المقرئ النصاب.. موسم سقوط نجوم العمائم

المقرئ النصاب.. موسم سقوط نجوم العمائم

لم تخرج عمائم الأزهر من أعمدتها(محمد الشاهد/أ.ف.ب)

من يتوقف أمام طالب الأزهر، عبد الرحيم راضي، وحده لا يعرف القصة الكاملة لما جرى.

راضي، الطالب الذي كذب وصدّق الجميع كذبته بأنه حصل على المركز الأول عالميًا في مسابقة القرآن الكريم بماليزيا، كالذي أحرز هدفًا في الدقيقة التسعين، والناس لابد أن تصفّق للهداف، وتشكره بعد كل مباراة.

كذب طالب الأزهر عبد الرحيم راضي كذبة لا تصدق فوجد كل مؤسسات البلد تريد أن تكرمه وتدعوه لبرامج التلفزيون وإلى الحوارات الصحفية والحفلات خاصة

شكرًا عبد الرحيم راضي، "لعيب"، هدّاف، عرَّى كل مؤسسات الدولة، كذب كذبة لا تصدق، فوجد كل مؤسسات البلد تريد أن تكرمه وتدعوه لبرامج التلفزيون وإلى الحوارات الصحفية والحفلات خاصة، وهو المدخل الذي لابد أن تتوقف أمامه.

يقول الدكتور إبراهيم مجدي حسين، استشاري الطب النفسي، إن "مؤسسة الأزهر وموظفيها وشيخها ومشايخها هم الذين يحتاجون تحليلًا نفسيًا الآن، وليس الطالب عبد الرحيم، فإذا كان شريرًا، هناك من هو أكثر شرًّا منه، فتح له الطريق لكي يكذب، ويروج كذبته، وينشرها في الصحف والفضائيات ومجالس المشايخ، وهذا الشخص الغامض لن يخرج من «دائرة المشايخ»". ولكن لماذا يلجأ إلى هذه الطريقة وتؤيده المؤسسة الدينية الأولى في العالم؟

يجيب الدكتور مجدي: "هذه المبالغة كانت مطلوبة، بالنسبة للأزهر، في وقت لم تحقق فيه أي إنجازات داخل المشيخة، كان المشايخ يريدون تحقيق دفعة نفسية تعيد الأزهر إلى مكانته وطريقه الصحيح، فالآن، ظهر السلفيون، يحققون إنجازات سياسية واجتماعية، كسبوا أرضًا جديدة، وكانت لهم مساجد وقنوات وساحات صلاة وخطب، وظهر دعاة الإخوان، ووصلوا إلى كراسي الحكم، والدور الآن على الأزهر للعودة إلى دائرة الضوء وتحقيق مكاسب حتى لو كانت مزيفة".

الأزهر الآن يعاني عقدة نقص، من كانوا حوله، وأقل منه، ويحجون إليه طلبًا للعلم، وصلوا إلى "أعلى عليين"، مناصب، وقنوات، وسيارات فخمة، وأرصدة في البنوك، و"مال قارون" كان تحت أرجلهم، بينما على الجانب الآخر من الحياة، عمائم الأزهر لم تخرج من أعمدتها، وحدود المسجد الذي نشأت فيه، والآن هم أمام كارثة استوعبوها متأخرًا، وهي أن العالم واسع وعالمهم ضيق. الشيء الثاني الذي كسر نفسية مشايخ الأزهر هو الفراغ، لا أعمال خاصة، ولا إنجازات، ولا نجوم، نجوم المشايخ الآن ليسوا "أزاهرة" باختصار.

الأزهر الآن يعاني عقدة نقص، من كانوا حوله، وأقل منه، ويحجون إليه طلبًا للعلم، وصلوا إلى "أعلى عليين"، بينما عمائم الأزهر لم تخرج من أعمدتها

علي جمعة، الذي درس في المشيخة وأصبح مفتيًا وترجمانًا لعملية تجديد الخطاب الديني، التي دعا إليها السيسي، لا يعتبرونه منهم، ويحملون له كراهية خاصة، لأنه دخل الأزهر متأخرًا للاستزادة من العلم بعدما أنهى دراسته الحكومية العادية.

عمرو خالد خريج كلية تجارة جامعة القاهرة، ولم يدرس العلوم الدينية بالأزهر، وينفر منه منذ البداية، فلا يقترب من حدود المشيخة، ولا يتقرب إلى مشايخها، وشيخه الذي يعمل تحت مظلته علي جمعة. علي الجفري ومعز مسعود ومصطفى حسني لم يتلقوا تعليمًا أزهريًا، ولا ينتمون للمشيخة، وهم "نجوم المرحلة" بين الشباب.

تم تجهيز أسامة الأزهري لدور كبير، ربما يكون أكبر من إمكانياته فلا يظهر، ينزوي من الحياة العامة، ويرفض الحوارات الصحفية، ويقلّل في الظهور لدرجة تكشف جهله بالتعامل مع الإعلام، وتؤكد عدم خروجه من قوقعة الطالب الأزهري، الذي يكره الحياة خارج حدود المشيخة رغم الهدايا والتسهيلات المقدمة له، كرسي في البرلمان، ومنصب المستشار الديني للرئيس، وأكثر من ذلك أنه صلّى بالسيسي والطيب وعلي جمعة، الثلاثة معًا، على الهواء مباشرة.

أزمة مشايخ الأزهر يمكن تلخيصها في عقدة شوقي علام، مفتي الجمهورية الحالي، فإذا حاولت أن تسأل شخصًا عابرًا في الشارع: "من هو مفتي الجمهورية؟.."، سيقول دون تفكير: "علي جمعة"، فالرجل خرج من المشيخة قبل سنوات، ولا يزال الناس يعتقدون أنه فضيلة المفتي، ليس لأنه كبير، أو صاحب كاريزما تجبر الكاميرا على الخشوع أمامه في اللقاءات التلفزيونية، إنما لأن "علام" بلا حضور ولا بصمة حقيقية، ولا معارك فهو رجل عابر على الحياة الدينية في مصر.

أحمد الطيب، شيخ الأزهر، يحمل الصيغة ذاتها، مهما فعل وتكلم يعتقد الناس أنه شيخ عابر في منصب عابر، ويقال إنه "اعتزل"، ومن حوله هم من يديرون المشيخة بدلًا منه، فالرجل ببساطة كما قال مصدر مقرّب منه، جعل الله له من اسمه نصيبًا، هو "طيب" فعلاً، ولا يحمل مواصفات النجم، والناس تتعامل معه على هذا الأساس. يقول إبراهيم مجدي حسين: "الأزهر كان يريد بطولة وأمجادًا تعيد له جزءًا من هالة النور التي كانت تحيطه دائمًا.. حتى لو كانت أمجاد كاذبة ومزيفة".

أراد مسؤولو الأزهر أن يصنعوا نجمًا يدعو لهم، ويعيد الكرة إلى ملعب المشيخة، والاختيار وقع على عبد الرحيم راضي حين سرى بينهم خبر حصوله على أفضل قارئ قرآن في العالم، ودعوه إلى حفل تكريم. بدا السيناريو المكتوب له ضعيفًا، غير مكتمل، يعتمد على الصدفة والظروف وجهل الآخرين (كان يمكن تسفير الطالب إلى ماليزيا سياحة لـ"حَبْك" القصة قليلًا، لكنه لم يستخرج "باسبور" من الأساس!)، فلا أحد يملك ناصية "الجريمة الكاملة" الآن في مصر، ورغم ذلك وقع الجميع في الفخ، ولذلك قال "المقرئ المزيف" في أول تصريحاته الصحفية: «فكرت في التوقف عن الاستمرار في هذه المهزلة، لكني تلقيت اتصالات من أرقام مجهولة تؤكد أنه لو انسحبت ولم أستكمل المسابقة للنهاية سيكون مصيري الموت، وخفت من أن يلحق بأهلي أذى».

مؤسسة الرئاسة، التي دعت راضي لاحتفالية تحمل الأزمات النفسية للأزهر بشكل آخر، تريد إنجازا عالميًا، تريد أن تكسر شوكة الإخوان، الذين يروّجون أن الدولة الآن ضد الدين، ها هو أفضل قارئ للقرآن في العالم يخرج من تحت أيدي السيسي!

اقرأ/ي أيضًا:

الأزهر التاريخيّ في دورانه

المناهج الدينية المصرية بحاجة إلى مناهج!