المكتبات المدرسية في مصر.. رفوف خاوية وطلاب بلا شغف للقراءة
22 أكتوبر 2025
منذ 2019 لم تُزود المكتبات المدرسية في مصر بكتبٍ جديدة، فضلًا عن تراجع دورها بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، في ظل التحديات التي تواجهها؛ منها ضعف المخصصات المالية سواء في وزارة التربية والتعليم والمديريات التعليمية أو الإدارات التابعة لها، إضافة إلى ارتفاع أسعار الكتب بشكل كبير، بحسب الدكتورة زينب مشهور مدير عام الإدارة العامة للمكتبات بوزارة التربية والتعليم في حديثها لموقع ألترا صوت.
مكتبات بلا كتب
لفتت مشهور إلى أنّ المكتبات تحتاج بشكل أساسي إلى دعم في الكتب، إذ تعتمد المدارس في الغالب على تبرعات من جهات خارجية لتوفير الكتب، نظرًا لضعف المخصّصات المالية، مضيفة: "أيضًا الطلاب يحتاجون إلى كتب مطبوعة بجودة عالية من حيث الورق والألوان، ما يجعل تكلفة تجهيز مكتبة واحدة قد تصل إلى 60 أو 70 ألف جنيه، وهو رقم كبير يصعب توفيره في ظل الميزانيات المحدودة".
بدأت الوزارة في إعداد منهج خاص بالمكتبات للمرحلة الإعدادية، وتسعى حاليًا لإعادة حصة المكتبة إلى المرحلة الابتدائية، كما كان هناك في السابق منهج للمهارات المهنية يتضمن جزءًا عن المكتبات، إلا أن الجانب الصناعي والاقتصاد المنزلي كانا يغلبان عليه، بينما كان الجزء الخاص بالبحث عن المعلومات محدودًا للغاية. ولهذا، أسندت الوزارة تدريس المنهج إلى معلمي المجالات والاقتصاد المنزلي، ومع مرور الوقت لم تعدْ المادة تُضاف إلى المجموع، وبالتالي تراجع الاهتمام بتدريس المكتبات داخل المدارس وفقًا لمديرة المكتبات.
فيما أشار الدكتور محمد عبد العزيز، أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، إلى أن الدور الأساسي لأي مكتبة داخل مؤسسة تعليمية هو "أن تُخدم على المنهج التعليمي الذي يستهدفه الطالب"، مشددًا على ضرورة أن تكون المكتبة مُغذّاة بالمواد التي تدعم الكتاب المدرسي والمحتوى التعليمي الرسمي.
مخاطر التعلم الرقمي
وحذّر عبد العزيز من مخاطر "التعلم الرقمي" غير الموجه، موضحًا أنه لا يمكن أن يدخل الطالب على المصادر المفتوحة بدون مراجعتها من قبل الوزارة وهل تناسبه وتتماشى مع ما يدرسه أم لا؟: "كل شيء مجهول المصدر لا ندري ما الأفكار التي تُبث من خلاله". مُقترحًا نموذجًا يدمج بين التعليم التقليدي والرقمي بشكل آمن، ينص على ضرورة وجود "مكتبة ورقية، نظرًا لأهميتها، لأن الطالب لابد أن يحتفظ بالكتاب ولا يستغنى عنه، وإلى جانب ذلك، يمكن تزويد المكتبة بأدوات تتيح "الاطلاع الرقمي"، ولكن "بشرط أن تكون الوزارة وضعت حدود وقيود لهذا.
انتقد عبد العزيز، الوضع الحالي قائلًا: "للأسف الشديد، هذا الأمر لا يحدث فعليًا، إذ أصبحت العملية التعليمية تعتمد على كتاب مدرسي مليء بالمشكلات، فيلجأ الطالب إلى الكتاب الخارجي ويحفظ بضع كلمات فقط وينتهي الأمر. واعتبر أن الحديث عن قيام الطلاب بالبحث والاطلاع مجرد استعراض إعلامي لا أكثر، كما وصف النظام التعليمي بأنه "فاشل"، مؤكدًا أن الطالب يصل إلى الجامعة دون أساسيات سليمة، مما يضطر الأكاديميين للبدء معه "من الصفر". وأرجع السبب إلى غياب الفلسفة التعليمية الصحيحة، وفي مقدمتها بناء مناهج قائمة على البحث وتشجيع الطالب على القراءة والاطلاع بدلاً من الحفظ والتلقين.
في الوقت الراهن، تعتمد الإدارة العامة للمكتبات على نشرة المسابقات، وهي نشرة توجيهية تتضمن نحو 12 مسابقة منشورة على موقع الوزارة، منها: المكتبة المثالية، الثقافة العامة، القراءة الحرة، أصدقاء المكتبة، وأنا متميز، المخصصة لذوي الهمم، إضافة إلى مسابقات مثل "فرسان القراءة" و"اتحاد القراءة العربي". وتُعد هذه المسابقات وسيلة لدعم عودة المكتبة المدرسية إلى دورها الأساسي بحسب زينب.
أصبحت العملية التعليمية تعتمد على كتاب مدرسي مليء بالمشكلات، فيلجأ الطالب إلى الكتاب الخارجي ويحفظ بضع كلمات فقط وينتهي الأمر
وأشارت إلى أن منهج "التربية المكتبية" في المرحلة الإعدادية يُعد منهجًا قويًا ويدعم ثقافة القراءة، إلى جانب نشرة المسابقات المنشورة بالتفصيل على موقع الوزارة ضمن قسم "الإدارة العامة للمكتبات".
وفيما يتعلق بفكرة تحويل الكتب إلى نسخٍ إلكترونية لتقليل التكلفة، أوضحت أن ذلك يحتاج إلى ميزانية أكبر من الورقية، لأن الوزارة لا تستطيع نشر أي كتاب دون شراء حقوق الملكية الفكرية من المؤلف أو دار النشر. أما الكتب المنتشرة مجانًا على الإنترنت، فقد تكون منسوخة أو منتهكة الحقوق، وهو ما لا يمكن أن تقوم به جهة حكومية. لذلك، فإن تنفيذ مشروع مكتبة رقمية قانونية يتطلب تمويلًا كبيرًا. ومع ذلك، يقدّم "اتحاد القراءة العربي" مكتبة إلكترونية مجانية للأطفال المشاركين في تحدي القراءة العربي.
عزوف عن القراءة واعتماد على التلقين
بينما أشار أستاذ العلوم والتربية، إلى أن الطلاب لم يعودوا يحبون القراءة، موضحًا أنهم يفتقرون إلى الصبر على القراءة، وإلى القدرة على الاستيعاب والتلخيص قائلًا: "نلمس هذا الأمر عندما يلتحقون بالجامعة، إذ يعتمد معظمهم على التلقين. ورغم الحديث عن تطوير نظم الامتحانات، فإن الواقع ما زال قائمًا على أن الطالب يبحث عن المصدر الأسهل دون جهد حقيقي في الفهم أو التحليل".
وشدّد على أن الحل يبدأ من تغيير جوهري في تصميم المناهج، قائلاً: "إذا كنت سأستخدم المكتبة، فلا بد أن يكون المنهج قائمًا على البحث، وإلا فما جدوى وجود مكتبة دون ارتباطها بالمنهج؟". وأوضح أن العملية التعليمية يجب أن تكون منظومة متكاملة تضم المنهج القائم على البحث، والمعلم المدرَّب على هذه الفلسفة، والمكتبة المجهزة لتكمل أدوار بعضهم بعضًا، وأن تكون مزودة بكتب ورقية وأجهزة كمبيوتر للإطلاع الرقمي، وأن تكون متصلة بمواقع أعدّتها الوزارة لتجنّب تشتت الطلاب بين مصادر مفتوحة وغير موثوقة.
بنك المعرفة.. فكرة طموحة أُسيء تطبيقها
كما انتقد تطبيق مشروع "بنك المعرفة" في مرحلة التعليم قبل الجامعي، معتبرًا أنه لم يُصمَّم بالشكل الملائم لهذه الفئة العمرية. مضيفًا: "الطالب في هذه المرحلة لا يزال يتعلّم الأساسيات، فلا يصح أن نضعه أمام بحر مفتوح من المعلومات؛ لأنه سيضيع وسطها كأنه أُلقي في المحيط". وكشف أنه طرح هذه الرؤية على وزير التربية والتعليم الأسبق طارق شوقي، "لكنه لم يتفاعل معها كما ينبغي".
وأشار إلى خلل إداري وفني خطير في عملية إعداد الكتب المدرسية، مستشهدًا بتجربته الشخصية كرئيس للجنة إعداد منهج العلوم للمرحلة الإعدادية، قائلًا: "وضعت منهجًا يتضمن نقاطًا تعالج هذه المشكلات، لكن مركز المناهج لم يتجاوب، وتم إهمال نقاط أساسية ومهمة". واعتبر أن المنظومة الحالية، فشلت في تنمية شخصية الطالب خلال التعليم الأساسي، مما أنتج أجيالًا غير قادرة على الإبداع، مقارنًا الوضع الحالي بالتعليم في ستينيات القرن الماضي الذي "كان مختلفًا تمامًا رغم تواضع إمكانياته آنذاك".
المكتبة والمنهج.. منظومة مفقودة
وتصدر الإدارة العامة للمكتبات سنويًا قائمة معتمدة بأسماء الكتب الموصى بها بعد فحصها من متخصصين في كل مجال علمي، مثل مستشار العلوم أو مستشار الدراسات الاجتماعية، ويتم نشر هذه القوائم على موقع الوزارة ليعتمد عليها مسؤولو المكتبات في حال شراء الكتب أو تلقي تبرعات. وتشمل عملية المراجعة استبعاد الكتب التي تحتوي على أفكار متطرفة أو تتعارض مع القيم والعادات الدينية والاجتماعية.
وعن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على عادة القراءة، أكدت مديرة المكتبات، أن السوشيال ميديا والهواتف الذكية أثرت سلبًا على الإقبال على القراءة، سواء بين الكبار أو الصغار، لما توفره من ترفيه وتفاعل لحظي يجعل الكتاب الورقي أقل جذبًا. ومع ذلك، لا يزال هناك فئة قليلة من الطلاب تحب القراءة وتفضل الكتاب الورقي.
أما عن استخدام بعض المدارس للمكتبات كفصول دراسية، فأوضحت أن ذلك يحدث أحيانًا بسبب ضعف الوعي بأهمية المكتبة أو لضيق المساحات، مؤكدة أن الوزارة ترفض تمامًا تحويل المكتبات لاستخدامات أخرى، وتتابع أي تجاوزات من خلال نشرات رسمية موجهة للمديريات والإدارات التعليمية.
هل السوشيال ميديا بديل للقراءة؟
وفي ختام حديثها، أعربت زينب مشهور، عن أمنيتها في أن يدرك أولياء الأمور أهمية القراءة، مشيرة إلى أن البعض يقلل من شأن الكتاب الورقي ويكتفون بقراءة المنشورات على مواقع التواصل، وهو ما يؤثر سلبًا في نظرة الأجيال الجديدة للقراءة.
وأكدت، رغم أن العالم اليوم يعيش في عصر رقمي، إلا أن التكنولوجيا لا تُغني عن القاعدة المعرفية التي يجب أن تُبنى داخل الفرد. فالمعرفة والوعي لا يأتيان من المعلومات السريعة المنتشرة على "فيسبوك" و"واتساب"، بل من القراءة الجادة في الكتب المتخصصة، التي تُنمّي التفكير النقدي وتوسّع مدارك الإنسان.. ولكن يبقى السؤال.. لماذا غاب دور المكتبات المدرسية في مصر؟ ولماذا لا تهتم بالوزارة بتخصيص ميزانية لتزويدها بالكتب وإعادة إحيائها مرة أخرى؟







