المفتي حسون.. تعالوا إلى ذلكم!

المفتي حسون.. تعالوا إلى ذلكم!

المفتي أحمد بدر حسون

يظهر المفتي أحمد بدر الدين حسون في المشهد السوري بطريقة أقرب إلى رجل السياسة المهموم بإيجاد تبريرات تلفيقية لمآزق النظام الأسدي التي وجد نفسه يتخبط فيها جراء سوء إدارته للشأن السوري العام، أكثر من كونه رجل الدين المجدد المأخوذ بإعادة قراءة النصوص الدينية التقليدية على نحو يقربها من واقع الناس المعاش، عبر أداة الفتوى وتقنياتها المتنوعة.

يظهر المفتي أحمد حسون في المشهد السوري بطريقة أقرب إلى رجل السياسة المهموم بإيجاد تبريرات تلفيقية لمآزق النظام الأسدي

في حديثنا عن ممارسة حسون للسياسة يجب أن لا نغالي بدوره، كما لو كان يمارسها كعضو في المجمع الرئاسي الأسدي المناط به اتخاذ القرارات الهامة على المستوى الاستراتيجي العام، بقدر ما أن دوره فيها يكاد لا يتجاوز المستوى التنفيذي البحت الذي يعمل على تحويل التوجهات العامة إلى وقائع. فعلى الرغم من حضوره الاعلامي  في معظم الأحداث السياسية، إلا أن دوره يكاد لا يتعدى دور الناقل للرسائل السياسية، حتى ولو كانت تفوح منها بعض الأحيان القذارة، كما في حادثة التهديد الإرهابي الذي أطلقه ضد الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، عبر الادعاء بقدرته على تجنيد بعض المسلمين الذي يعيشون في بلاد الغرب لتفجير أنفسهم في شوارع المدن الأوروبية، في محاولة من نظام الأسد لثني فرنسا عن مطالبتها بوجوب الإسراع في ضرورة تحقيق الانتقال السياسي التي تضمنته اتفاقيات جينيف بخصوص القضية السورية.

اقرأ/ي أيضًا: هل توجد طبقة رجال دين في الإسلام؟!

لا ينسى المرء دوره في تحذير ترامب من خطورة المضي قدمًا في صفقة القرن وفرضها بالقوة على الفلسطينيين، كما لو أراد أن يذكّر بدور دولته  الفعال كعضو في محور الممانعة الذي تقوده إيران في المنطقة، على الرغم من الوضع الكارثي الذي تتخبط فيه.

مع ذلك فإنه لا يخفى على المرء الأدوا ر المختلفة التي بدأ النظام الأسدي تكليف مفتيه حسون بها، والتي يغلب على بعضها الطابع السياسي البحت، من مثل استقباله لعضو أمانة اللجنة المركزية في الحزب الشوعي الكوبي، الذي جاء متضامنًا مع النظام في حربه على الإرهاب، كما يغلب على بعضها الطابع الأمني البحت كما في استقباله لمدير مركز الدراسات الدرزية ربيع زهر الدين، وقطعه له وعدًا بتشيكل لجنة خاصة بمتابعة الملف الأمني في محافظة السويداء بطريقة توحي أنه قائد لفرع أمني. الأمر الذي يدفعنا لتساؤل عن الأسباب الفعلية التي تدفع برأس النظام الأسدي، لقيامه بتعويم رجل دين لا يشغل في دولته أي منصب حكومي ذي وزن، اللهم سوى الرغبة باستخدامه كناقل رسائل أو بالونات اختبار في كل اتجاه، لا يترتب على كلامه أو تصريحاته أي مسؤولية سياسية، حيث يمكن التبرؤ أو التنصل منها بكل يسر وسهولة كما لو أنها لم تكن.

في البحث عن الدور الوازن والمؤثر الذي صار عليه المفتي حسون، بعد أن وقع الاختيارعليه من قبل نظام الأسد، لا نعثر عليه في الكريزما الشخصية التي يتمتع بها على أهميتها، إنما في ذلك المنصب الديني الذي يشغله في منظومة المؤسسة الدينية السنية التي تجعل منه المؤهل للردّ على التصورات الشعبية  ذات الطابع الديني التي رأت من حقها الخروج على نظام الأسد وسلطته المطلقة، سواء عبر المظاهرات أو السلاح بقصد الدفاع عن النفس، كذلك الشخص المؤهل للقيام بعملية قراءة النصوص والأحداث الإسلامية التاريخية بقصد تجييرها لصالح نظام الأسد.

في القراءة التي قدمها المفتي حسون في لقائه مع الأخبارية السورية بمناسبة السنة الهجرية الجديدة، بذل جهدًا تلفيقيًا واضحًا للايحاء بالمطابقة بين دولة الرسول الفاضلة، أو العادلة في المدينة المنورة، ومثيلتها الأسدية، لا لشيء الله سوى للتنوع الديني: مسلمين ووثنيين ويهود، والعرقي: بلال الحبشي، صهيب الرومي، وسلمان الفارسي.. الذي صادف وجوده في المدينة المنورة كما صادف وجوده في دولة الأسد: مسلمين ومسيحين وملحدين وكردًا وأرمن و شيشان وغيرهم... دون أن يخطر على باله أن الدولة الفاضلة المعاصرة هي دولة حق وقانون، يمتلك فيها المواطنون الأحرار وحدهم أحقية إدارة شؤون حياتهم العامة، دون قسر أو تدخل من قوة الجيش أو المخابرات الغاشمة، وليست تجمعًا لمذاهب دينية أو أقليات عرقية لا جامع بينها سوى الاستبداد الذي يطاول الجميع.

يأتي تحرك المفتي حسون ضد اللاجئين السورين في جميع بلاد اللجوء متساوقًا مع حملة النظام ضده

في اللقاء التفزيوني العظة، تبدو مقدرات السيد حسون الفكرية والمعرفية متواضعة مقارنة بمقدراته الخطابية التي تكاد تصل في صدقها حد الأداء المسرحي المبهر. ففهم حسون لمجموعة القيم التي تحكم حياة الإنسان الأوروبي يبدو ساذجًا، إلى الدرجة التي لا يمكن تمييز فهمه عن فهم الإنسان المسلم العادي المسلح معرفيًا بالصور النمطية السلبية الشائعة عن الأوروبي، التي تنفي عنه كل ما هو إنساني وترميه بقيمة البهيمية المتمثلة بالأكل والشرب وممارسة الجنس المشاع، الأمر الذي لا يعدو كونه مجرد تظليل وافتتاء على الحقيقة. فالصدق بكافة أنواعه، مع النفس كما مع الناس، قيمة إنسانية كبيرة في المجتمع الأوروبي، لأن فقدانه يؤدي إلى فقدان الثقة بالمبادلات التجارية والإنسانية في المجتمع، فهل يعقل لصاحب مصنع أوروبي أن يلجأ للغش في مواصفات البضاعة التي قد ينتجها، كما يمكن أن يلجأ إليها أصحاب مصانع الجوارب الذين تربطهم علاقة تجارية بالسيد حسون؟ ومن ثم هل رأيت مواطنًا أوروبيًا يستمع إلى أكاذيب مسؤوله الحكومي أو راعيه الكنسي ويقبل على نفسه بإعادة إنتخابه مرة أخرى؟ ومن ثم كيف لك أن تغمض عينيك عن قيمة القيم عند الأوروبي المتمثلة بالاعتراف بالآخر و كرامته  من حيث كونه إنسانًا صاحب إرادة حرة، لا عبدًا لمفتٍ ولا لرئيس جمهورية وراثية ولا لرئيس فرع أمني؟

اقرأ/ي أيضًا: "فقه الفساء".. اشتباك مع ياسر برهامي وأشباهه

يأتي تحرك المفتي حسون ضد اللاجئين السورين في جميع بلاد اللجوء متساوقًا مع حملة النظام ضدهم، التي تستهدف أول ما تستهدف شيطنتهم وتجريمهم كما لو كانوا مجموعة من الإرهابين الذي حملوا السلاح ضد أبناء وطنهم، الأمر الذي نسمعه صراحة على لسان سماحة المفتي المنتفج، في معرض شماتته من اللاجئين السوريين الذين قامت السلطات التركية بترحيلهم إلى إدلب: "يا من حملتم السلاح ضد وطنكم سوريا؟ أتريدون الغفران؟ تعالوا"، فهو يصر مسبقًا على وضع جميع اللاجئين السوريين في خانة حاملي السلاح، الذين لا يمكن التكرم بالعفو عنهم والغفران لهم، إلا إذا أعترفوا أولا بخيانتكم  "عودوا، ولكن لا بد من عطاء وفداء وتضحية أي (اعتراف بذنب الخيانة) سوريا تنتظركم يا من طعنتموها!". كما لو كانت لديه نية مسبقة في تحديد نوع العودة التي سيحصل عليها كل سوري عائد، والتي لن تكون في أحسن أحوالها سوى عودة بطعم الذل، وكيف لها أن تكون غير ذلك وهي في جوهرها مبنية على غفران من نفس الطعم؟

تبدو الروح الهجومية لحسون في عظته للاجئين السوريين في ليلة السنة الهجرية استكمالًا لعظته في حادثة ترحيل اللاجئين السوريين القسرية من تركيا، فبعد أن أشبعهم غيضًا في جعل عودتهم الموعودة مغمسة بالذل، وبعدما لم يستجيب لعودته أحد منهم عاد ليذكرهم بالاختيار بين ذلين، ذل وطني أسدي مجرب وذل أوروبي حديث يتم اكتشافه وتجريبه على مهل، وما كل ذلك إلا عبر هذيانه عن قصة الأطفال اللاجئين السوريين التي تقوم أوروبا عديمة القلب والرحمة بتحويلم إلى عبيد، دون أن يشرح لنا طبيعة العبودية التي يتعرض لها الطفل السوري الذي تؤمن له الحكومات الأوروبية التعليم المجاني، وثم تفتح له سوق العمل وفق مهارته المهنية، وصولًا لمنحه حق الإقامة والتنقل، مع إمكانية حصوله على جنسية بلدها ليصير واحدًا من أبنائها الموفوري الكرامة والحال.

في محاولة تعرفنا على المفتي حسون، فإننا نراه بعيون الصحفي إسماعيل مروة، جريدة الوطن السورية، الذي لا يحدّثنا في مقاله العائد إلى 17 من أيلول/سبتمبر عام 2017 عن المفتي بقدر ما ينقل عنه، فهو العلامة الذي لم يتصدَ لتحقيق أعمال الإمام الشافعي بقصد الحصول على درجة الدكتوراه، بل ليتمثل أخلاق الإمام وعلمه الواسع، وهو الشخص المترفع عن افتتاح معهد ديني يحمل اسمه على غرار معهدي الفتح والنور، لأنه لا يريد لشيء أن يقف في طريق ما نذر نفسه إليه، ألا وهو الإفتاء لجميع أبناء المذاهب في سوريا بما فيهم غير المسلمين، إلى الدرجة التي جعلته يجرؤ على أن يطلق على نفسه لقب "المفتي العلماني". ناهيك عن المتسامح المتعالي عن الأحقاد لدرجة تبنيه قول السيد المسيح "أحبوا أعداكم"، في معرض تلقيه خبر مقتل ابنه سارية ذي الواحد والعشرين ربيعًا، من قبل معارضيه كما يدعي، محتسبًا إياه قربانًا وفداء لسوريا الجريحة وأهلها.

في الشهر السادس من عام 2015، أحب المفتي أن يدلنا على نفسه دون وساطة من أحد، في معرض لقائه مع أبناء الجالية السورية في موسكو، كما نقل لنا وقائع ذلك اللقاء نزار البوش، مراسل وكالة سبوتنيك الروسية ـ عربي. حيث أقسم أغلظ الإيمان بأن بشار الأسد بريء من دم السوريين: "أقسم لكم بالله أنني لو عرفت أن بشار الأسد أمر بقصف أناس مدنيين، لوقفت في وجهك يا بشار الأسد، لأنني سأقف غدًا بين يدي الله".

كل ما يفعله المفتي حسون هو الكذب، بل الكذب بوقاحة الكذّاب الذي قال فيه هو نفسه: "الكذاب جبان لأنه لا يستطيع أن يحكي كلمة الحق"

هل حقًا أن الأسد لم يعط الأوامر لتدمير بيوت الناس وفق رؤوس ساكنيها؟ ولم يحول مدنًا سورية كاملة إلى عجينة إسمنتية عديمة الملامح؟ إذا كان الأسد لم يعط أوامره لقصف المدنيين كما يدعي حسون، فكيف سوّلت له هو نفسه أن يطالب جيش بشار بذلك، هو رجل الدين الذي يدعي التسامح والخير والحب للجميع، بما فيهم قتلة ابنه، "أرجو منك يا جيشنا أن تبيد أي منطقة تخرج منها أي قذيفة حتى ولو كان يسكن فيها مدنيون من الطرف الآخر".

اقرأ/ي أيضًا: منبر الشيخ فتحي صافي

في اللقاء نفسه نتعرف على حسون ذي الوجهين الذي يحرّم مرّة على رجال الدين الحق بممارسة السياسة، أو المطالبة بتكوين أحزاب دينية لهم، ومرة أخرى حين يبيح لنفسه ما يحرّمه على الآخرين عبر ممارسته السياسة الصراح، فهل يريد أن يقنعنا أن المفتي الذي يقوم بالحشد والتطبيل والتزمير لسياسات النظام الإجرامية لا يمارس السياسة، بل يمارس الوعظ الديني الخالي من كل مقصد ونية سياسية؟ أم أن كل ما يفعله الرجل هو الكذب، بل الكذب بوقاحة الكذّاب الذي قال فيه هو نفسه: "الكذاب جبان لأنه لا يستطيع أن يحكي كلمة الحق، وكل جبان بخيل، وكل بخيل خائن، يسرق مالك، وكل خائن ديوث يسرق عرضك لا تدخلوه بيوتكم، فكل كذاب بخيل جبان خائن ديوث".

 

اقرأ/ي أيضًا:

النهضة وسؤال الهوية

الموقف العلماني.. عن الإنسان والسلطة