المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل: انتصارات وتناقضات

المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل: انتصارات وتناقضات

كارلوس لطوف/ لبنان- البرازيل

في الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر، انعقدت اللجنة المكلفة بمناقشة مشروع قرار مقاطعة جامعات الكيان الصهيوني، جاءت فعاليات هذا الاجتماع ضمن برنامج الاجتماع السنوي لرابطة الأنثروبولوجيين الأمريكيين قبل تصويت أعضاء الرابطة على هذا القرار، ليتم الحسم في تصويت ثانٍ نهائي آخر هذه السنة.

أشهر محاولات الكيان الصهيوني في التطبيع هي دعوات زيارة الأراضي المحتلة من منطلق ديني

بذل الكثير من الجهد لإنجاح هذه الجلسة من خلال التحضير لها منذ العام الماضي، عبر التصويت على فتح باب مناقشة هذا الملف، وتكليف لجنة تقصي حقائق بزيارة الأراضي المحتلة، وإعداد تقرير حول اعتداءات الكيان الصهيوني في مجال حرية التفكير والتعبير الأكاديمي، حتى تبلورت هذه اللحظة التي سيتخذ فيها قرار المقاطعة.

تكلمت إحدى أعضاء الطاولة المستديرة عن المضايقات التي يتعرض لها الباحثون أثناء قيامهم بأبحاث ميدانية تَتطلّب التفاعل مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وبالرغم من صحة هذه المعلومة إلا أن هذا الاتجاه في التفكير يطرح عدة تساؤلات أولها: هل تطالب اللجنة بحوكمة أكثر رشدًا ونضجًا من الجانب الإسرائيلي، تسمح للباحثين والباحثات بالقيام بأبحاثهم دون معوقات أو التهديد بترحيلهم؟ بالرغم من صدور تقرير لجنة لرابطة الأنثروبولوجيين يوثّق الاعتداءات على الأكاديميين الفلسطينيين من خلال اعتقالات، ومنع العديد من الكتب من الوصول إلى الضفه الغربية، إلا أن شبح الاعتذارية كان حاضرًا في القاعة بوضوح، حيث بدا الموقف العام للأكاديميين ميالًا إلى اتخاذ نصف موقف، بما لا يتسبب بخسائر مع أعضاء رابطة الأنثروبولوجيين.

وأردفت المتكلمة قائلة: "في ظل هذه الاعتداءات يصبح مجال المناقشة والحوار مستحيلًا". ما لبث الأمر حتى صار هذا الانحياز الاعتذاري واضحًا بتركيز المتكلمات على المخاطر التي تواجه الأكاديميين الذين يزورون الأراضي المحتلة. متناسين أن حملات المقاطعة ومناهضة التطبيع في العالم العربي تعمل على أن تقاطع الكيان الصهيوني بشكل كامل، على الرغم من استقبال إسرائيل للخونة المطبعين من العرب بأحضان واسعة، مع سعيها لإصدار العديد من الدعوات لزيارة الأراضي المحتلة دون أي تضييقات. هكذا يقاطع العرب الكيان الصهيوني حتى في سعيه لدعوتنا لزياراتٍ دون أي مضايقات.

أشهر هذه المحاولات هي دعوات زيارة الأراضي المحتلة من منطلق ديني، إذ يتم تسويغ دعوات زيارة الأراضي المحتلة من منطلق تأدية واجب ديني حتى إن كان في ظل الاحتلال، الأمر الذي يعقد عليه الكيان الصهويني آماله للدفع بملف التطبيع إلى الأمام. أعضاء اللجنة لم يلتفتوا إلى المقاطعة الدينية، مستشهدين بعنوان الاجتماع السنوي للرابطة "بين المألوف والغريب"، حيث تحدثت إحدى المُداخلات إنه بالرغم من ظهور المستوطن اليهودي الأبيض كوجه مألوف لبعض الأمريكان، نتيجة التقارب اليهودي- المسيحي، إلا أنه علينا أن نعمل على أن يكون الفلسطيني مألوفًا أيضًا وليس غريبًا. 

أكبر تناقضات حملة المقاطعة الأكاديمية هو إصرارها على حصر المقاطعة على المؤسسات الصهيونية لا الأفراد

في تبني هذا المنطق عدة مخاطر، أولها تجاهل موقف الكنيسة القبطية في مصر حول قيام الأقباط بالتقديس في القدس المحتلة، ومعها عدة كنائس فلسطينية، وتجاهل أيضًا لرفض مسيحيي الشرق الأرثوذوكس المنطق المسيحي البروتستانتي الذي يسعي لاحتضان اليهود كأشخاص مألوفين لجميع المسيحيين، وربما حتى تعميدهم ليصيروا مسيحيين قبل وصول القيامة، كما هو اعتقاد بعض مسيحيي الصهيونية. وهو أيضًا يشرعن عمليات الاستيطان التي تؤمن بأن عودة المسيح لن تأتي إلا بتعميد اليهود وتوبتهم عن قتل المسيح، أو على الأقل التحضير للمجيئ الثاني في القدس من خلال عودة ("عودة" وليس ذهاب) اليهود للأراضي المقدسة. فبالرغم من كون الشأن الديني محل اهتمام كبير للأنثروبولوجيين إلا أن هذا الرأي لم يجد صدى لدى أعضاء اللجنة بسؤالهم عن استعدادهم للتصدي للهيمنة المسيحية الصهيونية، وإسكات المسيحيين الأرثوذوكس الذين يتصدون لتوظيف الديانة المسيحية في ثيابها الصهيونية.

ربما في هذا الصدد تطور مؤسف أكثر، وهو تسويغ منطق المقاطعة علي أساس أن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تموّل الكيان الصهيوني، فكيف يتجرؤون على مموليهم ويتمردون عليهم؟ لهذا السبب خصيصًا تصبح فكرة المقاطعة الأكاديمية، رغم أهميتها، ضعيفة لأنها تأتي في صيغة تمنع بالأساس تطوير هذا التضامن إلى منطق اقتصادي، لأن فكرة المقاطعة الأكاديمية نابعة من استياء زبون لم يحصل على المنتج الذي وعده البائع، أي لم يُسمح للباحث الأمريكي بتوظيف تمويل حكومته للكيان الصهيوني، وذلك لحصوله على امتيازات تترجم إلى أغراض بحثية.

لعل أكبر وأصعب تناقضات حملة المقاطعة الأكاديمية هو إصرارها على حصر المقاطعة على المؤسسات الصهيونية في الكيان الصهيوني، الأمر الذي ظهر عندما قام أحد الأشخاص من الجمهور بسؤال اللجنة كم من الجامعات التي يحاضر فيها الأساتذة تدعم الحكومة الأمريكية وجيشها من خلال أبحاث تطوير الترسانة الأمريكية أو تكنولوجيا التجسّس؟ بالرغم من بؤس هذا المنطق إلا أنه بات واضحًا أن فكرة المقاطعة للكيان الصهيوني أصبحت ملفًا يتبناه بعض الأكاديميين الأمريكان، الذين وصلوا إلى حائط مسدود في قضايا أخرى مثل التصدي للهيمنة الأمريكية، فيحمل منظورهم إلى القضية الفلسطينية تناقضات الأكاديمية الأمريكية بين التضامن والهيمنة.

لهذا السبب سيسمح للأكاديميين الأنثروبولوجيين الذين يعملون في جامعات في الأراضي المحتلة بالمشاركة في فعاليات الرابطة بصفتهم الشخصية، لأن المقاطعة ستقع على مؤسسات وليس على أفراد، وهذا ما يضعف جوهر فكرة المقاطعة، مقارنة مع قرار لجنة المقاطعة في الجامعة العربية، الذي ينص على مقاطعة الأشخاص الذين يعملون في المؤسسات الجامعية في الأراضي المحتلة. ولنتذكر القرار العربي في 1973 بمقاطعة البلاد الأوروبية التي تتعاون مع الكيان الصهيوني، عبر رفع سعر بيع برميل النفط.

المقاطعة التي تجد صدى في الغرب تركز على فكرة "الحوار"، وكأنّ المستعمِر مساوٍ للمستعمَر

بعيدًا عن نتائج استعمال سلاح النفط في المقاطعة، تجدر الإشارة إلى أن فكرة مقاطعة من يتعاونون مع الكيان الصهيوني إضافة إلى مقاطعة الكيان كله، تبدو فكرة أكثر جدوى في محاصرة الكيان دوليًا، على عكس فكرة المقاطعة التي بدأت تجد صدى في أوروبا والولايات المتحدة، مركزة على فكرة "الحوار"، وكأنّ المستعمِر مساوٍ للمستعمَر، الأمر الذي لم تعبأ به الرابطة.

إذا حسم قرار المقاطعة آخر هذا العام، فسوف تفصل من الرابطة المؤسسات الإسرائيلية ولن يسمح لها بالتمثيل في الاجتماعات، وستُلغى اشتراكات هذه المؤسسات في المجلات العلمية التابعة للرابطة، ويمنع تمثيل أي جامعة إسرائيلية في المؤتمر السنوي، فقط سوف يسمح للأفراد بالمشاركة بصفة شخصية. وهذا ما تم انتقاده من الحاضرين عبر مقارنته بحملة مقاطعة عالمية لجنوب أفريقيا، أثناء الأبرتهايد، حيث لم يكن هناك تفريق بين الأكاديميين والمؤسسات.

سرّ قوة مشروع قرار مقاطعة جامعات الكيان الصهيوني هو استعمال المقاطعة لجلب إسرائيل إلى طاولة الحوار، وهو ما عبرت عنه إحدى المداخلات بقولها: "المقاطعة لن تغير العالم لكنها ستفتح حوارًا، لماذا نحن قلقون منها؟". ثم جاءت نتيجة التصويت النهائي بأغلبية ساحقة بـ 1040 صوتًا يؤيد مشروع القرار، في مقابل 136 صوتًا يعارض المقاطعة.

اقرأ/ي أيضًا:

المقاطعة والبحث عن جبهة أخلاقية

صحف أوروبا تبكي بندقية الصهيوني