الملاعب اللبنانية.. أبو خيزرانة مرّ من هنا

الملاعب اللبنانية.. أبو خيزرانة مرّ من هنا

أطفال فلسطينيين أمام مدينة بيروت الرياضية التي دمرها الاعتداء الإسرائيلي في 1982 (Getty)

إن كنت تهوى كرة القدم في لبنان فأنت أمام مغامرة حقيقية. إن كنت "حديث العهد" بهذه الهواية فقد تخضع لتحقيق في هويتك وذاكرتك. وإن كنت من رواد الملاعب منذ فترة طويلة فقد عرفت معنى التهويل الأمني على أصوله.

بعدما دمر الاعتداء الاسرائيلي ملعب مدينة بيروت الرياضية في 1982، وقع مشجعو كرة القدم اللبنانية أواخر الحرب الاهلية، تحديدًا بين عامي 1988 و1991، بين فكي الاستخبارات السورية. أقام الجيش السوري مراكزه حينها في ملاعب كرة القدم. يذكر فيصل (52 عامًا) تلك المرحلة جيدًا، ويروي ما كان يجري داخل ملعب نادي "الصفاء" في منطقة وطى المصيطبة البيروتية، وخاصة تفاصيل غرفة "الكِلس".

هاجم جنود الجيش السوري جماهير الدربي في 1990 ومنعوهم من دخول المعلب

كانت الملاعب تخطط بواسطة الكلس، وتوضع أكياسها في غرفة تكاد لا تتسع لشخصين. يذكر فيصل أنّ فتى لا يتجاوز عمره 14 عامًا، اعترض على الحكم وشتمه. فاقترب أحد عناصر الجيش السوري، ويلقب بـ"أبو خيزرانة"، وصفعه أمام الجمهور، ثمّ حبسه في غرفة الكلس. ويؤكدّ فيصل أن الفتى كان يعاني من نوبات الربو، فنُقل إلى المستشفى بعد أن احتج الجمهور الذي جوبه بخيزرانات عناصر الجيش السوري.

لا تنتهي قصص القبضة الامنية السورية على المدرجات اللبنانية، التقى فريقا النجمة والأنصار أو ما يعرف بـ"ديربي لبنان" في مباراة ختام البطولة عام 1990، عادة ما كانت تشهد مباريات الديربي إقبالًا جماهيريًّا حاشدًا، لكن الكتيبة السورية الموجودة في ملعب بلدية بيروت لم تكن مجهزة بعديد كافٍ يومها. الأمر الذي دفع العناصر إلى الهجوم على طوابير الجمهور المحتشد خلف شباك التذاكر، وضربهم بأعقاب البنادق، ومنعهم من مشاهدة المباراة، وفقًا لهيثم الذي كان حاضرًا يومها.

بعدما استعاد لبنان عافيته عام 1992، ظهرت ملامح الدولة. تولت قوى الأمن الداخلي مسؤولية أمن الملاعب وانحسر دور الاستخبارات السورية إلى الحواجز. ابتعدوا عن الملاعب. كشفت مباراة "جماهيرية" أخرى ضعف الأمن ورعونته في استخدام السلاح بعد الحرب. إذ لم تجد القوى الامنية حلًا لتفريق الجمهور، بعد إشكال عصف بدربي آخر بين النجمة والأنصار، إلا إطلاق الأعيرة النارية. الأمر الذي تسبّب بإصابة "الجماهير" بجروح الأمن الوطني.

تحولت مسؤولية الأمن فيما بعد إلى الجيش اللبناني، الذي عُمل على تصويره كمؤسسة رسمية قادرة وفعالة، لتخطي معالم الحرب، واستعادة هيبة الدولة اللبنانية. زج الجيش بين الناس لم يأتِ دائما بالنتائج المرجوة، فمنذ العام 1993 وحتى 1999 كادت الأمور تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه أكثر من مرة. اضطرت الكتيبة المتمركزة داخل ملعب برج حمود عام 1996 إلى التوغل بالآليات العسكرية داخل الملعب، لفض نزاع بين اللاعبين، في ظاهرة غير مسبوقة في العالم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعدّى الجنود بالضرب على اللاعبين بحجة حماية حكم المباراة.

في 1996 توغل الجيش اللبناني بآلياته العسكرية في ملعب برج حمود لفض نزاع بين اللاعبين

تطورت فرق مكافحة الشغب وأمن الملاعب في الجيش في ما بعد، وظهر ذلك خلال سنوات التألق الرياضي اللبناني والمناسبات الكبرى التي استضافها البلد كدورة الألعاب العربية 1997، وكأس الكؤوس العربية 1998،وكأس الأمم الآسيوية 2000. إذ بدأ بتقسيم الجنود، وبدأت القوى المكلفة باستعمال الكاميرات واستدعاء مثيري الشغب بطريقة لا تثير الجمهور أو تسبب الهلع بين الناس. كانت تلك الفترة الافضل لرواد الملاعب، وبدت بيروت ولبنان على موعد مع نهضة رياضية حقيقية.

سرعان ما انتهت هذه الفترة، وعاد لبنان مسرحًا للأحداث الأليمة طوال 10 سنوات. وحمل الناس انقساماتهم السياسية إلى ملاعب كرتي القدم والسلة. شهدت تلك المباريات الحضور الأقل جماهيريًّا على الإطلاق متأثرة بالمهام التي كلف بها الجيش داخل البلاد وتردي الأوضاع الأمنية. دخل البلد في ما يسميه الشارع اللبناني"الاهتراء" على جميع الاصعدة.

لا تتحمل اتحادات الألعاب الرياضية وزر أي إشكال قد ينشب في الملاعب. ولا يتحمل الجيش مسؤولية إضافية أخرى فوق المخاطر الفعلية التي هددت السلم الأهلي. ولا يتحمل الأهل حتى الموافقة على ذهاب أبنائهم للملاعب كي لا يتورطوا في إشكال رياضي ظاهراً وهو سياسي في باطنه. كل هذا انعكس على المدرجات سلبًا، بين المؤسسة العسكرية والجمهور، وبين الجمهور والدولة. هكذا، توزعت في السنوات الأخيرة مباريات الكرة بين ملعبي صيدا وطرابلس. أقفلت ملاعب كبرى كالملعب البلدي والمدينة الرياضية وملعب طرابلس الأولمبي أبوابها. تقلص عدد الحضور بنسبة كبيرة في المناسبات التي سنحت للناس مشاهدة المباريات مباشرة من الملعب. اضطرت الدولة في أكثر من مناسبة أمنية إلى رفع عديد الجيش، ونظراً لصغر المساحات المتوافرة داخل المدن، وتحولت الملاعب الكبرى إلى ثكنات للجيش اللبناني.

مع رفع الدولة عديدَ الجيش ونظرا لشحّ المساحات المتاحة في المدن، تحوّلت الملاعب الكبرى إلى ثكنات للجيش اللبناني

خلال الفترة الأخيرة، استضاف ملعبا صيدا البلدي "ملعب الشهيد رفيق الحريري"، وملعب طرابلس البلدي القديم، أغلب المباريات، ولم يخل الحضور الجماهيري الخفيف من وقوع اشتباكات وتبادل عبارات السياسية والطائفية بين الجماهير. مجددًا، انعكست الأجواء على أداء الغارق في مشاكل البلاد الطويلة أصلًا. طرابلس تحديدًا سجلت مشهدًا غريبًا للتوتر الذي عاشته القوى الأمنية المكلفة حماية الملاعب.

شهدت عاصمة الشمال أكثر من اشتباك بين المسلحين، أدى في أكثر من مرة إلى وقوع شهداء وجرحى للجيش اللبناني خلال انتشاره بين منطقتي التبانة وجبل محسن، وهذه النقطة الحدودية هي معقل التوتر الأمني الشمالي أخيرًا. وانتقلت المحاور إلى الملاعب، ففي مباراة النجمة مع طرابلس الأخيرة، انفعل الجنود المتمركزون في الملعب انفعالًا مبالغًا فيه. أصر الضابط المسؤول على اقتحام المدرجات بعدة عناصر مدججين بالسلاح، لإلقاء القبض على مشجع أطلق عبارات نابية بحق الحكم. ضرب الجنود المشجع وأثاروا الذعر بين الناس خاصةً أن ثمة عائلات كانت بين الجماهير، في عطلة نهاية الأسبوع.

الملاعب في لبنان قصة هراوة تعددت وسائل استعمالها

صراخ النسوة وذعر الأطفال لم يمنع الضابط من مواصلة "عراضته" إلا بعدما أسكت الناس بكلمات تعيد الذاكرة إلى حقبة الاستخبارات السورية في الثمانينيات. كلمات من نوع "اخرسوا" و"سدوا نيعكم".

الملاعب في لبنان قصة هراوة تعددت وسائل استعمالها. حملها أكثر من عسكري وأكثر من أمني. مرت على الملاعب اللبنانية تقريبًا جميع أشكال المؤسسات الأمنية اللبنانية وحتى السورية. الكل جرّب كل شيء. الرصاص والضرب والاعتقال والاستدعاء. لبنان ليس إنكلترا ولا يتمتع بمستواها الرياضي ولا يعرف أهله رفاهًا اجتماعيًّا. لكن ثمة "هوليغنز" في بيروت كما في ليفربول. ولو تطور العنف في المدرجات، لربما، كنا شهدنا ما هو أسوء. حتى الآن، ما زالت الأمور... تحت السيطرة!