المكتبات العامة في العراق.. من احتكار الاستبداد إلى إهمال المحاصصة

المكتبات العامة في العراق.. من احتكار الاستبداد إلى إهمال المحاصصة

جانب من دار الكتب والوثائق الوطنية العراقية

لم تكن الجملة الشائعة والمتداولة في العالم العربي إلا تعبيرًا حقيقيًا عن الحركة الثقافية في العراق. إذ ما أن تقابل العراقي وتتحدّث له عن الكتب، قال لك سريعًا إنّ مصر تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ. كان العراقيون يكتبون أيضًا بالإضافة إلى شغفهم اليومي بالقراءة، وكان من المشهور في شارع المتنبي، المعروف بازدهار مكتباته وكثرة المؤلفات فيه، أن المكتبة الواحدة تبيع في اليوم الطبيعي من أيام الأسبوع، أكثر من 40 كتابًا، بالإضافة إلى تواجد الناس بشكل مستمر في المكتبات العامة المتواجدة في مناطق حيوية كثيرة في بغداد والمحافظات.

تراجعت القراءة بعد الظروف المريرة التي مرت بالعراق، حروب وفقر وغياب الاستقرار السياسي، إضافة إلى احتكار السلطة الاستبداية للثقافة ووسائل النشر

لكن القراءة تراجعت بعد الظروف المريرة التي مرت بالعراق، حروب وفقر وغياب الاستقرار السياسي، إضافة إلى احتكار السلطة الاستبداية للثقافة ووسائل النشر، ومنعها تداول الكتب غير المرغوب بها من السلطة، وإفراغها المكتبات العامة من كل ما لا يتفق معها أو لا يجري برغبة الرجل الواحد والحاكم الواحد، صدام حسين، رئيس العراق الأسبق. وبالرغم من هذا بقيت شريحة من الناس تحاول أن تقرأ في السر والعلن، بقدر المستطاع الموجود في المكتبات العامة.

اقرأ/ي أيضًا: بغداد مدينة الكتب

بعد سقوط النظام البعثي عقب الغزو الأمريكي، كانت الفوضى هي المسيطرة على المشهد العراقي، إضافة إلى الحرب الطائفية وانعدام الاستقرار بشكل تام، تراجع دور القراءة، وأهملت المكتبات العامّة، وكانت فارغة من القرّاء تمامًا فالناس تبحث عن أكوام الجثث الموزعة بين أزقة بغداد والمحافظات، لكن بعد حضور الاستقرار الأمني النسبي فيما بعد 2008، بدأت المكتبات العامة تستعيد عافيتها، إضافة إلى رجوع الناس للتجوال في شارع المتنبي. ثمّ جاءت المعركة مع داعش، لينشغل الناس بمسلسل جديد من الحروب وإرسال قوافل الموتى الشباب إلى المقابر، لكن بقي الشباب الناشطون يحاولون بالإمكانيات المتاحة إعادة زمام المبادرة وتوفير مساحة جيدة للقراءة وسط حمم النيران، غير أن التحدي الأكبر هو عدم وجود إرادة عامة بالاهتمام بالمؤسسات الثقافية، فكل في النظام السياسي كان منشغلًا بطائفته وحزبه، والبنى التحتية الثقافية تتآكل شكلًا ومضمونًا.

متطوعون شباب، أسسوا نادي بغداد للكتاب، وهي مكتبة مفتوحة ومجانية للتعبير عن غياب دور المكتبات العامّة. وفي حديث لـ"ألترا صوت" عن المكتبات، تقول مؤسسة النادي رغد قاسم إن "المكتبات العامة في العراق كثيرة، في بغداد وحدها يوجد أكثر من عشرين مكتبة عامة، وقد كانت هذه المكتبات في قمة نشاطها، لكن الآن هي شبه ميتة، باستثناء بعض النشاطات القليلة".

ترجع قاسم تراجع دور المكتبات، للإهمال الحكومي بشكل أساسي، إذ إن المكتبات لا تحصل على كتب جديدة وباقية على الكتب القديمة التي ربما يعود تاريخها لعقود من الزمن، فتنقل قاسم عن مدير إحدى المكتبات العامّة في بغداد، قوله، إنه "لم يستلم أكثر من 100 كتاب من الدولة منذ العام 2003"، مشيرة إلى أنه "أمر غريب على اعتبار أن وزارة الثقافة تطبع أضعاف هذا العدد سنويًا".

تضيف رغد قاسم أن "الإهمال الحكومي لا يقتصر على عدم إعطاء الكتب، حيث إن المكتبات مظهرها بائس، بلا لافتات جيدة، إلا ما ندر، فلا يعرف أهالي المناطق التي توجد فيها المكتبات بمكان المكتبة لأن لا شيء يشير إليها، حدائق مهملة، وبعض المكتبات تعاني حتى من انقطاع مستمر للكهرباء، بالأخص وقت الصيف مما لا يشجع القرّاء على الذهاب إليها وقضاء أوقات للقراءة فيها".

معظم الأماكن الثقافية العريقة في العراق يتمّ إهمالها بشكلٍ واضح، بعضها يهدم بسبب أجواء الطقس المتغيرة وعدم تطويره، إضافة إلى تحويل هذه الأماكن إلى منابع اقتصادية لبعض الأحزاب والمتنفذين. وحول هذا، تقول قاسم إن "المكتبات التي تتمتع بموقع جيد تتم الآن مصادرتها بحجة الاستثمار، مثلما حدث لمكتبة المأمون العامة التي تتمتع بموقع رائع ومساحة كبيرة، وصالة عرض مسرحي، تم تأجيرها لتصبح مقرًا لجامعة أهلية، ومكتبات أخرى تحاول الأحزاب الاستيلاء عليها لجعلها مقرّات لها".

بسبب الإهمال يحاول النشطاء المطالبة وعمل الفرق التطوعية لإحياء المكتبات العامة، لكن حتى الفرق التطوعية تجد أمامها جدرانًا كثيرة لا تستطيع عبورها، وبهذا الصدد تشير قاسم إلى أننا "تحدثنا للقراء عن موضوع تراجع المكتبات، تحمس الكثير منهم للمساعدة في تغيير وضع المكتبات العامة، كلّ حسب منطقة سكنه، وبالفعل جمعنا فريقًا كبيرًا، لكن تفاجئنا أن ليس من السهل إقامة أي تجمع في المكتبات لإعادة نشاطها، لأن المكتبات تفتح في أوقات محدودة فقط وفي أيّام الدوام الرسمي فقط، لذلك يصعب على الطلاب والعاملين الاستفادة منها أساسًا".

في سبيل تذليل العقوبات، توضح رغد قاسم، أنهم "التقوا بمدير المكتبات العامة في بغداد، والذي رحب بمبادرتهم، لكنه لفت إلى أن أمر المكتبات ليس بيده، لذا قابلنا محافظ بغداد السابق مرتين وشرحنا له الوضع، ووضعنا خطط بديلة لإعادة تنشيط المكتبات، حتى أن بعض الشباب تطوعوا لفتح المكتبات مساءً من أجل القيام بالفعاليات الثقافية، لكن طلبنا الأخير تم رفضه، أما بقية مقترحاتنا فوعدنا بالنظر بها، لكن لم يتحقق شيء أبدًا".

وبسبب عدم تفاعل الحكومة والجهات المعنية مع الشباب في إعادة نشاط المكتبات العامة، حاولوا استبدال ذلك الخيار باستحداث للمكتبات العامة وتأسيس جديد منها، إذ تقول مؤسسة نادي بغداد للقراءة، إنه "بعد أن أصابنا اليأس عند وصولنا لطريق مسدود، وجدنا أن لا فائدة حقيقية من عمليات التبرع بالكتب للمكتبات العامة ما دامت على وضعها، لذا جمعنا مجموعة من الكتب وبعضها من مكتبتي الشخصية وأنشأنا مكتبة في منظمة تواصل لتمكين الشباب التي استضافتنا مشكورة، تكون المكتبة مفتوحة طوال الوقت، لأي شخص يرغب بالاستعارة، لكنها بالطبع مكتبة صغيرة ونطمح لتوسيعها أكثر، مستدركة "بالرغم من صغرها لكن ليس لدينا بدائل".

وأضافت أن "الفريق الذي طمح لإجراء تغيير في حالة المكتبات العامة صار يسمي نفسه اليوم نادي بغداد للقراءة، وهو مستمر منذ سنتين في إجراء جلسات حوارية مثمرة وقراءات في الكتب، وتقديم سلاسل معرفية تثقيفية مثل سلسلة أساطير العالم".

يرى مراقبون أنّ الثقافة العراقية، وأركانها والمؤسسات المتعلقة بها، ستبقى مرتبطة بفشل النظام المحاصصاتي في العراق

حول الإقبال على نادي بغداد للكتاب، أوضحت أن "الإقبال على النادي جيد جدًا، قياسًا بحجم المكان الصغير، الحماس كبير من الشباب، نقدم قراءات في الكتب، قراءات في لوحات فنية، ومراجعات فنية لبعض الأعمال السينمائية والتلفزيونية، كما نعرض من حين لآخر بعض الأفلام القصيرة"، مبينة أن "النادي استضاف ورشة لتعليم كتابة القصة القصيرة الموجهة للطفل، وبين فترة وأخرى نقدم قراءات شعرية، مرة في حدائق أبو نؤاس ومرة في الزوراء".

اقرأ/ي أيضًا: شارع المتنبي..ليس الكتاب وحده هناك

يرى مراقبون أنّ الثقافة العراقية، وأركانها والمؤسسات المتعلقة بها، ستبقى مرتبطة بفشل النظام المحاصصاتي في العراق، الذي يفضل المسؤول فيه طائفته وحزبه أولًا، دون النظر لوسائل التطوير التي تخدم المواطنين بشكل عام، وتطور من وعيهم وتسهل من تلقيهم لوسائل المعرفة، إذ إن وزارة الثقافة العراقية خاضعة لنظام المحاصصة الطائفية، الذي لا يعدّ يكون مؤهلًا وكفؤًا في إدارة هذه العملية المهمة بمسار الشعوب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أن تكون في بغداد

مهرجان "أنا عراقي أنا أقرأ" .. 40 ألف كتاب هدية للجمهور