ultracheck
  1. قول

المقاطعة والهوية والذاكرة: حملة "لست شجرة" وصعود الفرز الاجتماعي في سوريا

4 يونيو 2026
حملة لست شجرة
حملة "لست شجرة" المثيرة للجدل (منصة إكس)
مهيب الرفاعي مهيب الرفاعي

تشكل حملة "لست شجرة" واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية والإعلامية إثارة للجدل في سوريا خلال المرحلة الراهنة، بسبب السياق الذي ظهرت فيه وطبيعة الخطاب الذي تتبناه والفراغ السياسي والمؤسساتي الذي سمح لها بالانتشار السريع؛ وبسبب مضمونها المرتبط بالدعوة إلى المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية لأبناء الطائفة العلوية في سوريا. 

سياق هش

الحملة جاءت في مرحلة تعيش فيها البلاد تحولات عميقة على مستوى السلطة والذاكرة الجماعية والعلاقات بين المكونات الاجتماعية، وهي مرحلة تتسم بحضور كثيف لمطالب العدالة والمحاسبة، وبنقاشات واسعة حول المسؤولية التاريخية عن سنوات الصراع، الأمر الذي منح أي خطاب قادر على مخاطبة مشاعر الغضب والخذلان والاستياء فرصة استثنائية للانتشار والتحول إلى قضية رأي عام، خصوصًا بعد إعلان مسؤولية أمجد يوسف عن ملف اعتقال وقتل الدكتورة رانية العباسي وعائلتها، والدعوات التي رافقت هذا الإعلان إلى مقاطعة طائفة كاملة تحت ادعاء أن كل الطائفة مسؤولة عن جرائم نظام الأسد.

شرعية تاريخية

في أصلها النظري، تمثل المقاطعة إحدى الأدوات المدنية التي استخدمتها المجتمعات الحديثة للضغط على الحكومات والشركات والمؤسسات بهدف تعديل سلوكها أو سياساتها، وقد ارتبطت تاريخيًا بحركات الحقوق المدنية والنقابات العمالية والحملات المناهضة للتمييز العنصري والاستعمار، حيث كانت المقاطعة وسيلة جماعية لتوجيه ضغط اقتصادي أو اجتماعي نحو طرف يمتلك سلطة أو نفوذًا أو قدرة على التأثير. 
 
وقد اكتسب هذا الفعل مع مرور الزمن شرعية أخلاقية وقانونية بوصفه جزءًا من حرية الاختيار وحرية التعبير، وتحول إلى أحد أكثر أشكال الاحتجاج السلمي حضورًا في المجال العام المعاصر. 

الحملة جاءت في مرحلة تعيش فيها البلاد تحولات عميقة على مستوى السلطة والذاكرة الجماعية والعلاقات بين المكونات الاجتماعية، تتسم بحضور كثيف لمطالب العدالة والمحاسبة ونقاشات واسعة حول المسؤولية التاريخية عن سنوات الصراع

غير أن المقاطعة عندما تنتقل من استهداف المؤسسات والجهات السياسية والاقتصادية إلى استهداف الجماعات البشرية على أساس الانتماء الاجتماعي أو الديني أو الطائفي، فإنها تدخل فضاء مختلفًا تمامًا، لأن مركز القوة ينتقل من نقد السلوك والممارسة إلى إعادة تعريف العلاقات بين البشر أنفسهم، ومن مساءلة الفعل إلى مساءلة الهوية والانتماء. 

تُظهر التجارب التاريخية أن المقاطعة اكتسبت شرعيتها وتأثيرها عندما ارتبطت بمواجهة أنظمة سياسية أو سياسات تمييزية واضحة المعالم، كما حدث في مقاطعة الحافلات في مونتغمري بين عامي 1955 و1956، حين قاد الأميركيون الأفارقة حملة واسعة ضد نظام الفصل العنصري في وسائل النقل العامة، واستمرت لأكثر من عام لتصبح إحدى المحطات المفصلية في حركة الحقوق المدنية الأميركية بقيادة مارتن لوثر كينغ. 

وفي السياق نفسه، شهد العالم خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حملة مقاطعة دولية واسعة ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، شاركت فيها حكومات ومنظمات ونقابات وجامعات ومؤسسات ثقافية ورياضية بهدف الضغط على الدولة لإنهاء سياساتها العنصرية، الأمر الذي منحها شرعية أخلاقية وسياسية واسعة لارتباطها المباشر بمواجهة سلطة رسمية ونظام قانوني قائم على التمييز. 

كما استخدم المهاتما غاندي المقاطعة الاقتصادية كأداة مقاومة ضد الاستعمار البريطاني عبر الدعوة إلى الامتناع عن شراء البضائع البريطانية وتشجيع الصناعات المحلية الهندية، فتحولت المقاطعة إلى ركيزة من ركائز الحركة الوطنية الهندية الساعية إلى الاستقلال. وفي العقود الأخيرة برزت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) المرتبطة بالقضية الفلسطينية، والتي تدعو إلى مقاطعة شركات ومؤسسات عالمية ضخمة مرتبطة بالسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وداعمة لها وممولة، وانتشرت هذه الحملات في الجامعات والنقابات والمؤسسات الثقافية حول العالم. 

ويجمع بين هذه النماذج كلها أنها استهدفت دولاً، أو مؤسسات، أو أنظمة سياسية ،أو اقتصادية محددة، وربطت فعل المقاطعة بهدف سياسي أو حقوقي واضح، ما جعلها تُقدَّم بوصفها أداة ضغط مدني موجهة نحو السلطة أو البنية المؤسسية أكثر من كونها وسيلة لإعادة تشكيل العلاقات اليومية بين جماعات اجتماعية داخل المجتمع الواحد.

عدالة بديلة

من هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم الجدل الذي رافق حملة "لست شجرة". فالحملة تعلن في خطابها الرسمي على فيسبوك أنها تستهدف شبكات المصالح المرتبطة بالنظام السابق، وتتحدث باستمرار عن المسؤولية الأخلاقية والوعي المدني وحرية الامتناع عن التعامل الاقتصادي، إلا أن المواد البصرية والإعلامية التي رافقت انتشارها، والتعليقات المصاحبة لها، قدمت صورة مختلفة لدى قطاعات واسعة من الجمهور. فالمنشورات التي تناولت قضايا مقاطعة السكن والإسكان والمصافحة والعمل والمعاملات اليومية (مقاطعة التاكسي والمحال التجارية والحلاقين ومزوّدي الخدمات)، والعلاقات الإنسانية (لا تتزوج من.. ولا تصافح.. ولا تبتسم لـ.. ولا تناقش.. ولا تمشِ مع..)، بالإضافة إلى مقاطعة صفحات فيسبوك (لا تعلق لدى فلان أو في هذا المكان الافتراضي المعين)، نقلت النقاش من مستوى الشبكات الاقتصادية والسياسية إلى مستوى العلاقات الاجتماعية المباشرة، الأمر الذي يدفع إلى قراءة الحملة باعتبارها مشروعًا لإعادة فرز المجال الاجتماعي السوري أكثر من كونها أداة ضغط اقتصادية أو سياسية على كيانات نظام الأسد أو داعميه. وفي هذه اللحظة تحديدًا برز التوتر بين اللغة المعلنة للحملة والرسائل التي استقبلها الجمهور، لأن الخطابات السياسية والاجتماعية تقاس بالحدود التي ترسمها داخل المجتمع وبأنماط السلوك التي تشجع على إنتاجها، بالإضافة إلى المفردات المستخدمة.

حملة بلا مساءلة

يكتسب هذا الجدل أهمية مضاعفة بالنظر إلى غياب أي جهة رسمية أو مؤسسية تتبنى الحملة أو تتحمل مسؤولية نتائجها؛ إذ أن الحملة تقدم نفسها بوصفها حراكًا شعبيًا عفويًا ولا مركزيًا، وتؤكد باستمرار أنها لا تتبع لأي مؤسسة أو حزب أو جهة سياسية، غير أن هذا الغياب نفسه يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة الرمزية التي تمنح نفسها حق التدخل في تشكيل العلاقات الاجتماعية بين السوريين. 

هنا نحن أمام فكرة مهمة وهي أن المؤسسات الرسمية، مهما بلغت درجة الاختلاف معها، تبقى خاضعة لأشكال من الرقابة والمساءلة القانونية والسياسية، بينما تتحرك الحملات الرقمية المجهولة ضمن مساحة واسعة من التأثير مع مستوى محدود للغاية من المسؤولية. وفي بيئة تعاني أصلًا من ضعف المؤسسات الناظمة للمجال العام، وغياب الرقابة الإعلامية الحقيقية وغير الوهمية، ومن غياب هيئات فاعلة للعدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية والسلم الأهلي، تكتسب هذه الحملات قدرة كبيرة على إعادة تشكيل النقاشات العامة وصناعة الاستقطاب من دون أن تتحمل الأعباء السياسية والأخلاقية والأمنية المترتبة على ذلك، خصوصًا في ظل دعوات من موتورين للقتل والتنكيل بجماعة كاملة.

على مستوى آخر، يكشف انتشار الحملة عن أزمة أعمق تتعلق بالبحث عن العدالة في المجتمعات الخارجة من النزاعات؛ إذ انه عندما تتأخر مسارات العدالة الانتقالية، أو تكون غير شاملة ومكتملة، وتتراجع قدرة القضاء والمؤسسات العامة على إنتاج سردية متفق عليها حول المسؤولية والمحاسبة، يبدأ المجتمع بالبحث عن أدوات بديلة تمنحه شعورًا بالفعل والتأثير. وفي هذه الحالة تتحول المقاطعة (بالإضافة إلى المؤثرين وصناع المحتوى) إلى نوع من العدالة المجتمعية غير الرسمية، أو ما يمكن وصفه بمحاولة نقل وظيفة المحاسبة من المؤسسات إلى الأفراد. 

غير أن هذه العملية تحمل إشكاليات معقدة، لأن نظم أو مسارات العدالة الحديثة تقوم على مبدأ المسؤولية الفردية وتحديد الأفعال والأدوار والمسؤوليات بدقة، في حين تميل الحملات الجماهيرية إلى توسيع دوائر الاشتباه وفرض حمولات التصنيفات الجمعية. هنا يتحول النقاش من هدف يتعلق بمن ارتكب الفعل أو استفاد منه إلى هدف يتعلق بمن ينتمي إلى هذه الجماعة أو تلك، وهي نقلة تحمل آثاراً اجتماعية عميقة في مجتمع ما زال يحاول إعادة بناء الثقة بين مكوناته المختلفة.

تعكس الحملة أزمة ثقة عميقة أكثر مما تعكس مجرد خلاف سياسي عابر، لا سيما أنها تكشف حجم التصدعات التي أصابت العلاقات الاجتماعية خلال سنوات الحرب

أزمة الثقة المجتمعية

ربما أكثر ما كشف هشاشة البنية الرمزية للحملة تمثل في موجة السخرية الواسعة التي رافقت انتشارها، بما في ذلك داخل أوساط تشترك معها في الموقف السياسي العام تجاه النظام السابق (إن لم نقل تجاه طائفة كاملة) . فقد أثار اختيار شعار "أنت لست شجرة" استغراباً واسعاً لدى المستخدمين، لأن العبارة ارتبطت لسنوات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي بخطاب الهجرة والتنقل وكسر الجمود الشخصي والبحث عن حياة أفضل في مكان آخر، وتحولت في الثقافة الرقمية العربية في مرحلة ما بعد كورونا (Covid-19) إلى استعارة مرتبطة بمغادرة الواقع القائم والانتقال إلى بيئة جديدة. 

ولهذا بدا ربط هذا الشعار بالدعوة إلى مقاطعة جماعة اجتماعية داخل البلد نفسه أمرًا مثيرًا للمفارقة، وفتح الباب أمام موجة واسعة من النكات والتعليقات الساخرة التي تناولت التناقض بين المعنى الأصلي للشعار والمعنى الجديد الذي حاولت الحملة إضفاءه عليه. كما انطلقت الانتقادات من نقطة أكثر جوهرية تتعلق بالطابع التعميمي للخطاب، حيث رأى كثيرون أن اختزال جماعة اجتماعية كاملة في صورة سياسية واحدة يتجاهل التعقيد الفعلي للواقع السوري، ويتعامل مع مئات الآلاف من الأفراد بوصفهم كتلة متجانسة تمتلك التاريخ ذاته والمواقف والأدوار ذاتها، في حين أن التجارب الفردية داخل أي جماعة اجتماعية تبقى أكثر تنوعًا وتشابكًا من أن تُختزل في سردية أو توصيف واحد.

وعلى مستوى أوسع، تعكس الحملة أزمة ثقة عميقة أكثر مما تعكس مجرد خلاف سياسي عابر، لا سيما أنها تكشف حجم التصدعات التي أصابت العلاقات الاجتماعية خلال سنوات الحرب، وتوسعت أكثر بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وسقوط نظام الأسد، وتوضح كيف انتقلت الانقسامات من المجال السياسي إلى المجال اليومي، بحيث أصبح النقاش يدور حول الجار والشريك وصاحب العمل والمستأجر والتاجر والطبيب، أي حول البنية الاجتماعية ذاتها. لا تتعلق الحملة فقط بالمقاطعة باعتبارها أداة احتجاج، بقدر ما تتعلق بإعادة تعريف دوائر الثقة والانتماء داخل المجتمع السوري في مرحلة ما زالت فيها الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعدالة والذاكرة والمصالحة مفتوحة من دون إجابات نهائية. 

ولذلك تبدو "لست شجرة" انعكاسًا لأزمة سورية أوسع بكثير من حدودها المباشرة، أزمة تتصل بالبحث عن العدالة، وبكيفية إدارة الذاكرة الجماعية، وبقدرة المجتمع على الانتقال من منطق الاصطفاف والفرز إلى منطق المواطنة والمؤسسات والقانون وتحمل المسؤولية.

كلمات مفتاحية
الحوار المهيكل

إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا بين منطق التسوية وإعادة إنتاج المرحلة الانتقالية

يقف المشهد السياسي الليبي أمام مفارقة مركّبة: من جهة، تبدو الحاجة إلى سلطة تنفيذية موحّدة شرطًا عمليًا لإنهاء الانقسام المؤسسي وتوفير بيئة انتخابية قابلة للإدارة

إيتمار بن غفير

من "العائلات الثكلى" إلى "المواطن الأمني": كيف تعيد إسرائيل توزيع العنف داخل المجتمع؟

أثار قرار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بتعيين أفراد من "العائلات الثكلى" كمراقبين على أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية جدلًا واسعًا

ماكرون والشرع

السباق الأوروبي نحو دمشق.. ما الذي يبحث عنه ماكرون في سوريا؟

تعيد العواصم الأوروبية رسم مقاربتها تجاه سوريا على وقع التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتتعامل مع دمشق باعتبارها إحدى أهم العقد الجيوسياسية

كأس العالم 2026
رياضة

الفيفا يدرس توسيع كأس العالم إلى 64 منتخبًا بداية من نسخة 2030

سيُناقش المقترح رسميًا داخل اللجان المختصة في الفيفا عقب انتهاء كأس العالم 2026

كأس العالم 2026
رياضة

"مونديال الأسئلة الصعبة".. كيف أخفى تألق بيلينجهام هشاشة منتخب إنجلترا؟

الانتصار يمنع المدرب من رؤية الأخطاء، ويجعله رافضًا للاعتراف بدور الحظ أو المهارة الفردية، وبالتالي لن يغير طريقته لأنه لا يرى المشكلة من الأساس

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يدخل عالم الفن.. إبداع جديد أم تهديد للفنانين؟

قد تتمكن الخوارزميات من ابتكار قصة مؤثرة، أو إنتاج صورة تحمل ملامح الحزن، أو تأليف لحن يوحي بالفرح والحنين. لكنها تفعل ذلك اعتمادًا على ما تعلمته من أعمال وتجارب بشرية سابقة، لا انطلاقًا من حياة عاشتها أو ذكريات كوّنتها

كأس العالم 2026
رياضة

لماذا تحولت مباراة إنجلترا والنرويج إلى أكثر مباريات المونديال إثارة للجدل؟

غادر المنتخب النرويجي البطولة مقتنعًا بأنه دفع ثمن سلسلة من القرارات المثيرة للجدل، بدءًا من هدف التعادل الإنجليزي، مرورًا بإلغاء هدف كان سيمنحه التقدم