المقاومة الفلسطينية واستغلال الحكومات العربية

المقاومة الفلسطينية واستغلال الحكومات العربية

(Getty)

ربما من باب المصادفة التاريخية غير المتوقعة، أن ينتفض اليمين الأوروبي ضد سياسات بلاده الداعمة للمهاجرين، بالتزامن مع أحياء الشعب الفلسطيني ذكرى النكبة. الأوروبيون باتوا يتوجسون شرًا بالهاربين من أنصار الكولونيالية العربية الحديثة، أصبحوا أكثر شراسة في التعامل مع الآخرين، بعد أن شعروا بأن أرضهم يجوبها الغزاة.

انتفاضة السكاكين أظهرت عري السلطة الفكري، كونها انتفاضة غير مؤدلجة، قرر الشباب الفلسطيني أن يشق طريقا مختلفا عن كلاسيكيات الحركات المهزومة 

في أمريكا كان الوضع أشبه بما يحصل في أوروبا حاليًا، أي قبل أن تتحول إلى شرطي مرور ينظم حركة دوران الكرة الأرضية، الحروب التي خاضها السكان الأصليين ضد المهاجرين كانت دموية بامتياز، هم أيضًا لم يتقبلوا أي من الوافدين الجدد، وهذه حقيقة تاريخية.

قبل ثمانية وستون عامًا احتلت العصابات اليهودية أراضٍ فلسطينية، في الفترة التي كان فيها العرب يتخلصون من الاستعمار الأوروبي، كانت تلك الفترة من أكثر الفترات أهميًة في معارك استعادة الأراضي الفلسطينية، من عصابات أرباب الرأسمالية وديكتاتورية اليسار الستاليني، للحقيقة يمكن اعتبار الحقبة الستالينية هي الحقبة التي كسرت ظهر اليسار العربي كاملًا.

اقرأ/ي أيضًا: إف-35..آخر الهدايا الأمريكية لإسرائيل

قدمت حركات التحرر الفلسطينية نماذجًا متعددة للنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، الأسماء التي ظهرت على الساحة النضالية من الفلسطينيين، أصبحت قدوًة في ساحات النضال العربية والعالمية، رغم أن منهم من اغتيل على يد داعميهم من الحكام العرب، ومنهم من يحاكم اليوم في باريس. حيث في الوقت الذي رفع فيه قادة المقاومة الفلسطينية شعار "العنف مقابل الأرض"، كان أصاب الفخامات العربية يتهافتون على توقيع اتفاقيات "الأرض مقابل السلام" خلسًة وعلنًا.

الديكتاتوريات العربية كانت بحاجة لعدو وهمي، وبلد يتواجد داخل خارطتها السياسية للاستثمار، اختيار فلسطين لهذا الغرض كان نكبًة ثانية أقسى من نكبتها الأولى. لا تعترف الكيانات العربية بأنها أصبحت دول مجزئة، مصرًة على أنها أمة واحدة، رغم أنها في أكثر من مناسبةظلت على الداوم تطلب من أصحاب الأرض الفلسطينيين ضبط النفس.

ولعل الأقرب توصيفًا لحال الدول العربية في التعامل مع القضية الفلسطينية، هو حال بائع الصحف في فيلم "الزمن المتبقي" لإيليا سليمان، حين كان ينادي "الوطن بشيكل وكل العرب ببلاش"، إذ ليس من مشكلة في إغلاق معبر رفح من الجانب المصري، بما أن الغاز الطبيعي لن ينقطع عن الجارة إسرائيل.

الاستثمار العربي للقضية الفلسطينية ظهر واضحًا في الصراع السوري الراهن، النظام السوري يتحدث عن عملاء إسرائيليين يريدون تفكيك البلاد، القوى الفلسطينية الموجودة في سوريا، مؤمنة بذلك حتى أنها تريد الدخول إلى فلسطين من الشمال السوري، المثقفون الفلسطينيون يتسابقون في الذهاب إلى دمشق لمؤازرتها في حربها ضد الإرهاب.

أيضًا في ريف حلب، يقاتل فيلق القدس الأبناء المخلصين للجنرال قاسم سليماني، بحثًا عن أحد الأنفاق التي ستكشف خطوط الإمداد بين المعارضة السورية والاحتلال الإسرائيلي. تظهر إيران من بوابة دعمها للميليشيات المقاتلة إلى جانب الأسد، على أنها الحارس الشرعي للقضية الفلسطينية، الطائرات الإسرائيلية تستبيح سماء دمشق، تدمر مواقعًا للنظام السوري، تغتال سمير القنطار، لكنها تتجنب استفزاز الإيرانيين.

اقرأ/ي أيضًا: الولايات المتحدة صامتة بينما حلب تحترق

ومن المفارقات يظهر وقوف الفصائل الفلسطينية الموجودة في سوريا إلى جانب الأسد، في الوقت الذي تنتقد انتفاضة السكاكين في فلسطين. القادة الفلسطينيين حديثي التاريخ السياسي، حولوا الفصائل في سوريا إلى ميليشيات مرتهنة للنظام السوري، وهذه ليست مذمة، بل حقيقة معروفة لدى الجميع، لكن علينا أن ننتبه إلى أنه إذا حدث وصافح بشار الأسد أحد قادة إسرائيل، فأن التبرير الدبلوماسي يكمن في الحكمة الشكسبيرية "عد أصابعك إذا اضطررت لمصافحتهم".

انتفاضة السكاكين كشفت عورة القيادات الفلسطينية الحديثة، فهم وإن يظهر عليهم القهر من أبطال انتفاضة السكاكين الذين أرعبوا جنود الاحتلال والمستوطنين، يتراكضون للتبرك بعباءة ديمقراطية الأمم المتحدة، خوفًا من إغلاق منافذ التمويل الدولي.

فعليًا هم أمام حقيقة لا يستطيعون مواجهتها، هي أن انتفاضة السكاكين أظهرت عريهم الفكري، كونها انتفاضة غير مؤدلجة. هذه المرة قرر الشباب الفلسطيني أن يشق طريقًا مختلفًا، بعيدًا عن كلاسيكيات الحركات المهزومة وأدبيات الأحزاب الهرمة.

في تقرير نشر عن انتفاضة السكاكين على قناة فرانس 24، التقى معد التقرير مع مجموعة من جنود الاحتلال والمستوطنين، المتحدثون أصروا أنهم لا يقتلون إلا في حالة الدفاع عن النفس، حتى عندما التقى مع أحد النشطاء الفلسطينيين، أبدا الناشط حرصًا شديدًا على نبذ العنف، تفرح الدول الغربية التي تعتبر نفسها أحد أهم رموز الديمقراطية، إن وجدت واحدًا من أنصار الورود البيضاء ومظاهرات الشموع، لكنها تمتعض في نفس الوقت إن وجدت أحدًا يقول إن إسرائيل تثأر من الفلسطينيين لما فعل الهولوكوست النازي بأحفادها.

كتب إدوارد سعيد في أحد مقالاته، أن الفلسطيني "لا يحتاج إلى التذكير بأن أي انتصار إسرائيلي يقابله خسارة فلسطينية"، وهي حقيقة أصبح يدركها جيل كامل ممن ما زالوا متمسكين بخيار الحرية من الاحتلال، أي أولئك الذين وجدوا في سكينهم خلاصًا لنكبتهم الطويلة.

اقرأ/ي أيضًا:

جزيرة فاضل..هنا يرقد حلم العودة إلى فلسطين

ثلاثة عوامل وراء عاصفة النفط العالمية