي الأردني خلال الفترات الماضية ضربات جوية استهدفت مقرات وشبكات تهريب داخل الأراضي السورية، في رسالة واضحة بأن عمّان لم تعد تتعامل مع التهديد بوصفه نشاطًا إجراميًا عابرًا، بل كخطر أمني منظم يبرّر العمل الوقائي المباشر. هذه الضربات لا تعكس فقط تصعيدًا أردنيًا، بل تكشف في الوقت نفسه حجم الفراغ السيادي الذي خلّفته المرحلة السابقة، إذ تحوّلت مناطق داخل سوريا إلى عمق عملياتي لشبكات عابرة للحدود. وبالنسبة لدمشق الجديدة، فإن استمرار هذا النمط من التدخل الجوي الخارجي يشكّل اختبارًا مزدوجًا؛ فالجانب الأول اختبار قدرتها على استعادة السيطرة الفعلية على الجغرافيا الجنوبية وتجفيف بنى التهريب، والثاني قدرتها على إعادة ضبط العلاقة الأمنية مع الأردن على أساس التنسيق المؤسسي، بدل أن تُدار عبر الضربات الأحادية التي تعكس غياب الثقة أكثر مما تعكس شراكة مستقرة؛ لا سيما وان الأردن الآن ستستضيف غرفة التنسيق الأمني المشتركة بين أمريكا وإسرائيل وسوري.
على الجبهة الشمالية، يتداخل هذا الملف مع العلاقة المعقّدة بين دمشق والقوات الكردية، في ظل تموضع تركي يُعيد تعريف القضية بوصفها ملفًا إقليميًا لا شأنًا داخليًا، حيث تتشابك أسئلة اندماج القوى المسلحة، ووحدة القيادة، والإدارة المحلية، مع هواجس الأمن القومي التركي المرتبطة بالمقاتلين الأجانب وامتدادات حزب العمال الكردستاني. وفي موازاة ذلك، يبقى ملف تنظيم الدولة والمقاتلين الأجانب المحتجزين (الفرنسيين في مخيم حارم والأوزبكيين والشيشان والإيغور)، إلى جانب المخيمات في شمال شرق سوريا، بما فيها مخيم الهول وغيره، حقل ألغام سياسيًا وأمنيًا وقانونيًا، لما ينطوي عليه من جنسيات متعددة، وفراغ قانوني، ومخاطر تطرف كامنة، وضغوط إنسانية متصاعدة.
هنا يتقاطع الأمن مع الشرعية الدولية بصورة مباشرة، إذ تصبح قدرة دمشق على إدارة هذا الملف عبر مسارات سيادة القانون، توثيقًا، ونقلًا خاضعًا للرقابة، ومحاكمات واضحة، عاملًا حاسمًا في تقديم نفسها شريكًا موثوقًا في مكافحة الإرهاب؛ لا مجرد وريث قسري لإرث أمني ثقيل، فيما تُختبر في الوقت نفسه جدوى آليات التواصل الإقليمي والدولي المستحدثة بوصفها أدوات لضبط التصعيد وحماية المدنيين، لا قنوات نُخبوية منفصلة عن المزاج العام والرأي العام السوري.







